تلك الأفكار المبدعة التي تتسابق في ذهنك، والأحلام الجميلة التي تهدهد نومك، كذلك شعورك بالفرح حينما يقع ما يسرك أو عندما تجذب يدك في ألم عندما تمسك بكوب ساخن وذكرياتك التي تتكون بينما تمضي في الحياة. كل ذلك يتولد داخل تلك العلبة العظمية حيث يقبع الدماغ.

وبينما نعتقد أننا نحكم السيطرة على سلوكياتنا وعاداتنا وكافة تصرفاتنا الإرادية؛ تأتي أبحاث العلماء لتخبرنا أن كثيرًا من هذه السلوكيات يمكن اكتسابه وفقده بنفس السهولة التي نشعل بها مصباحًا كهربائيًّا.

يمكن تنشيط وتثبيط الخلايا من فهم أفضل لوظائف الدماغ

تتكون خلايا الدماغ من مليارات الخلايا العصبية أو «العَصَبُونات» التي تشتمل على آلاف الأنواع من الخلايا. وتنتظم هذه العصبونات في دوائر كهربائية معقدة، تقوم بإرسال واستقبال ملايين الرسائل العصبية أو «السيالات العصبية» من وإلى مختلف أنحاء الجسم.

فماذا لو كان باستطاعتنا أن نعمل مثل شرطة المرور، فيمكننا أن نتحكم في سير أو منع تلك الرسائل؟

تشغيل الخلايا وتعطيلها للتحكم في وظائف الدماغ

بروتينات ضوئية للتحكم في الخلايا العصبية

فعليك أن تتحكم في أعصابك ولكن ليس بالمعنى الشعبي الدارج، وإنما من الناحية الوظيفية. وهو ما يحاول العلماء مثل إد بويدن أستاذ الهندسة البيولوجية والمخ والعلوم المعرفية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، القيام به من خلال تشغيل أو تثبيط مجموعة محددة من الدوائر العصبية لاختبار وظائفها، ومحفزات عملها، وفيمَ تؤثر، وآلية تواصلها مع غيرها من الخلايا.

ومن ثم التحكم في الخلايا المعطوبة أو المسببة للمرض دون التأثير في ما حولها، وحث الخلايا الكامنة أو تثبيط الخلايا النشطة. وهو ما يفسح المجال أمام حل عديد من المشكلات الطبية مثل: «ألزهايمر والباركنسون والصرع»، والتغلب على الآثار الجانبية السيئة للعقاقير الطبية، والتي تؤثر بدورها على كيمياء الدماغ.

مصباح كهربي من الخلايا العصبية

طحالب مضيئة على شواطئ المالديف

وتعتمد هذه الآلية على الجزيئات الكيميائية التي يتم تبادلها خلال السيالات العصبية والتحكم في تدفقها عبر «جزيئات كهروضوئية». وهي بروتينات توجد في الطبيعة تتمتع بخاصية تحويل الضوء إلى طاقة كهربية، وبالتالي يمكن استخدامها في تحفيز الخلايا العصبية عبر الضوء.

ويستخلص هذا البروتين من بعض الكائنات الحية مثل: «البكتيريا والطحالب البحرية» التي تحتوي على مجسات ضوئية تتحسس بها الضوء. وبفصل هذه البروتينات الحساسة للضوء، وبعد تعديل المادة الوراثية الخاصة بها، وبرمجتها لمهاجمة نوع معين من الخلايا العصبية دون غيره؛ توضع على الخلايا العصبية.

وتقوم الأخيرة بعمل المحضن لهذه البروتينات؛ فتصنع العديد منها لتنتشر على سطح الخلايا العصبية. وهنا نحصل على مصباح ضوئي من الخلايا العصبية!

لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد بالطبع، فلكي تعمل تلك البروتينات يجب أن يسلط عليها ضوء أزرق كي يتم تفعيلها والعكس، وعن طريق توجيه الضوء وإيقافه يمكن فهم الكثير عن عمل الدماغ.

تحفيز خلايا الدماغ لمزيد من السعادة والإنجاز

نجح تنشيط مناطق بأدمغة الفئران في تحفيزهم وزيادة الشعور بالسعادة

تساءل إيد عما إن كان بالاستطاعة أن نحفز كهربيًا مناطق الدماغ المسئولة عن الشعور بالرضا والإنجاز، أو التعرف على المناطق المسئولة عن الإدمان أو الصرع على سبيل المثال ومن ثم تصميم علاجات تتوافق مع هذه الخلايا تحديدًا. وهو ما اختبره في معمله عن طريق وضع فأر بصندوق صغير، والذي يذهب لأحد أطراف الصندوق حيث يوجد ضوء أزرق يسلط عند هذا الطرف.

