ميرفت عوف

11

ميرفت عوف

11

لم يُسلِّم معلمون ومتطوعون ومثقفون سوريون لما فرضته الحرب عليهم، عندما حالت دون التحاق مئات الآلاف من الأطفال السوريين بالتعليم، ودفعت بآلاف آخرين إلى التسرب منه.

ربما أدرك هؤلاء خطورة الواقع الذي لم يُحصر في أرقام منظمة اليونيسيف، عندما أشارت إلى أن نسبة الأطفال غير الملتحقين بالتعليم الأساسي بلغت 50.8% خلال العام الدراسي الماضي، وهو ما يعني أن هناك أكثر من 2.1 مليون طفل ما بين الخامسة والـ17 سنة، خارج المدرسة.

وسط موجات النزوح والقتل والدمار في مناطق المعارضة السورية، قرروا أن تكون هناك أماكن آمنة تدفع الآباء والأمهات لإخراج أطفالهم من أجل التعليم رغم كل ما يحيط بهم، ولذلك كان استحداث المغارات والكهوف والحافلات والكرفانات المتنقلة وغيرها باعتبارها أماكن تعليم، لتغدو مبادراتهم وجهودهم أمثلة رائعة للعزيمة والصمود.

حافلات التعليم المتنقل

حافلة ملونة، بمقاعد دراسية ولوحات ورسومات تعليمية، وكراسات وكتب، إنها حافلات التعليم المتنقلة، أو المدارس «الموبايل» التي تجوب مناطق جنوبي سوريا، وتحديدًا ريف درعا الشرقي وريف القنيطرة الغربي، حيث لا توجد مدارس هناك في مخيمات النازحين السوريين.

هدف القائمين على هذه الحافلات، وهم مجموعة من المتطوعين، هو تعليم أطفال المخيمات الذين لم يتمكنوا بفعل الحرب من الالتحاق بمدراس نظامية، بعضهم وصل إلى سن العاشرة دون معرفة الحروف الهجائية.

ونفذت منظمة غصن الزيتون الإنسانية غير الحكومية في درعا والقنيطرة، مشروع حافلة التعليم المتنقلة، عبر تجهيز أربعة منها، وتخصيص سائق ومعلميّن اثنين لكل واحدة، وما أن تصل الحافلة إلى المخيّم في موعد يعرفه السكان، حتى يصعد التلاميذ المنتظرون، ويبدأون في تلقي حصصهم الدراسية.

يقول معلم من الكادر المخصص لإحدى حافلات التعليم المتنقلة لوكالة أنباء الأناضول، إن «مبادرة باص التعليم المتنقل لاقت ترحيبًا كبيرًا من الأهالي، وجدّدت الأمل لديهم في تعلّم أبنائهم، بخاصة وأن عمل الكادر التدريسي في الباص لا يقتصر على الدعم النفسي والترفيه ورواية القصص القصيرة، وإنما يتعلم الأطفال مبادئ القراءة والكتابة، إضافة إلى مادتي الرياضيات واللغة الإنجليزية للأطفال الذين دخلوا المدرسة سابقًا، ثم انقطعوا عنها بسبب ظروف الحرب».

التعليم في الكهف

«أتعلم اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات، وألعب مع أصدقائي أحيانًا. الإضاءة ليست كافية في هذه المدرسة، ولكننا لسنا خائفين هنا«، هكذا وصفت الطفلة السورية نادية، الأجواء التعليمية داخل إحدى الكهوف التي خصصت لذلك.

البداية كانت عند معلمين سوريين، يعيشان شمالي محافظة إدلب، قررا التعامل مع الواقع، وتوفير الفرصة لتعليم أبناء منطقتهم الذين تخلفوا إجبارًا عن التعليم لظروف الحرب.

كانت الفكرة الأساسية بالنسبة لهذين المعلمين، وجود مكان آمن، وكان الكهف سبيلهم لذلك. ورغم أن مياه أمطار الشتاء غمرت الفصل الدراسي داخل الكهف، لكن حرص الأطفال على الحضور دفعهم للانتقال إلى خيمة حتى جفَّ الكهف.

