أحمد طلب

18

أحمد طلب

18

3,073

في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وبعد يوم واحد من قرار البنك المركزي المصري بتحرير سعر صرف الجنيه، خرج شريف إسماعيل رئيس الوزراء المصري في مؤتمر صحافي ليقول إنه «خلال الفترة المقبلة سيكون هناك زيادة في أسعار بعض السلع بعد ارتفاع أسعار المواد البترولية»، واصفًا هذه الزيادة بأنها «تكلفة للإصلاح الاقتصادي».

عندما صرّح إسماعيل بذلك لم يكن أحد يتخيّل أن تشتعل الأسعار في مصر وتصل إلى هذه المستويات غير المسبوقة، إذ شهدت كل أسعار السلع في السوق المصري سواء المحلية أو المستوردة قفزات تجاوزت 100% في بعضها، وهو ما يزيد القلق حول صحة التعافي الاقتصادي للبلد العربي الواقع شمالي إفريقيا، بحسب موقع «ماركيت ووتش» الأمريكي.

عمرو الجارحي وزير المالية المصري، هو الآخر أشار لما لفت إليه رئيس الوزراء في حديث لـ«بلومبرج» عندما قال إنّ «معدل التضخم في مصر لم يبلغ ذروته بعد، متوقعًا حدوث ذلك قريبًا في نهاية الربع الأول من العام الجاري»، ليتضح أن حديث الجارحي ومن قبله إسماعيل رسالة واضحة تُفيد بأنّ القادم فيما يخص التضخم لا يزال أسوأ.

1- ما هو التضخم.. وما هي أنواعه؟

قبل الحديث عن المعدل الذي وصل إليه التضخم في مصر، نُوضّح أن التضخم هو ارتفاع أسعار السلع والخدمات ويأتي إما من خلال زيادة النقد المطروح أو عن طريق زيادة الإنتاج فائضة عن الطلب الكلي، ويُعرف أيضًا بأنه ارتفاع أسعار السلع والخدمات في ظل حدوث انخفاض في القدرة الشرائيّة المرتبطة بسعر صرف العملة.

وينتج التضخم عدة عوامل اقتصادية متعددة تعود في الأساس إلى اختلال العلاقات السعرية بين أسعار السلع، وبين أسعار عناصر الإنتاج، تكون النتيجة «انخفاض القوة الشرائية».

وهناك عدة أنواع من التضخم، أبرزها: التضخم الأصيل والتضخم على الطلب والتضخم المتسلّل والتضخم المكبوت والتضخم المستورد والتضخم الركودي.

ويرى محللون أن مصر تعيش في مرحلة التضخم الركودي، وهو الذي يحدث أثناء فترة الركود على الطلب ويؤدي إلى انخفاض أو توقف الإنتاج ما يعكس نتائج سلبيّة على مجموعة من المؤشرات الاقتصاديّة.

2- إلى أين وصل التضخم في مصر؟

سجل التضخم الأساسي في مصر أعلى مستوى له في أكثر من 10 سنوات، بحسب بيانات البنك المركزي، وصولًا إلى 30.86% في يناير (كانون الثاني) الماضي، فيما ارتفع تضخم أسعار المستهلكين بالمدن لأكثر من مثليه إلى 28.1% على أساس سنوي في يناير (كانون الثاني) من 13.6% في أكتوبر (تشرين الأول).

وبحسب موقع «تريدنج إيكونوميكس» فإن هذا المعدل من أعلى المعدلات المسجلة في تاريخ البلاد، إذ سجلت مصر أعلى معدل تضخم في تاريخها (منذ بدء القياس) حين بلغ 35.1% في يونيو (حزيران) عام 1986.

ورغم أن مؤشر التضخم الأساسي لا يشمل أسعار المواد شديدة التقلب مثل الأغذية والوقود إلا أن قراءة يناير (كانون الثاني) البالغة 30.86% هي الأعلى منذ يناير (كانون الثاني) 2005، وهو أقدم بيان متاح بموقع البنك المركزي على الإنترنت.

أسعار الأغذية والمشروبات قادت الارتفاعات الحادة في معظم تضخم أسعار المستهلكين بالمدن في يناير (كانون الثاني)، إذ زادت تلك المواد بنسبة 37.2%، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فيما يتوقع للتضخم «أن يبلغ ذروته بحلول منتصف العام الحالي»، على حد قول جيسون توفي اقتصادي الشرق الأوسط لدى كابيتال إيكونوميكس في لندن.

