شرع النظام المصري في استحداث آليات متباينة مُحكمة لمحاصرة معارضيه السياسيين ممن لهم ميول إسلامية، أو ممن ينتمون للتيار المدني الذي يناهضون سياسته، كدليل يسوقه لجمهوره على تماسكه أمام أعدائه الذين يقفون وراء مخططات هدمه، كما يروج دائمًا، في خطاباته السياسية.

برز ضمن هذه الآليات “المنع من السفر”، وهي آلية توسع النظام في مصر في استخدامها مقارنة حتى بنظام مُبارك الذي اعتاد ترك هامش لمعارضيه السياسيين، حتى في استخدام هذه الوسيلة .

قرارات المنع من السفر الأخيرة– غير المسببة– التي صدرت بحق العديد من الأفراد المرتبطين بالحراك الفعال في المجال العام، وبالأخص المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، تعتبرها منظمات حقوق الإنسان بداية لجعل الحدود المصرية جدرانًا لــــ”زنزانة”  جماعية، لهؤلاء الأفراد. في حين يراها مؤيدو النظام إجراءات قانونية، بل ضرورية في بعض الأحيان لأجل الحفاظ على تماسك الدولة.

الحدود المصرية .. زنزانة جماعية للمعارضين

 

 

خلال العام الأول من حُكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، بلغت  حالات” المنع من السفر” أكثر من 56 حالة، وهي المسألة التي جعلت منظمة هيومان رايتس ووتش تعتبر أن عدد حالات المنع في ظل النظام الحالي تعدى عددها في ظل نظام مبارك بكثير .

يعود استخدام هذه الآلية خلال تاريخ مصر الحديث إلي الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، الذي برزت هذه الآلية في حكمه كوسيلة لتثبيت أركان حكمه، وترسيخ شرعيته السياسية حين سعت مجموعات مناهضة للحكم الناصري للخروج من البلد للحيلولة دون الحبس في زنازينه، والتعرض للتعذيب الذي اشتهر النظام الناصري بممارسته في هذا التوقيت.

الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، كان أبرز الحالات التي تعرضت للمنع من السفر من جانب نظام عبد الناصر، بعد استصدار قرار من المدعي العام الاشتراكي بمنعه من السفر إلى فرنسا بدعوة من وزير الثقافة الفرنسي آنذاك، علي خلفية شراسة معارضة” نجم” لعبد الناصر .

وسعي” نجم” لتأريخ هذه الواقعة بنحت أبيات شعر تحاكيها” :ممنوع من السفر ممنوع من الغناء، ممنوع من الكلام، ممنوع من الاشتياق، ممنوع من الاستياء، ممنوع من الابتسام، وكل يوم فى حبك تزيد الممنوعات”.

وتنص المادة 62 من الدستور المصري على أن “حرية التنقل، والإقامة، والهجرة مكفولة، ولا يجوز إبعاد أي مواطن عن إقليم الدولة، ولا منعه من العودة إليه، ولا يكون منعه من مغادرة إقليم الدولة، أو فرض الإقامة الجبرية عليه، أو حظر الإقامة فى جهة معينة عليه، إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة، وفي الأحوال المبينة في القانون”.

من أبرز الحالات التي تعرضت للمنع من السفر في الفترة الاخيرة، الحقوقي محمد لطفي، مدير المفوضية المصري لحقوق الإنسان من السفر إلى ألمانيا، حيث كان من المقرر أن يلقي كلمة أمام البرلمان الألماني، حول موضوع” انتهاكات حقوق الإنسان” في مصر، وكذلك منع الشيخ محمد جبريل في يوليو من العام الماضي من السفر إلى بريطانيا إضافة إلى منعه من الإمامة في أي مسجد مصري، لأنه دعا في صلاة التراويح في جامع عمرو بن العاص في يوليو 2015، على” الحكام الظالمين والسياسين والإعلاميين الفاسدين” الذين وصفهم بـسحرة فرعون، رغم أنه لم يذكر اسم أي شخص في دعائه.

