‹عراقيون› بعضهم رسم الصليب وشمًا على جسمه، والبعض الآخر علقه حول رقبته، وبعضهم وشم السيدة العذراء والسيد المسيح على جسده، يرتدون زيًّا عسكريًّا ويحملون الأسلحة أثناء تلاقيهم لتدريبات قتالية في باحة معسكر أحيطت أسواره برموز دينية مسيحية.

تتعدد أيضًا الرايات حولهم، فيرفعون راية الحشد الشعبي ويرفعون أيضًا شعارهم واسم “الحركة المسيحية في العراق”، إنهم “كتائب بابليون” إحدى تشكيلات الحشد الشعبي والجناح العسكري للحركة المسيحية في العراق التي برزت مؤخرًا في سياق التعاون بين هذه القوات لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

ممَّ تتكون كتائب «بابليون»؟

هي الجناح العسكري للحركة المسيحية في العراق، إحدى تشكيلات الحشد الشعبي التي تتلقى الدعم العسكري من الحكومة العراقية، آخر 800 متطوع انضم لهذه الكتائب تدربوا في 3 معسكرات مقامة في بغداد ومحافظة صلاح الدين (الشمال).

هدف كتائب “بابليون” هو قتال “داعش” وتحرير الموصل من قبضتها، لذا فإن غالبية متطوعي هذه الكتائب من الموصل، كبرى مدن الشمال العراقية، وأول المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش العام الماضي، فالموصل المعروفة بكنائسها الأثرية خالية الآن من الوجود المسيحي للمرة الأولى في تاريخها، حيث يشدد المتطوعون على أن الموصل، بما لها من رمزية لدى المسيحيين، هي الهدف الرئيسي لهم لكن هذا لا يعني أن قتالهم ضد التنظيم منحصر بها.

يقول أمين عام الكتائب ريان الكلداني: “الهدف الرئيسي من تشكيل قواتنا هو تحرير الموصل، لكننا شاركنا في عمليات تحرير مدينة تكريت وعمليات أخرى بينها بيجي، في محافظة صلاح الدين”، ويوضح الكلداني أن مشاركة مقاتليه في المعارك تتم “تحت إمرة أبي مهدي المهندس”، الذي يعد من أبرز قادة الفصائل الشيعية، ويتولى رسميًّا مسؤولية نيابة رئاسة “هيئة الحشد الشعبي”، ويرفض الكلداني الكشف عن إجمالي أعداد المسيحيين الذين انضموا إلى الحشد الشعبي، على اعتباره من المعلومات السرية التي “يجب أن لا يطلع عليها العدو”، كما قال.

هل تسعي إيران لخلق وجه غير طائفي لـ «قوات الحشد الشعبي» بضم «كتائب بابليون» لها؟

كشفت عدة مصادر أن طهران تشجع قيام تحالفات رمزية عابرة للطائفية ضد تنظيم داعش، وذلك من خلال إنشاء ميليشيات صغيرة من الأقليات داخل صفوف «وحدات الحشد الشعبي»، ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الجماعات المسيحية «كتائب بابليون» و«كتائب روح الله عيسى بن مريم»، إضافة إلى الفصائل السنية الأصغر حجمًا.

ويؤكد المحللون أنه تم تشكيل هذه الميليشيات لخلق وجه غير طائفي لـ «وحدات الحشد الشعبي» وتوسيع النفوذ الإيراني خارج قاعدة إيران الشيعية التقليدية، ردًّا على ذلك يؤكد الأمين العام للكتائب ريان الكلداني أن الحشد الشعبي يشكل مصالحة وطنية حقيقية بين أطياف المجتمع، مؤكدًا أنه السند القوي لقوات الجيش لمواجهة العصابات الداعشية، وأضاف الكلداني لــ(IMN) أن “كتائب بابليون تضم متطوعي الطائفة المسيحية من محافظات عدة لمساندة القوات الأمنية في مقاتلة عصابات داعش الإرهابية”، مشددًا على أن: “الحشد الشعبي يضم أطيافًا وديانات متعددة لمقاتلة أعداء العراق، وأن ما يروج من أكاذيب مسيئة للحشد، هو تنفيذ لأجندات خارجية تستهدف النسيج المجتمعي للبلاد”.