3- ما مدى مصداقية معدل التضخم الرسمي؟

معدل التضخم الحكومي لا يمثل الواقع الذي يعيشه المواطن المصري

ضياء الناروز، أستاذ الاقتصاد ونائب مدير مركز صالح كامل الاقتصادي، يُؤكد على أنّ معدل التضخم الحكومي لا يمثل الواقع الذي يعيشه المواطن المصري، مُوضحًا أن الرقم الحقيقية قد يتجاوز 100%، وهو ما يلمسه المواطن المصري من تضاعف أسعار العديد من السلع إلى أكثر من الضعف، بخاصة السلع الغذائية والأجهزة الكهربائية.

ومع التسليم بالمعدّل المعلن للتضخم من قبل الحكومة، نجد أنّه بتتبع معدلات التضخم لآخر أربعة أشهر وهي أكتوبر (تشرين الأوّل) ونوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأوّل) ويناير (كانون الثاني)، هي على الترتيب: 13.6% و19.4% و24.3% و29.6%؛ ارتفعت هذه المعدلات بعد قرار تعويم الجنيه في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، بمقدار 16% خلال ثلاثة أشهر.

«هذا الارتفاع كان نتيجة مُباشرة لتعويم الجنيه»، يقول الناروز لـ«ساسة بوست»، مُضيفًا أن هذا التعويم ترتب عليه ارتفاع أسعار جميع السلع المستوردة إلى أكثر من الضعف، نتيجة انخفاض قيمة الجنيه المصري مقابل العملات الأخرى وخاصة الدولار؛ لا شك أن هذا الارتفاع في معدلات التضخم يشعر ويتأثر به أصحاب الدخول المحدودة؛ والذين يمثلون السواد الأعظم من المجتمع المصري.

الخبير الاقتصادي ممدوح الولي اتّفق مع الناروز في أن رقم معدل التضخم المُعلن من قبل الحكومة «أقل بكثير من الواقع»، لكنّه في المقابل وضّح بالبيانات أسباب ذلك التي من بينها أن البيانات الرسمية تعتبر إنفاق المصريين على الطعام والشرب يمثل نسبة 34.4% فقط من إنفاقهم، وذلك يعني إعطاء الطعام والشراب وزنًا نسبيًا أقل، رغم أنّه يُمثّل حوالي 70% من إنفاق المصريين، وتزيد هذه النسبة كلما ازداد الفقر، بحسب الولي.

من بين الأسباب التي أوضحها الولي في حديثه لـ«ساسة بوست»، تلك التي تدور حول طريقة حساب نسبة التضخم بالمركزي للإحصاء، إذ يُعتمد على 479 مجموعة سلعية وخدمية فقط، من إجمالي نحو ألف سلعة، وهو الأمر الذي يزيد من عدم دقة معدل التضخم الذي يعلن عنه المركزي، كما يقلل من تأثير التغييرات السعرية على النسبة المستخرجة للتضخم، لأن بعض هذه السلع تدخل تحت مظلة التسعير الجبري، ولهذا حذف البنك المركزي عند وضع مؤشره الخاص بأسعار المستهلكين بعض تلك السلع، مثل الخضر والسلع ذات التسعير الجبري.

وعلى سبيل المثال يذكر الخبير الاقتصادي مؤشر الجهاز المركزي للإحصاء عندما يحسب التغير في الخبز، فإنّه يُركّز على الرغيف ذي الخمسة قروش الذي لم يحدث به تغير منذ سنوات وفي المقابل يترك الأنواع الأخرى من الخبز التي زادت أسعارها، وكذلك الأمر بالنسبة لأسعار السجائر الجبرية ولا يلتفت لأسعار السجائر في السوق السوداء، وفي مواسم الحصاد يزيد سعر السولار بالسوق السوداء بينما يعتمد الجهاز الأسعار الجبرية الحكومية للسولار، وكذا أسعار المواصلات التي يركز فيها على تذاكر المترو والنقل العام والسكة الحديد، التي تتغير كل عدة سنوات، بينما يهمل أسعار الميكروباصات التي يكثر استخدامها فتتغير بمعدل أعلى وهكذا.

ستيف هانك أستاذ الاقتصاد التطبيقي بجامعة جونز هوبكينز الأمريكية، اتفق هو أيضًا مع الناروز والولي في القول بأنّ معدلات التضخم الحقيقية في مصر تفوق المُعلن عنها من قبل الحكومة، فهو يرى أن معدل التضخم الحقيقي في مصر يُساوي 146.6%!