نجحت فرضية إد فقد جعل الضوء الأزرق خلايا الفأر أكثر حساسية له. لذا ذهب الفأر مرارًا وتكرارًا للمس الجدار بأنفه؛ كي يحصل على الضوء الذي يحفز الخلايا كي تفرز «الدوبامين» المسؤول عن الشعور بالسعادة. وبتطبيق ذلك على البشر من الممكن أن نحفز الدماغ لمزيد من الإنجاز والتعلم.

تكنولوجيا علم البصريات الوراثي لعلاج الصرع والاكتئاب والعمى

تظهر تقنيات علم البصريات الوراثي إمكانية التحكم بالذاكرة ومن ثم علاج ألزهايمر

وهذه التقنيات الجديدة ساعدت في بزوغ علم جديد في الطب. فبفضل كارل دايشيروث من جامعة ستانفورد ومعهد الطب، وإد بويدن وجيرو ميزينبك من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تأسس «علم البصريات الوراثي»، والذي يعد أكثر التقنيات تفردًا لدراسة الدماغ اليوم، وأكثرها استخدامًا على نطاق واسع في علم الأعصاب.

وأصبح بويدن واحدًا من الفائزين بجائزة قدرها ثلاثة ملايين دولار لمساهمته في «التطورات التحولية نحو فهم المنظومات الحية وإطالة عمر الإنسان». وتحمل هذه التقنية آمالًا واعدة في علاج الصرع عن طريق تثبيط خلايا الدماغ المتسببة في النوبات حتى انتهاء النوبة، وتشغيلها بعد ذلك.

أو استغلال تلك البروتينات الحساسة للضوء، وتعديلها باستخدام التكنولوجيا الجينية لعلاج عدد من الأمراض المتعلقة بالبصر عن طريق أخذ هذه الخلايا، ووضعها على الشبكية وتحويلها لمجسات بصرية دقيقة.

أو التلاعب بنشاط المخ البشري والتأثير في نشاط مناطق محددة في المخ مثل تلك المسئولة عن الاكتئاب ومرض الشلل الرعاش. كذلك يجرى تطوير هذه التقنيات لاستخدامها بفاعلية في التعافي بعد السكتات الدماغية.

ومع وجود العديد من العلاجات الخلوية التي تقرها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، يغدو المجال واسعًا لإدخال خلايا بالجسم وحثها بواسطة الضوء كي تفرز هرمونات، أو أية مواد بيولوجية لتحفيز النمو على سبيل المثال. كذلك يمكن هندسة الخلايا كآلات قتل ميكروية للقضاء على الخلايا غير المرغوب فيها.

التحكم في الرغبة بالطعام لعلاج البدانة وفقدان الشهية

نجح تنشيط خلايا بأدمغة الفئران في التحكم بشهيتهم للطعام

فقد أظهرت الأبحاث إمكانية التحكم في الوظائف المختلفة مثل الجوع والعطش وكذلك الغرائز والعادات. فلنتصور أنه من الممكن أن نتحكم في رغبتنا بالطعام؛ فنتخلص من البدانة، أو على العكس علاج أولئك الذين يعانون من فقدان الشهية حتى يحصلوا على القدر الكافي من الطعام.

فعلى سبيل المثال: تشير الإحصائيات أن نحو واحد من كل ثلاثة أمريكيين يعاني من البدانة المفرطة. وهو ما يُعزى جزئيًا للإفراط في تناول الطعام؛ فالأعصاب الموجودة داخل معدة هؤلاء لا تتمكن من الشعور بالشبع.

لذا سيكون من الرائع أن نمتلك زرًا لتنشيط شهيتنا أو كبحها؛ وهو ما جعل العلماء بجامعة جون هوبكنز يختبرون مجموعة من الخلايا المسئولة عن الدافعية للأكل. فقد تمكن العلماء من جعل فئران التجارب تأكل حتى بعد شعورهم بالامتلاء، ولم يتمكنوا من التوقف إلا بعد أن ثبط العلماء هذه الخلايا بواسطة التحفيز الضوئي.

التحكم في الوعي والذاكرة

كشفت الأبحاث عن إمكانية التحكم في الذاكرة والوعي

ما يميز البشر عن غيرهم من الكائنات هو العقل والوعي الذاتي. ومع أننا لا نفهم بشكل كافٍ أية أجزاء من الدماغ مسئولة عن هذه الوظائف؛ لكن بضعة نبضات كهربائية يمكن أن تتحكم في هذه الصفات. مثلما كشفت الدراسة التي أجراها محمد قوبيسي الباحث بجامعة جورج واشنطن، والتي استطاع من خلالها تحفيز مناطق مختلفة من دماغ امرأة مصابة بالصرع.

