798

يقول نيت بريسلي، أستاذ القانون في جامعة ستانفورد والذي يدرس الاتصال السياسي: «يريد الرؤساء في الولايات المتحدة دائمًا الحديث مع جميع الأمريكيين في آن واحد، عبر لفت الانتباه لتصديقهم». ويُكمل: «عن طريق المنصات الجديدة، لم يتواصل أوباما مباشرة إلى الناس فقط، بل تمكن أيضًا من توجيه الرسائل إلى الجماهير التي لا تبدي اهتمامًا».

ويضرب أوباما في العصر الحالي المثال على الدهاء الرقمي، فقد استطاع عبر سياسته المعتمدة على التكنولوجيات الإعلامية الحديثة في خلق بيئة تربط بين السياسيين بمن ينتخبونهم. وأصبحت هذه السياسة معيارًا ودليلًا لعلوم وأدوات إعلامية جديدة يمكن الاعتماد عليها لتحقيق أكبر تواصل ونفع مع الجمهور.

1- صحافة البيانات والتعامل مع البيانات الضخمة

داخل حملة هيلاري كلينتون، كان هناك شيء يدعى «Ada»، والذي كان معروفًا لدى أعضاء الحملة كمعرفة الأمريكيين بكلينتون. و«Ada» هو كمبيوتر ذو خوارزمية معقدة، أعدت الحملة للكشف عنه علنًا بعد الانتخابات، وأنه كان اليد الخفية لتوجيه الحملة.

كان للخوارزمية دور في كل القرارات الاستراتيجية التي كان يتخذها مساعدو كلينتون؛ فحملة كلينتون كانت تعتمد بشكل أساسي على جمع «البيانات المدفوعة» وتحليل «البيانات الضخمة» في ظل تحفظ وتكتم شديد من الحملة. حيث كان الخادم (الكمبيوتر) منفصلًا عن بقية الأجهزة كإجراء وقائي وأمني، وعدد قليل من كبار مساعدي كلينتون من كان يستطيع الوصول لذلك الخادم وبالتالي للمعلومات التي يقدمها.

فعبر مجموعة ضخمة من البيانات من أرقام الاقتراع وبيانات الناخبين التي جُمعت بدقة، غُذي الخادم لتحليل هذه الأرقام والخروج بتوصيات وتوجيهات يُمكن اتباعها بناءً على الأرقام. فعلى سبيل المثال أعطى «Ada» صورة مفصلة حول الولايات التي تستطيع ترجيح كفة السباق لصالح كلينتون.

وطبقًا لمركز «جالوب» فإن حركة البيانات في عالم اليوم أضحت تنمو بشكل كبير، ليس فقط فيما يتعلق بالكم الهائل من البيانات، لكن أيضًا في استخدام تلك البيانات لاتخاذ القرارات السليمة، وهذا ما تعني به «صحافة البيانات». فالتقدم الرقمي وتنامي الاقتصاد وانفجار البيانات وطرق تحليل تلك الأرقام والبيانات؛ أصبح يشكل قيمة كبيرة لـ«صحافة البيانات» والعلوم التي تعتمد على التنقيب عن البيانات واستخدام وتحليل هذه «البيانات الضخمة».

في حديث لعمرو العراقي – مؤسس موقع إنفوتايمز لصحافة البيانات – مع شبكة الصحفيين الدوليين؛ أوضح أن دور الصحفي اليوم لم يعد يقتصر على تحرير المادة الصحفية ونشرها فقط، فتطور الصحافة خلال السنوات القليلة الماضية، ألزم الصحفيين من تطوير قدراتهم لتنتقل الصحافة للاعتماد على «البيانات الضخمة» والتي تحتاج إلى مهارات متنوعة بجانب مهارات العمل الصحفي المهني، مثل التعامل مع الأكواد والقدرة على لفت انتباه القارئ عن طريق قصص تفاعلية تعتمد على تحليل البيانات بعلم الإحصاء والمعادلات الرياضية، وهذا ما دفع «جامعة بوينتر للأخبار» لتقديم دروس في الرياضيات للصحفيين.

يعرف روجرز – محرر بيانات على جوجل – صحافة البيانات على أنها «تكمن في استخدام الأرقام لسرد افضل قصة ممكنة».  تكمن أدوات صحافة البيانات في آليات جمع وتنظيم وتحليل البيانات وعمل قصة تفاعلية عن طريق هذه الأرقام. وبالتالي التعامل مع برامج ولغات برمجة مثل:

  • Google spreadsheet: شبيه برنامج إكسل الشهير، الذي يعمل على تنظيم البيانات وترشيحها والحصول على رسوم بيانية من خلاله.
  • لغات برمجة مثل: HTML, CSS, Javascript, D3.js, Python, PHP, MySQL
  • كما توجد مجموعة من المنصات التفاعلية المجانية التي يمكن استخدامها للخروج بقصة تفاعلية مثل Quadrigram, Tableau, Power BI وغيرها العديد من التطبيقات. كذلك أصبح هناك العديد من البرامج التي تسعى لتطوير وتعليم الصحفيين قواعد صحافة البيانات، خاصة في الدول النامية، مثل «دليل صحافة البيانات» الذي يمكنك قراءته بشكل مجاني.