4- كيف وصل التضخم إلى هذا المستوى التاريخي؟

صعد منحنى التضخم في مصر خلال الأشهر القليلة بشكل متسارع، وثمّة عدة أسباب ساهمت في هذا الصعود السريع، وأبرزها:

تعويم الجنيه

يعتبر تعويم الجنيه أبرز الأسباب الرئيسية التي قادت التضخم في مصر إلى هذه المستويات غير المسبوقة، إذ كان البنك المركزي يُموّل الاحتياجات الحكومية سواء لأغراض الإنتاج أو الاستهلاك عند أسعار 8.86 جنيهات للدولار، ولكن بعد تعويم الجنيه لم يعد الأمر كذلك، فالسوق الآن حر ولا يجب أن يتدخل المركزي بالبيع أو الشراء، وبالتالي فإن المؤسسات الحكومية والعامة ستزيد من تكلفة منتجاتها، وهو ما ساعد على ارتفاع الأسعار.

ضريبة القيمة المضافة

أقر مجلس النواب المصري في 29 أغسطس (آب) 2016، قانون ضريبة القيمة المضافة عند 13% على أن تزيد النسبة إلى 14% في 2017- 2018.

والقيمة المضافة ضريبة مركبة تفرض على الفرق بين سعر التكلفة وسعر البيع للسلع المحلية والمستوردة وستحل محل ضريبة المبيعات الحالية التي يقول اقتصاديون إنها تحدث تشوهات في السوق، وقادت هذه الضريبة الأسعار في الأسواق المصرية إلى الجنون، إذ لا يفرق المحللون بين تأثيرها على التضخم وتأثير التعويم.

اقرأ أيضًا: 6 أسئلة تشرح لك ضريبة القيمة المضافة الجاري تطبيقها في مصر

زيادة الجمارك

في مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2016، قرر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي رفع أسعار الجمارك على بعض السلع والمنتجات للمرة الثانية في نفس العام، ففي يناير (كانون الثاني) 2016 رُفعت أسعار الجمارك على بعض السلع المستوردة، وأصبحت التعريفة الجمركية لها تتراوح ما بين 20% و40% بعدما كانت ما بين 10% و30% في الماضي.

قرار ديسمبر (كانون الأول) قضى برفع أسعار التعريفات الجمركية على 364 سلعة بنسب تترواح ما بين 45% و60% بعدما كانت ما بين 10% و30% في الماضي، وتعد زيادة تلك الرسوم سببًا أساسيًّا في رفع مستوى الأسعار لمساهمتها في دفع التضخم لمستويات كارثية.

رفع أسعار الوقود

في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قررت الحكومة المصرية رفع أسعار البنزين والسولار وغاز السيارات، إذ قالت الهيئة المصرية العامة للبترول إن سعر البنزين ارتفع بين 35% إلى 50% للأنواع الثلاثة، وارتفعت أسعار السولار بأكثر من 30%.

وارتفع سعر أسطوانة غاز الطهي للمنازل بنسبة تقارب 90%، وزاد سعر غاز السيارات بنسبة تزيد على 45%، وقادت هذه الزيادة جماح التضخم في البلاد، إذ أن ارتفاع أثر الوقود في التضخم أكبر بكثير من غيره.

أسعار الكهرباء

في الثامن من أغسطس (آب) 2016 رفعت الحكومة المصرية أسعار الكهرباء بنحو 20% في المتوسط للقطاع التجاري، وما بين 18% إلى 56% للقطاعات الصناعة، فيما وصلت الزيادات التي طبقت على الاستهلاك المنزلي، نحو 40% في المتوسط.

وتوقع بنك الاستثمار الإماراتي «أرقام كابيتال» أن تساهم هذه الزيادة في ارتفاع معدلات التضخم، نظرًا لانعكاسها في ارتفاع تكاليف إنتاج السلع والخدمات، وهو الأمر الذي ظهرت نتائجه مؤخرًا.

5- ما هي حقيقة اتهام جشع التجار والاحتكار بإشعال التضخم؟

غالبًا ما تجعل الحكومة المصرية ووسائل الإعلام الموالية لها جشع التجار في صدارة أسباب التضخم، وغالبًا ما يثار الحديث عن مراقبة الأسعار وتوفير السلع في الجمعيات الاستهلاكية وبطاقات التموين وجهاز الخدمة العامة، باعتبارها حلولًا لهذا الارتفاع؛ إلا أن ضياء الناروز يرى أن هذا الأمر «بعيد كل البعد عن الأسباب الحقيقية والمعالجات السليمة لما يعانيه الاقتصاد المصري».