إلا أن التحفيز العصبي عن طريق أقطاب كهربائية أحدث خللًا في الوعي، فمع أن المرأة لم تصب بالإغماء إلا أنها فقدت القدرة على الحركة أو التجاوب مع أية مثيرات محيطة بها.

وبعد إيقاف التحفيز الكهربي عادت مرة أخرى لكنها عانت من فقدان الذاكرة لما قد حدث.

تحكم في غرائزك بضغطة زرّ!

بعد نجاح تجارب التحكم في عدوانية الفئران يمكن أن ينجح ذلك على البشر

لكل منا غرائز ورغبات دفينة بعضها لا نتحكم فيه، والبعض الآخر يخضع تحت سيطرة الإرادة الحرة، ربما سيكون من الرائع أن نملك زمام غرائزنا العنيفة مثلما نشعل ضوء الغرفة. فكل ما يتطلبه الأمر هو الغوص عميقًا حيث نصل لتلك الخلايا الدقيقة القابعة في بعض المناطق بالمهاد في المخ، وتحفيزها كهربيًا بواسطة تقنيات علم البصريات الوراثي كي نقدح زناد السلوك العدواني أو نقمعه تمامًا.

فبعد تحديد الخلايا التي تعمل خلال أي تصرف جسدي عنيف وتحفيزها ضوئيًا وجدت دايو لين الباحثة بجامعة نيويورك أن ذكور الفئران تحولت إلى وحوش شرسة تهاجم كل ما يقترب منها بما في ذلك الجمادات وكذلك ذكور الفئران وإناثها.

علاوة على ذلك، كان تثبيط تلك الخلايا يهدئ من سلوك الفئران ويكبح جماح رغباتهم العنيفة. وهو ما تشير إليه الدراسة بإمكانية تطبيقه على البشر. كذلك كشفت نتائج الدراسة أن مجموعات الخلايا المحفزة خلال الهجوم تُكبح خلال التزاوج، وهو ما تقترح الدراسة أنه يرجع إلى وجود قاعدة مشتركة بين السلوكيات الاجتماعية المتضادة.

عادات جديدة دون تعب

عند حث خلايا معينة يمكن تنشيط عادة جديدة أو تثبيطها

أما إن كنت ضقت ذرعًا بمحاولات الإقلاع عن عادة سيئة أو اكتساب عادة جديدة فالعلماء لديهم وصفة سحرية كي تكتسب عادة جديدة بضغط زر. فقد وجد علماء الأعصاب بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن معظم التفكير والتخطيط والتحكم اللحظي يقع في منطقة صغيرة من قشرة الفص الجبهي للدماغ، والتي يتم عن طريقها تنشيط العادات. وبالتالي عند حث هذه الخلايا أو تثبيطها يمكن للفرد اكتساب عادة جديدة أو التخلص منها.

وقد تمكن العلماء من تدريب فئران التجارب على خوض متاهة حتى صار ذلك معتادًا. ولكن ما إن ثُبطت الخلايا العصبية المسئولة توقفت الفئران عن الدوران في المتاهة.

قال البروفيسور آن جرايبيل، العضو في معهد ماكغفرن لأبحاث الدماغ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «لقد اعتقدت دائمًا – وما زلت – أن قيمة العادة في أنه لا يتعين عليك التفكير في الأمر. وإنما تحرر عقلك لتفعل أشياء أخرى». ولكنه يوضح أنه: «مع ذلك، فإن الدماغ لا يتحرر تمامًا. فهناك بعض الأجزاء من القشرة المخية الخاصة بك التي لا تزال مكرسة للسيطرة».

يكشف علم البصريات الوراثي العلاقة بين نشاط مناطق الدماغ ووظائفها

مثل تلك الدراسات تفتح الباب أمام مستوى آخر تمامًا من الوعي والسلوك وحتى خلق ذكريات جديدة. وتنفض الغبار عن ذلك الجانب غير المفهوم بشكل كافٍ عن ذواتنا وغرائزنا ومنشئها. وبفهم العلاقة بين النشاط الكهربي داخل الدماغ والسيطرة على وظائف هذه الدارات العصبية، يمكننا معرفة العلاقة بين تلك الجوانب الوظيفية والمعرفية المختلفة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!