علاء الدين السيد

1

علاء الدين السيد

1

1,978

لاتزال أزمة التجنيد الإجباري تلقي بظلالها على المجتمع الإسرائيلي بشكل مستمر ومتزايد، فقد واصل مئات اليهود «الحريديم» احتشادهم ومظاهراتهم في مدينتي القدس المحتلة وتل أبيب ومناطق أخرى؛ احتجاجًا على قانون التجنيد.

هذه الاحتجاجات ألقت الضوء على ظاهرة تتكرر في عدة دول بينها دول عربية، يطلق عليها اسم «الاعتراض الضميري»، التي يرفض فيها أشخاص المشاركة في عمليات التجنيد الإجباري.

البداية من إسرائيل

يوم الخميس الموافق التاسع من فبراير (شباط) الجاري ولليلة الثالثة على التوالي، خرج مئات من اليهود الحريديم «المتشددين» في مظاهرات بالطرق الرئيسة في عدة مدن رئيسة اعتراضًا منهم على إلقاء الشرطة العسكرية القبض على طالب من طلاب المدرسة الدينية اليهودية «يشيفا»، بعدما رفض الطالب المثول أمام مكاتب جيش الدفاع الإسرائيلي لبدء خدمته العسكرية.

وخلال هذه المظاهرات، ألقت قوات الشرطة القبض على 31 من المتظاهرين بتهمة «تعكير السلم العام» في كل من تل أبيب والقدس المحتلة، وسط عودة دائمة للمتظاهرين كلما حاولت الشرطة تفريقهم بالمياه والعصي.

والحريديم هم جماعة يهودية من المتدينين الذين يعتبرون بمثابة الأصوليين في إسرائيل، فهم يطبقون الطقوس الدينية، ويعيشون كافة أمور حياتهم اليومية وفق أدق تفاصيل الشريعة اليهودية، ويحاولون تطبيق نصوص التوراة على المجتمع الإسرائيلي. ويشيفا هي مدرسة يهودية دينية تُعلّم مصادر الشريعة اليهودية، وخاصة التلمود، وكذلك وسائل الإفتاء في الديانة اليهودية.

يقود هذه التظاهرات مجموعة من المنتمين لما يعرف باسم «فصيل القدس»، وهي مجموعة مُنشقّة عن تيار الحريديم الأرثوذكسي، والذي يتبنى مواقف أكثر قوة وجذرية تجاه قضية الخدمة العسكرية. وأخبر هذا الفصيل طلاب مداري يشيفا عدم تقديمهم لأي بيانات يطلبها منهم مكاتب الجيش الإسرائيلي، وهو ما تسبب في اعتقال العديد من الطلبة من قبل عناصر الشرطة العسكرية بتهمة الهروب من أداء الخدمة.

وبالنسبة لطلاب يشيفا المنتمين للتيار الرئيس من الحريديم، فإنهم يقدمون أنفسهم إلى مكاتب الجيش الإسرائيلي للمعالجة الأولية، وبعد ذلك كانوا يُمنحون إعفاءً، ما لم يتطوع الطالب نفسه للخدمة في الجيش.

ووفقًا لأحد المحتجّين، فإنه بمجرد أن يُقدّم الطالب تقريره إلى مكاتب الخدمة العسكرية، فإنه بذلك يضع نفسه بالفعل داخل النظام، ما يعني تعريض نفسه لمخاطر التجنيد، حتى لو بمنح إعفاء في البداية، مُؤكدًا على أنّ المكاتب تبذل جُهدًا كبيرًا لإقناع طلاب المدارس الدينية بالتطوع، «ولهذه الأسباب فمن الأفضل ألا يُقدم نفسه».