وخلال شهر يناير من العام الحالي تم منع الشاعر عمر حاذق من السفر، حيث خضع للتحقيق داخل المطار، ثم أخبروه بمنعه من السفر لدواع أمنية، والحقوقي جمال عيد، رئيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان أحدث الوقائع، حيث تم منعه في 4 فبراير الحالي من السفر، ولم يتم إطلاعه على أسباب المنع .

تتراوح وقائع من تعرضوا لمواقف شبيهة إلى المنع من السفر، بينما يتعرض البعض إلى منع من السفر مع قرار بالضبط والإحضار كما في حالة الباحث “إسماعيل الإسكندراني” أو منع مع تحقيق داخلي معه يشمل تفتيش حقائبهم ومقتنيات بعضهم الإلكترونية دون إبداء أسباب وبدون إذن قضائي ثم يعقب ذلك إطلاق سراحه كما في وقائع الأفراد المنتمين للعائلات ذات التوجه الإسلامي .

تعد النيابة العامة هي الجهة المخولة قانونيًا بإصدار قرار بالمنع من السفر، والتي دائمًا ما تبررها  بسبب اتهام الشخص الممنوع في قضية، أو خضوعه لمساءلة ما، أو لمصلحة تحقيق تجريه النيابة، فيما خالفت وزارة الداخلية هذه القوانين بالقرارات التي أصدرتها حيال الممنوعين من السفر، وهي المسألة التي قابلها مجلس الدولة بمنعها من استخدام هذا الحق غير المخول لها.

 

بين نظاممبارك والسيسي .. “من القمع غير المباشر إلى الثأر الشخصي

 

 

رغم تطبيق نظام” مبارك” للمنع من السفر ضد مجموعات معارضة له كوسيلة لقمعهم والضغط عليهم، إلا أن عدد مرات استخدام نظامه لهذه الوسيلة يقل قليلا عن مرات استخدام نظام السيسي، وهو ما يرجعه المحللون إلى أنماط القمع المتباينة بين كليهما.

يقارب الكاتب المصري” أحمد عبد ربه” في إحدى مقالاته بين كلا النظامين بالقول: ” كانت سلطة مُبارك لا تقمعك بنفسها، ولكن تضغط على محيطك فيقوم الأخير بالمهمة التطوعية في دفعك بعيدا عن المحيط العام مدفوعا بخوفه عليك، وهكذا يكسب الجميع فى لعبة قليلة التكلفة، تسكتك السلطة دون أن تختصمك مباشرة، يكسب محيطك الخاص نقاط قوة فى لعبة تدجينك حتى يتساوى الجميع في السكوت على التجاوزات دون أن تشعرهم أنت بدورك العام المعارض مما يحرج سكوتهم أو تأييدهم للأوضاع الخاطئة، وتكسب أنت السلامة، فستظل تأكل عيشا وتربي أولادك ربما بأحلام أقل، لكن وما المشكلة؟ أليس هذا أفضل من أن تفقد حريتك أو يفقدوك هم كلية؟ ”

فيما يرى “عبد ربه” التحول الذي لحق بالنظام الحاكم الحالي يتجسد في فقدانها  قدرتها على الضبط وذكائها فى إسكات المعارضين، لماذا؟ لأنها لم تعد تجعل في الانتقال من المحيط الخاص إلى المحيط العام أي رفاهية، فقد اختصمت محيطك الخاص بشكل جعل معركتك معها معركة شخصية / ثأرية لا معركة سياسية تسمح برفاهيات الأخذ والجذب، والحوار والتفاوض، والشدة واللين .

جمال عيد” الحقوقي المصري هو واحد ممن تعرضوا لواقعة إيقاف أخيرة، والذي يري نظام مبارك لا يجرؤ على المنع إلا في حالة أو حالتين طوال العام، وكان الضغط يأتي بنتيجة”

ويضيف عيد أن هذا الإجراء كان مشهورا جدا في سوريا وفي ليبيا في عهد القذافي، على حد قوله.

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!