المعلمان، وهما رجل وزوجته، نظفا الكهف المهجور، وأعدَّاه ليكون مكانًا مناسبًا للتعليم. يقول أحمد، صاحب المبادرة، لليونيسيف: «بدأنا مع الأطفال القاطنين في الجوار، ثم توسعنا إلى أن أصبح لدينا الآن قرابة 120 طالب وطالبة.«

ويرى أحمد في استجابة التلاميذ وذويهم للتعلم في هذا المكان، حرصًا كبيرًا على التعلم بالرغم من هول الظروف المحيطة بهم، مُوضحًا: «يأتينا الكثير من الأطفال حتى اضطررنا إلى تقسيم اليوم إلى فترتين بحسب العمر. يضيق الكهف عن استيعاب جميع الأطفال لصغر مساحته، فوضعنا أوقاتًا منفصلة، بحيث يأتي الأطفال الأصغر سنًا لتعلم الأبجدية، ثم يأتي الأطفال الأكبر سنًا، الذين كانوا ملتحقين بالمدارس أصلًا، لتعلم موضوعات أخرى في وقت لاحق«.

من جانبها، أكدت منظمة «أنقذوا الأطفال» على أن «الأطفال لم يعودوا بأمان في حلب ولا حتى في المدارس تحت الأرض التي يفترض أن تحميهم بسبب استخدام قنابل خارقة للتحصينات ضد الأحياء المحاصرة.«

وقالت إن هناك أكثر من ثمان مدارس أقيمت تحت الأرض، عرضة للقذائف الخارقة للتحصينات، والتي بإمكانها اختراق الأرض حتى عمق أربعة أو خمسة أمتار، وتدمير منشآت واختراق غرف محصنة قبل أن تنفجر ما يشكل تهديدًا حقيقيًّا للأطفال.

الكرفان التعليمي المتنقل

استخدم السوريون أيضًا «الكرفانات» المتنقلة فصولًا لتعليم صغارهم، بعد تجهيزها بالضروريات، على يد كادر تعليمي مختص. ويخضع التلاميذ فيها لمواد غير منهجية، تعتمد على المسرح والغناء.

ويجوب الكرفان التعليمي المتنقل، المخيمات التي تتعرض للقصف، يستقطب الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات و14 عامًا، ليعلمهم الرياضيات، واللغتين العربية والإنجليزية، والعلوم والشعر والرسم والموسيقى، بالإضافة إلى الأنشطة الرياضية التي يقيمها.

أحد هذه المشاريع، مشروع «كرفان سراقب»، الذي يعتبر أول مركز تعليمي ترفيهي متنقل في سوريا، قام عليه مجموعة من المعلمين المتطوعين.

ويعتمد المشروع على تجهيز عدة كرفانات للتعليم والترفيه، توزع في مناطق ريف إدلب، بجولات دورية، تستهدف مخيمات النازحين في الشمال السوري، حيث تقدم عروضًا مسرحية وأنشطة فنية وثقافية واجتماعية للأطفال.

المنازل المهجورة

لجأ السوريون إلى تحويل المنازل إلى مدارس ومراكز تعليم، بعد إغلاق المدارس النظامية، وروضات الأطفال، على إثر ما خلفته الحرب. ومن بينها، روضة ملهم، التي أنشأها فريق ملهم التطوعي، في بلدة يلدا.

وأنشأ معلمون سوريون، مدرسة في إحدى المنازل بمنطقة المرج في ريف دمشق، بعد أن أصبحت المدارس هدفًا مباشرًا لقذائف الحرب، وبعد أن اضطرت مديرية التربية والتعليم، تعليق الدراسة بشكل متكرر.

تعليم في المغارة

حُولت المغارات في أطراف ريف حمص الشمالي المحاصر، إلى فصول دراسية آمنة، وذلك ضمن مبادرة تطوعية، لمواجهة أزمة التسرب الدراسي بين أطفال المنطقة. ورغم ضيقها، وخلوها من المقومات الأساسية، إلا أنها كانت من بين أفضل السبل المتاحة، لاستمرار الحياة.

وبسبب اقتصار استيعاب هذه المغارات على عدد محدد من التلاميذ، فكر القائمون على المشروع بجمع تبرعات لتوسيع المغارات وحفر أخرى.

عن ذلك، قال محمد منيف، وهو أحد المعلمين المتطوعين، لموقع الجزيرة نت، إنه «بعد بحث طويل ومعاناة كبيرة قررنا أن نشارك المدنيين أماكن اختبائهم لأجل أن نعلم الطلاب وخصوصًا الأطفال منهم، وذلك بعدما أصبح التعليم في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام أمرا شبه مستحيل».

وأضاف منيف، أن «المدارس التي تديرها الحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة مغلقة بسبب القصف، ومن الصعب توافر أماكن بديلة لتعليم أعداد كبيرة من الطلبة، لذلك بادر عدد من المعلمين في الرستن بتعليم ما يستطيعون من أطفال المدينة مبادئ القراءة والكتابة».

تعليقات الفيسبوك