ويُسهّل تقديم الطالب لنفسه في مشروع الخدمة العسكرية على الجيش الإسرائيلي عملية تجنيده التي يسعى إليها جاهدًا الجيش الإسرائيلي «الذي كان يُفترض به بوتقة إسرائيل» كما كان يقول ديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل، وهنا تكمن إشكالية أُخرى بالنسبة للمتظاهرين الإسرائيلين، وهي أن هذه الفكرة «تفقد الشخص هويته. نحن لدينا هويات خاصة بنا، ونُريد فقط أن نكون حريديم، وليس أي شيء آخر»، كما يقول نفس المحتج. في النهاية جميع هذه التحركات جُزء من مفهوم واسع يُطلق عليه اسم «الاعتراض الضميري».

المعترض الضميري

المعترض الضميري هو الشخص الذي يدّعي حقه في رفض أداء الخدمة العسكرية على أساس حرية الفكر أو الضمير أو الدين. وبشكل عام، يشير هذا المصطلح إلى الاعتراض في سياق التجنيد العسكري، ولا ينطبق على التطوع في القوات العسكرية.

في بعض البلدان، يجري تعيين المعترضين ضميريًا في الخدمة المدنية كبديل عن الخدمة العسكرية أو التجنيد الإجباري. بعض المعترضين ضميريًا يعتبرون أنفسهم «سلاميين» و«غير متداخلين» و«غير مقاومين»، و«غير عنيفين» ومناهضين للجيوش وللعسكرية.

تاريخيًا نُفّذت عقوبات الإعدام والسجن وغيرها من العقوبات في حق المعترضين ضميريًا، وذلك عندما أدت معتقداتهم إلى إجراءات تتعارض مع النظام القانوني لمجتمعهم أو للحكومة. وقد تفاوت التعريف القانوني، ووصف حالة الاعتراض الضميري على مر السنين، ومن أمة إلى أخرى. وكانت المعتقدات الدينية هي نقطة الانطلاق في العديد من الدول لمنح قانونًا صفة المعترض الضميري.

أمّا أول اعتراف بالاعتراض الضميري فكان من قبل ملك هولندا وليام الصامت إلى المينونايت الهولندية (طائفة مسيحية بروتستانتية تعيش حياة محافظة بعيدًا عن التكنولوجيا) عام 1575، وسمح القرار لأبناء هذه الطائفة لرفض التقدم للخدمة العسكرية في مقابل دفع أموال.

ومُنحت تشريعات رسمية إعفاء المعترضين من القتال وخوض الحروب لأول مرة في منتصف القرن الـ18 في بريطانيا العظمى، بعد مشاكل تخص محاولة إجبار الكويكرز (جمعية الأصدقاء الدينية، وهي مجموعة مسيحية بروتستانتية نشأت في إنجلترا في القرن الـ17) أداء الخدمة العسكرية. في عام 1757، عندما قدمت أول محاولة لتأسيس ميليشيا بريطانية كاحتياطي عسكري وطني محترف، سمح بند في قانون تكوين الميليشيا بإعفاء الكويكرز من الخدمة العسكرية.

وبالعودة إلى إسرائيل، فهناك قصة حديثة تناقلتها وسائل إعلام عالمية عام 2016، عن شاب إسرائيلي يدعى طاير كامينر، البالغ من العمر 19 عام، وهو معترض ضميري يتواجد حاليًا في سجن عسكري لرفضه أداء الخدمة العسكرية الإجبارية.

هذا الشاب وجه خطابًا لأحد الجنود الأمريكيين يحكي فيه قصته، ويبدي اعتراضه على مساهمة الولايات المتحدة في تجهيز الجيش الإسرائيلي، قائلًا «وأنا جالس في السجن العسكري الإسرائيلي، الزي الرسمي لدينا، هنا في السجن العسكري، جرى التبرع به من قبل بلدك إلى بلدي. نعم، هو حقًا زي الجيش الأمريكي الذي نقوم بارتدائه، زي شبيه بجلد النمر، زي مشاة البحرية، وبعض من هذه الملابس لا تزال عليها أسماء الجنود مخيطة على اليمين واليسار على الجانبين من القمصان. وهذه المرة، وصلني قميصك مع شارته الخاصة بك، لا تزال مخيطة على الجانب الأيمن من القميص».