2- الدبلوماسية الشعبية الرقمية وتغير حركة العالم

«عندما نفكر في مصطلح الدبلوماسية يخطر على بال الكثير القلم والريشة والمداد، والمراسلات الدبلوماسية من خلال الحمام الزاجل، إلا أن اليوم بات هناك مصطلح جديد بتنا نوليه أهمية كبيرة، ألا وهو الدبلوماسية الرقمية».

هكذا استهلت «روز ماري ديفيس»، المتحدثة باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إحدى مقالاتها والتي تحدثت فيها عن الثورة الرقمية التي غيرت من معالم الدبلوماسية، وأهمية التفاعل مع «مواطني» شبكات التواصل الإجتماعي؛ بسبب النمو الهائل في أعداد مستخدمي تلك الوسائل.

ففي أواخر عام 2015، أعلن فيسبوك أن عدد المستخدمين النشطين شهريًا على موقع التواصل الاجتماعي بلغ 114 مليون مستخدم من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومنهم 102 مليون شخص يستخدمون الموقع الإلكتروني من خلال الأجهزة الذكية. وعن مستوى النشاط فيعود حوالي 60% من المستخدمين إلى موقع فيس بوك يوميًا.

وهذا التطور الهائل والمستمر في بلادنا العربية لا شك أنه وسع مجال العمل الدبلوماسي، وتجاوز الدور الرسمي التقليدي للسفارات، ووظيفة الدبلوماسيين المهنيين التقليديين في تشكيل العلاقات. وهذا أدَّى إلى ظهور التواصل الحقيقي والمباشر بين الشعوب؛ فالمواطن العادي أصبح يستطيع التأثير وتشكيل الرأي لدى الآخر الذي لم يكن يستطيع الوصول إليه والتعرف عليه منذ عدة سنوات قليلة.

وبحسب بحث للدكتور سليمان صالح – أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة وجامعة طيبة – عن «استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الدبلوماسية» كان من بين أهم المفاهيم التي ظهرت في المؤتمر الدولي للدبلوماسية الإبتكارية في مالطا 19 و20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 مفهوم الثقافة الدبلوماسية الابتكارية التي تتناسب مع تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وتتجاوز الثقافة الدبلوماسية البروتوكولية التقليدية. فالدبلوماسية الابتكارية تعتمد على النظم الاتصالية الحديثة وهي بطبيعتها غير رسمية.

غير ذلك، ظهر مفهوم جديد وهو «الدبلوماسية عبر تويتر Twiplomacy»، وهذا المصطلح يعني أن هناك مجالات وملامح وأدوات جديدة لممارسة الدبلوماسية. وتعرف وزارة الخارجية البريطانية «الدبلوماسية الرقمية Digital diplomacy» أو «الدبلوماسية الإلكترونية E-diplomacy»، بأنها حل مشكلات السياسة الخارجية باستخدام الإنترنت.

لذا انتقل النشاط العالمي في العصر الرقمي الحالي إلى مساحات أكبر رحابة تسمح باتخاذ القرارات من عدد كبير من الناس حول العالم. ولقد أعطت آفاز – منظمة غير حكومية تدعم الصحافة المستقلة في مناطق النزاع – الفرصة لأولئك الذين لا يريدون المشاركة في الاحتجاجات على الأرض، في تنظيم العرائض الإلكترونية من منازلهم والتي أصبحت تنجح في الضغط على المسؤولين والحكومات حول العالم.

يقول أليس جاي – مدير حملات آفاز – حول الشأن السوري والمذابح المرتكبة في حق شعبه: «حان الوقت لجميع دبلوماسيي العالم مراقبة العنف. الآن، تطرد الحكومات حول العالم سفراء سوريا، ولكن إن لم نطالب بإجراءات قوية، سوف تبقى تسوية نصف الحلول الدبلوماسية».

ويشير تقرير لـ«Global Research» حول جهود آفاز الدبلوماسية الرقمية، أنها بدأت عريضة ضد حركة BDS «الحركة العالمية لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل حتى تنصاع للقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني»، وتعمل آفاز ضد هذه الحركة عن طريق إعداد عريضة للمسؤولين للضغط في صالح المستوطنين الإسرائيليين، والتي تعتبرهم آفاز أنهم «ضحية تمييز».

تعليقات الفيسبوك