صدر يوم الثلاثاء الموافق 15 إبريل 2014 مرسوم ملكي سعودي بإعفاء الأمير بندر بن سلطان عن منصبه كرئيس للاستخبارات السعودية – بناء على طلبه ونظرًا لحالته الصحية – وتكليف نائبه الفريق أول ركن يوسف بن علي الإدريسي برئاسة الاستخبارات ولم يرد أي ذكر للمنصب الرسمي الآخر لبندر وهو الأمين العام لـ “مجلس الأمن الوطني” السعودي
.

وتأتي هذه الانباء بعد مرور أقل من ثلاثة أسابيع على ما ذكرته التقارير بأن بندر في طريقه إلى العودة من المغرب، حيث كان يقضي فترة نقاهة دامت عدة أسابيع بعد أن أُجريت له عملية جراحية في الكتف. وكانت القصة المختلقة حول غيابه تدور إلى حد كبير حول استمراره في إدارة المخابرات السعودية من سريره في المستشفى وسط تكهنات تنبأت بقرب إبعاده رسميا خاصة بعد أن تم إعلان تنحيته رسميا عن إدارة الملف السوري في يناير الماضى لصالح غريمه وابن عمه الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية.

حين يتعلق الأمر بالداخل السعودي، ينبغى علينا أن نعترف أن مساحة التكهنات أوسع بكثير من مساحة الحقائق، وأن حجم المعلومات الموثقة بشأن الخلافات حول ترتيبات البيت السعودى ضئيلة للغاية، الأمر الذى يجعل الأسئلة المطروحة دائما أكثر وفرة من الأجوبة المتاحة، كما يجعل سيناريوهات رسم الصورة تعمل في مساحة يغلب عليها دائمًا ندرة المعلومات.

(1) رحيل بندر وتغير السياسة السعودية تجاه الملف السورى.

 "بندر بن سلطان"

“بندر بن سلطان”

جاء إبعاد بندر بن سلطان عن الملف السوري في يناير متزامنًا مع إعلان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن اعتزام الولايات المتحدة مراجعة سياساتها بشأن سوريا بعد فشل مباحثات جنيف 2 بجولتيه في الوصول إلى اتفاق بشأن الوضع في سوريا.

وأشارت صحيفة وول ستريت جورنال في تصريح سابق لها بأن وزير الخارجية جون كيري اعتبر، في اجتماعات خاصة مع مسؤولين أميركيين، ان بندر هو «المشكلة»، واشتكى من قيامه بتحديد سياسة المملكة السعودية بشأن سوريا.

وتعتبر الولايات المتحدة أن سياسات بندر بن سلطان فى سوريا قد فشلت من جميع الوجوه ، فلاهى نجحت في تحجيم النفوذ الإيراني، لكنها على العكس من ذلك أسهمت في تزايد نفوذ المعارضة الإسلامية المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة والمعادية للولايات المتحدة.

وتسير مصادر صحفية لكون الرئيس الأمريكى باراك أوباما بات يعتقد أن بندر بن سلطان كان يدير الملف السوري بترتيبات مع اليمين المحافظ فى الولايات المتحدة الذى يسعى لإفشال إدارة اوباما.

ووفقا للصحيفة تنقل «وول ستريت جورنال» فإن الأدوار الجديدة لمحمد بن نايف تعني أن العالم سيرى «استراتيجية جديدة حيال سوريا، هادئة، أكثر انفتاحاً، وليست متشددة جداً. سيكون هناك سياسة أكثر، وربما أقل عسكرة». يذكر في هذا الاطار، القرار الذي أعلنه الملك السعودي مؤخراً حول ملاحقة «الجهاديين» السعوديين الذين يشاركون في أعمال مسلحة في خارج المملكة. لم يحدد القرار سوريا، لكنه صدر قبل أيام من ذهاب محمد بن نايف إلى اجتماع واشنطن الاستخباراتي بشأن سوريا.

تبدو السياسة الجديدة للولايات المتحدة والسعودية بشأن سوريا ربما أكثر تحفظا بشأن الدعم المسلح للمعارضة السورية خشية من ازدياد نفوذ القاعدة مما يعنى مساحة أوسع للمناورة السياسية ومساحة أقل للعمليات العسكرية المناسبة.

(2) السعودية وسيناريو التقارب مع إيران.

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

الملك عبدالله وأحمدي نجاد

يبدو العالم فى طريقه نحو تغيير موقفه من إيران، مع بوادر الاتفاق بينها وبين الولايات المتحدة، لايبدو الأمر سهلا بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية رغم إبداء إيران استعدادها للأمر.

يتكهن العديد من المراقبين أن أحد أهم ملفات زيارة الرئيس الأمريكى باراك أوباما إلى السعودية أواخر مارس المنقضي تعلقت بالموقف السعودي من إيران حيث طالبت الولايات المتحدة السعودية باتخاذ موقف أكثر مرونة تجاه إيران خاصة فى ظل المشتركات التي تجمع كلا البلدين وعلى رأسها الموقف السلبي لكل منهما تجاه نفوذ الفصائل الإسلامية المسلحة وبخاصة تنظيم القاعدة.

ربما لا يحمل الملك عبدالله ذاته موقفا متعنتا تجاه إيران، فتاريخه مذ كان وليا للعهد يوحى بعكس ذلك حيث احتفظ بعلاقات جيدة مع الرئيس الأسبق هاشمى رافسنجانى، وتبقى المشكلة في الرموز الأمنية السعودية التى تحمل مواقف عدائية ضد إيران على راسها المبعد بندر بن سلطان.