وفي مصر معترضون

في مصر هناك صعود تدريجي في حركة الاعتراض على التجنيد الإجباري في المؤسسة العسكرية المصرية، خاصة في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011. أحد الأمثلة البارزة في حركة الاعتراض سمير الشرباتي، المعترض ضميريًا على أداء الخدمة العسكرية.

وتقدم سمير في الثالث من مارس (آذار) ٢٠١٦ بطلب لوزير الدفاع، لاستثنائه من الخدمة العسكرية بسبب «معتقداته السلامية» التي تمنعه من حمل السلاح، كما أرسل طلبات مماثلة لكل من رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب، ورئيس الجمهورية، واستندت طلباته على المواثيق الدولية التي تؤكد على حرية المعتقد والضمير، و كذا على المادة ٦٤ من الدستور المصري الناصّة على أن حرية المعتقد مُطلقة.

وفي تصريحات خاصة «ساسة بوست»، وصف سمير نفسه بـ«كاره للخدمة العسكرية»، موضحًا أن فكرة اعتراضه على تأدية الخدمة ليست نابعة من الوضع السياسي الحالي في مصر، وإنما مبدأ عام لديه، لكن ذلك لا يعني اعتراضه على ما اعتبره تدخلًا للجيش في الحياة السياسية والاقتصادية المصرية، ولا ممارساته «العنيفة» وانتهاكاته ضد المتظاهرين، والتي من بينها كشوف العذرية.

الأمر بالنسبة إلى سمير كأن يرفض أحدهم أن يكون طبيبًا على سبيل المثال، على الرغم من أنها مهنة «سامية»، كذلك فإنه يرفض حمل الجندية وحمل السلاح «حتى لو كان من أمامي إرهابيين، فأنا لا يمكن أن أشترك في قتالهم وقتلهم. أحترم وظيفة الجيش، لكني لا أحب أن أؤديها»، على حد تعبيره، مُؤكدًا على أن القانون الدولي والدستور المصري الذي كفل حرية المعتقد بإطلاقه، يعطيانه حق رفض أداء الخدمة العسكرية، ووصف أداء الجيش المصري حاليًا بأنه «بلا سلطة فوقه، وبالتالي فإن الأمر أقرب للسخرة والعبودية».

وبالنسبة إلى وضعه الشخصي، فقد استطاع أن يحصل على إعفاء أمني من دخول الجيش، لكن آثاره الجانبية هو منعه من السفر، كما أن هذا النوع من الإعفاءات يُقلص فرص العمل، خاصة وأن الكثير من الشركات تطلب الموقف من التجنيد. يقول سمير «أشعر أني عبد عندما يوقفني أحد أفراد الجيش عندما أنتقل من مكان لآخر داخل مصر طالبًا معرفة موقفي من التجنيد، حتى إن دخول المصريين لسيناء يشترط معرفة موقفك من التأمين»، على حد تعبيره.

هناك نماذج للمعترضين ضميريًا تمكنوا بالفعل من الحصول على حقهم الكامل في الاستثناء من أداء الخدمة العسكرية في مصر، فطبقًا لما ذكرته حركة «لا للتجنيد الإجباري» في 20 مايو (أيار) 2015، أصدر وزير الدفاع صدقى صبحي قرارًا باستثناء المعترضين الضميريين مارك نبيل، ومصطفى أحمد، بشكل نهائي من أداء الخدمة العسكرية.

يذكر أن كلا الشابين كانا يعيشان طوال عام في وضع غير قانوني، محرومين من حقوقهم الدستورية في العمل والتعليم والسفر؛ بسبب عدم تسلمهم مستندات تحدد موقفهم من الخدمة العسكرية. وبالرغم من أن قرار وزير الدفاع لم يعترف بهم كمعترضين ضميريين، لكنه استثناهم بصورة نهائية من الخدمة العسكرية.