ماذا فعل تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» بمسيحيي العراق؟

في العام الماضي، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على الموصل، وسارع إلى إبلاغ ما أسماهم بيان التنظيم “رؤوس النصارى وأتباعهم” لـ”حضور دور التوبة لاعتناق الإسلام” وذلك في ظل دولة الخلافة الإسلامية في ولاية نينوى، وعندما لم يحضر الرهبان وقادة المسيحيين خير التنظيم مسيحيي الموصل ما بين الإسلام، أو عهد الذمة “وهو أخذ الجزية منهم”، فإن “هم أبوا ذلك فليس لهم إلا السيف”.

وفعلًا رفض غالبية مسيحيي الموصل الدخول في الإسلام أو دفع الجزية وأخذوا ينزحون من الموصل في ظل ظروف غاية في الصعوبة، وخرج المسيحيون للمرة الأولى في تاريخ العراق من الموصل، مخلفين وراءهم كنائسهم ومنازلهم وأموالهم.

وتتابعت أخبار استيلاء التنظيم على أموال المسيحيين وتشريدهم وقتلهم، بل ذكرت تقارير صحفية أن جميع العوائل المسيحية في الموصل تعرضت للنهب والسلب والقتل، يقول بطريرك الكلدان في العراق والعالم لويس ساكو: “لأول مرة في تاريخ العراق، تفرغ الموصل الآن من المسيحيين، غادر المسيحيون وعددهم نحو 25 ألف شخص ثاني أكبر مدن العراق التي تضم نحو 30 كنيسة يعود تاريخ بعضها إلى نحو 1500 سنة”. مشيرًا إلى أن المسيحيين بمدينة الموصل العراقية، هجروا من بيوتهم بعد انتهاء المهلة التي حددتها لهم “داعش”، كما تم وضع حواجز إسمنتية على غالبية كنائس الموصل، وتم حرق بعضها الآخر.

من يقف وراء استهداف المسيحيين في العراق؟

مع تعدد الأسباب التي تقف وراء عمليات القتل والتهجير التي تطال مسيحيي العراق، يحاول كل طرف إلقاء اللائمة على الطرف الآخر، فيشير تقرير منظمة العفو الدولية إلى أن “الأقليات خصوصًا المسيحيين في شمال العراق ضحايا جانبيين للنزاع بين العرب والأكراد على الأراضي المتنازع عليها وللمتطرفين السنة أيضًا”.

وينفي الحزب الديمقراطي الكردستاني، الاتهامات الموجهة ضد الأكراد وقوات البشمركة من قبل أطراف عربية داخل الموصل بالوقوف وراء استهداف المسيحيين هناك. وقال غازي فرمان، المسؤول في الحزب: “هذا الاتهام باطل، فالذين يتعرضون للقمع في الموصل من المواطنين المسيحيين يضطرون إلى اللجوء إلى إقليم كردستان أو سهل نينوى وهذا طبعًا تحت سيطرة قوات البشمركة، فإذا كانت الأحزاب الكردية تقف وراء هذه الاغتيالات والأعمال الشنيعة ضد المسيحيين فلماذا يختار هؤلاء الإقليم أو سهل نينوى ملاذًا آمنًا لهم؟ “. ويوجه الحزب بدوره الاتهام لتنظيم القاعدة والبعثيين ومن وصفهم بـ”العصابات المروجة لهذه الشائعات ضد الأكراد”.