تأتي مؤهلات وزير الداخلية محمد بن نايف متطابقة بشكل كبير مع هذه الخطة فالرجل أبدى نجاحا ملحوظا فى حرب التيارات الإسلامية داخليا، وربما تكون محاولة الانتحاري السعودي عبدالله عسيري لاغتيال محمد بن نايف في صيف العام 2009 عندما فجر نفسه في منزله في جدة أحد أبرز الأحداث التى ساهمت فى زيادة الاهتمام الغربي بمحمد بن نايف كشخص يعتمد عليه فى مجال ما يعرف بـ”مكافحة الإرهاب”.

محمد بن نايف الذى يرشحه البعض لخلافة بندر – بعد فترة قصيرة – لا يحمل موقفا واضحا بشأن إيران كمثل بندر بقدر ما ينشط بشكل واضح فى مكافحة التيارات الإسلامية خاصة المسلحة منها، الأمر الذى يؤيده حصر التظيمات الإرهابية الأخير التى جرمتها السعودية والتى لم يأت ضمنها حزب الله.

(3) توسع الحرب على الإسلاميين فى الداخل والخارج.

محمد بن نايف

برحيل بندر بن سلطان يصبح محمد بن نايف صاحب النفوذ الأكبر – الذى لايضاهى- في أجهزة الأمن السعودية سواء الداخلية أو الاستخبارات ، محمد بن نايف بتاريخه العدائي للتيارات الإسلامية هو شخص ملائم جدا للتوجهات السيادية التي تعطي أولويتها الأولى لمحاربة نفوذ التيارات الإسلامية فى المنطقة من مصر إلى اليمن.

(4) إزاحة جناح أبناء سلطان عن مواقع النفوذ وترتيبات نقل السلطة.

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

 "الأمير مقرن"

تقول التكهنات أنه بإبعاد بندر بن سلطان فإن جناح أبناء الأمير سلطان بن عبد العزيز “ولى العهد السابق” في طريقه للخروج من معادلة السلطة بصورة نهائية، وكان الأمير خالد بن سلطان “الابن الأكبر لولي العهد السابق” قد أعفي من منصبه كنائب لوزير الدفاع فى 20 إبريل 2013، قبل أن يعين أخوه سلمان بن سلطان في ذات المنصب في سبتمبر من نفس العام وتشير التكهنات أن الخطوة القادمة ربما تكون بإعفاء الأمير سلمان هو الآخر من منصبه كجزء من خطة نقل السلطة في السعودية.

وكانت هيئة البيعة السعودية قد صدقت – بأغلبية ثلاثة أرباع أعضائها – أواخر مارس المنقضي على مرسوم ملكي بتعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز – النائب الثاني لرئيس الوزراء وأصغر أبناء الملك عبد الله الأحياء – كولي لولي العهد الحالي الأمير سلمان في سابقة هي الأولى من نوعها بتعيين ولي لولي العهد، الأمر الذي يعزز من فرصة التكهنات أيضًا فمع وصول الأمير مقرن إلى السلطة – قرب أم بعد – لن يبقى هناك مفر من نقل السلطة إلى جيل الأحفاد بينما تنحصر التكهنات بين الأمراء متعب بن عبدالله “ابن العاهل الحالى وقائد الحرس الوطنى منذ 4 سنوات وعضومجلس الوزراء بعد أن صار الحرس الوطنى وزارة مستقلة” ومحمد بن نايف “وزير الداخلية” وبندر بن سلطان المبعد مؤخرا.

(5) رئيس استخبارات من خارج العائلة المالكة.

تبدو المعلومات المتوفرة عن يوسف بن علي الإدريسي شحيحة لكن الملفت بشأنه هو حصول الرجل على 3 ترقيات متتالية خلال أقل من عامين بدأت بتعيينه نائبا لرئيس الاستخبارات في أكتوبر من عام 2012 خلفا للأمير عبد العزيز بن بندر ثم ترقيته إلى فريق أول ركن في يوليو 2013 وأخيرا تعيينه كرئيس للاستخبارات منذ يومين.

يأتى تعيين الإدريسى فى هذا الموقع الهام – أول رئيس استخبارات من خارج العائلة المالكة منذ 37 عاما – امتدادًا لسياسة الملك عبد الله التي تميل أحيانا للاستعانة بأشخاص من خارج العائلة المالكة في بعض المناصب لضمان ولائهم من ناحية ولتفادى الخلافات بين الأمراء من ناحية أخرى، ورغم ذلك فإن صيغة القرار الملكي الأخير تشير إلى أن تولي الإدريسي لهذا المنصب سيكون بشكل مؤقت، حيث نص الأمر الملكي على أنه “يكلف بالقيام بعمل رئيس الاستخبارات العامة”، وليس “يعين رئيسًا للاستخبارات وتشير التكهنات ربما إلى قدوم قريب للغريم التقليدى محمد بن نايف.

بقي أن نؤكد ما بدأنا به، وهى أن مساحة التكهنات ربما تكون أكبر بكثير من مساحة الحقائق وأن التغييرات المتسارعة في مواقع رموز السلطة في المملكة تثير تساؤلات عديدة حول سياساتها الداخلية والخارجية بينما تبقى الجوابات التي تقدمت تميل إلى التكهن أكثر من اقترابها من الحقيقة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!