إذًا ما هي الطريق التي على الحكومة اتباعها لمواجهة التضخم؟ الإجابة هي «زيادة الإنتاج» أو كما يرى الناروز، وزيادة الإنتاج تكون بتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، «إذ إن واقع المناخ الاستثماري في مصر لا يُساعد أو يشجع علي مزيد من الاستثمارات سواء المحلية أو الأجنبية، رغم كثرة الحديث عن سياسات وتعديلات تشريعية لجذب الاستثمارات وتشجيعها، إلا إن هذا لا يمثل إلا ضجيجًا لا نرى له طحنًا»، على حد تعبير الناروز.

هذا ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من الارتفاع في معدلات التضخم، بخاصة في ظل التزام الحكومة بتنفيذ تعليمات صندوق النقد الدولي للحصول على باقي أقساط القرض البالغ 12 مليار دولار، وأهمها، رفع الدعم بالكامل عن الوقود.

6- ما تداعيات التضخم على المواطن والدولة؟

على المواطن:

تكمن تداعيات التضخم على المواطن بشكل أساسي في خفض القيمة الشرائية للنقود بنفس نسبة التضخم، هناك أيضًا تآكل قيمة الودائع في البنوك رغم الحصول على الفائدة وإن كانت نسبتها 20%، وذلك لأن نسب التضخم المعلن عنها رسميًا تزيد عن ذلك بنسبة 10%.

على الاقتصاد الكلي:

أما فيما يخص الاقتصاد الكلي يؤدي التضخم إلى تداعيات سلبية عديدة، من أبرزها عزوف المستثمرين الأجانب؛ لأن التضخم يأكل الأرباح، بالإضافة إلى تعطل الاستثمار الداخلي؛ لأن التضخم يرفع تكلفة الاقتراض من البنوك، وكذلك زيادة معدلات الفقر وتآكل الطبقة المتوسطة، وزيادة الطلب على اكتناز العملات الأجنبية، للحفاظ على قيمة النقود، وهو الأمر الذي يقود الاقتصاد إلى أزمات كارثية.

ويصنع التضخم كذلك حالة من الركود داخل الأسواق، مما يقلص أرباح الشركات وهو ما يدفعها لخفض النفقات والاستغناء عن العمالة، وبالتالي ترتفع نسب البطالة، وهو ما يزيد من الأعباء على الحكومة.

ووفقًا لمؤشر مديري المشتريات الرئيسي (PMI) لبنك الإمارات دبي الوطني، استمر التراجع القوي في نشاط شركات القطاع الخاص غير المنتجة للبترول في مصر خلال ديسمبر (كانون الأوّل) الماضي، للشهر الـ15 على التوالي.

وأوضح التقرير أن هذا المعدل يتسق مع حالة التدهور الملحوظة في شهر ديسمبر (كانون الأوّل) رغم ارتفاعه من أدنى مستوى له في 40 شهرًا، والذي وصل إليه في نوفمبر الماضي، إذ أكد التقرير أن التضخم الحاد عامل رئيسي وراء الصعوبات التي واجهتها الشركات خلال ديسمبر الماضي.

7- بعد هبوط الدولار.. هل تنخفض معدلات التضخم؟

كما ذكرنا فإن أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع التضخم كان هبوط الجنيه المستمر، ومع ارتفاع الجنيه خلال الأيام الماضية إذ تراجع سعر صرف الدولار من 18.8 بداية شهر فبراير إلى 16 جنيهًا في منتصف الشهر، ينتظر الجميع هبوط الأسعار في المقابل، لكن رغم هذا الهبوط الكبير لم تتأثر الأسعار في الوقت الراهن، بل ومن المرجح ألا يؤدي ذلك إلى انخفاض أسعار السلع أو الخدمات بخاصة في الأجل القصير.

كما يُتوقّع ألا يُؤثر هبوط الدولار على أسعار جميع السلع؛ لأن هناك عوامل أخرى تلعب دورًا رئيسًا في أسعار السلع، فالمنتجات الزراعية يدخل فيها النقل والبنزين والمازوت، وهي أشياء لم تنخفض أسعارها؛ لأنها ترتبط بالطاقة وليس الدولار.

ويعتمد أنه إذا كان هذا الانخفاض حقيقيًّا ناتجًا عن زيادة استثمار أو زيادة صادرات أو ما شابه، فمن الطبيعي أن تنخفض الأسعار، لكن هذا يحتاج إلى بعض الوقت مع وجود حكومة قوية تراقب الأسواق، مشيرًا إلى أن أسعار بعض السلع لن تتأثر بالدولار؛ لأن الحكومة ترفع الدعم عن الطاقة والسلع، وهذا يعني زيادة أسعار، لكن كل ما له علاقة بالدولار لا بد أن ينخفض في السوق بعد هبوط الدولار، إذا كانت هناك حماية للمستهلك ورقابة حكومية قوية.

تعليقات الفيسبوك