أما عضو المجلس الشعبي الكلداني- الآشوري في ألمانيا كامل زومايا فيشير بإصبع الاتهام إلى الجماعات الإسلامية «المتشددة» بالإضافة إلى الصراعات السياسية في منطقة شمال العراق وسط فشل الحكومة في بسط الأمن هناك. ويقول: “إن هناك حملة مبرمجة لتفريغ العراق من المسيحيين خاصة في المناطق الشمالية”. ويضيف أن عملية التهجير لم تأت فقط نتيجة الفراغ والتردي الأمني، بل جاءت نتيجة “خطة مدروسة من بعض الجهات”، مؤكدًا أن هذه العملية بدأت بشكل منظم منذ عام 2004 بعد أن شملت عمليات التهجير منطقة البصرة وتلتها بغداد وصولًا إلى محافظة نينوى فمدينة الموصل.

من جهة أخرى، يعتبر النائب عن حزب الفضيلة الإسلامي، جمال المحمداوي، أن “تهجير المسيحيين من الموصل هو صفحة من مخطط «إرهابي» تقف خلفه مخابرات دول إقليمية لتقسيم المنطقة على أسس طائفية”. مشيرًا إلى أن “الصفحة الأولى كانت على أسس طائفية من خلال استهداف الشيعة، والأخرى كانت على أسس إثنية باستهداف المسيحيين الذين يعتبرون جزءًا مهمًّا من نسيج المجتمع العراقي”.

ماذا تعرف عن المسيحيين في العراق؟

 

المسيحية هي ثاني أكبر الديانات في العراق بعد الإسلام، وهي ديانة مُعترَف بها حسب الدستور العراقي؛ يتوزع أبناء المسيحية على 14 طائفة ويتحدث نسبة منهم اللغة العربية (اللغة الأم)، في حين أن نسبة منهم تتحدث اللغة السريانية بلهجاتها العديدة واللغة الأرمنية، ويشكل الكلدان غالبية المسيحيين العراقيين يليهم السريان والآشوريون.

يتواجد المسيحيون العراقيون في كافة المحافظات تقريبًا لكن وجودهم يتركز في العاصمة بغداد، حيث يتواجد أكبر تجمع سكاني لهم، وفي منطقة سهل نينوى قرب الموصل شمال العراق، وتقلص عدد السكان المسيحيين في العراق إلى حوالي 400 ألف بعد أن كانوا 1.5 مليون قبل سقوط نظام صدام حسن عام 2003، وتتضارب الأرقام بشأن عدد المسيحيين الذين كانوا يعيشون في العراق قبل سقوط نظام صدام. ويقول عضو المجلس الشعبي الكلداني- الآشوري في ألمانيا كامل زومايا: “إن النظام الشمولي الذي كان في عهد صدام حسين لم يكن يسمح بإبراز حجم الأقليات في البلاد، ولم يكن يعترف إلا بالقومية العربية وهو الأمر الذي أدى إلى محاولة تعريب السِنَة كل القوميات”. وتقدر الأرقام غير الرسمية أن عدد المسيحيين في العراق تجاوز 1.3 مليون في نهاية التسعينيات من القرن الماضي ليبدأ هذا الرقم في التقلص إذ وصل إلى 550 ألفًا في الوقت الحالي بعد أن لجأ الآلاف منهم إلى دول مجاورة؛ هربًا من التهديدات الأمنية التي طالتهم، ويذكر تقرير سابق لمنظمة “حمورابي لحقوق الإنسان” العراقية، أن عدد المسيحيين انخفض من حوالي مليون و400 ألف في 2003 إلى قرابة نصف مليون حاليًا، ما يعني هجرة أكثر من ثلثيهم.

وتحتفظ المسيحية في العراق، وعلى خلاف سائر الدول العربية، بطابعها الأصلي؛ فظلت مسيحية سريانية ولم تتعرب بنسب كبيرة كما حصل في بلاد الشام ومصر، وإن كان معظم أتباع هذه الكنائس يجيدون العربية حاليًا، تقع أكبر كنيسة في العراق وهي الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في بغداد تليها كنيسة المشرق الآشورية، بالإضافة إلى تواجد للكنيسة السريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!