ويُعدّ مصطفى أحمد أوّل شاب مصري يستلم ردًا كتابيًا على طلبه بالاستثناء من الخدمة العسكرية بناءً على معتقداته الضميرية، وذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، فبعد أن رُشّح للخدمة في الجيش ضابط احتياط، أرسل خطابًا لوزير الدفاع، وكان آنذاك عبد الفتاح السيسي، يطلب فيه استثناءه من الخدمة العسكرية، وبعد مرور أسبوعين، تلقى مصطفى ردًا من وزارة الدفاع برفض طلبه بالاستثناء من الخدمة العسكرية على أساس أن «رفض الانضمام للجيش يعرض الأمن القومي للخطر»، لكن مصطفى أصر على موقفه.

مارك نبيل وهو مؤسس حركة «لا للتجنيد الإجباري» وأول معترض ضميري في مصر، كان أيضًا مرشحًا لأداء الخدمة العسكرية كضابط احتياط، لكنه مباشرة بعد انتهاء الكشف الطبي أبلغ ضباط الجيش في منطقة تجنيد أسيوط برفضه أداء الخدمة العسكرية؛ بسبب معتقداته السلامية، ولأنه يرفض «الجرائم التى ارتكبها الجيش المصري بعد الثورة»، على حد تعبيره. بسبب ذلك خضع مارك للعديد من التحقيقات على يد المخابرات الحربية، وبقي في وضع غير قانوني، محرومًا من حقوقه حتى استلم إعفاءه النهائي من الخدمة العسكرية.

هناك أيضًا عماد الدفراوي (29 عام) وهو ثاني معترض ضميري على الخدمة العسكرية الإجبارية في مصر، وأول معترض ضميري بعد ثورة 25 يناير 2011.

ماذا يقول القانون الدولي؟

في عام 1948، جرى التعامل لأول مرة مع قضية الحق في الاعتراض الضميري من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في المادة رقم 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، عبر مصطلح الضمير وحرية الضمير. ونصت على أنه «لكل شخص الحق في حرية الفكر والوجدان والدين؛ ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته، إما وحده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو خاصة، في إظهار دينه أو معتقده بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها.

في الثامن من مارس (آذار) 1995، أصدرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان القرار رقم 1995/83، والذي ينص على أن «الأشخاص الذين يؤدون الخدمة العسكرية لا ينبغي استبعاد حقهم في الاعتراض الضميري عن الخدمة العسكرية» وقد أعيد التأكيد على هذا القرار مرة أخرى في عام 1998، عندما اعترف القرار 1998/77 أن «الأشخاص الذين يؤدون بالفعل الخدمة العسكرية يمكن أن يعترضوا ضميريًا».

وهناك عدد من المنظمات في جميع أنحاء العالم التي تحتفل بهذا المبدأ يوم 15 مايو (آيار)، ضمن ما يعرف باسم اليوم الدولي للمعترضين ضميريًا. كما جرى تمديد المقصود بهذا المصطلح ليضم أيضًا أولئك الذين يعترضون على العمل في المصانع العسكرية.

تركيا مثال آخر

هذه القضية تثير جدلًا واسعًا في تركيا؛ فتركيا وأرمينيا وأذربيجان هي الدول الثلاث فقط اللاتي ترفضن الاعتراف بالاعتراض الضميري ضمن الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي.

في يناير (كانون الثاني) 2006، وجدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR) أن تركيا كانت قد قد انتهكت المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (حظر المعاملة المهينة) في حالة التعامل مع المعترض ضميريًا عثمان مراد أولك.

وفي عام 2005، حكم على محمد ترهان بالسجن لمدة أربع سنوات في سجن عسكري بتهمة الاعتراض الضميري، لكن أطلق سراحه بشكل غير متوقع في مارس (آذار) 2006. وجرى محاكمة الصحفية بيريهان ماغدين من قبل محكمة تركية لدعمها ترهان والدعوة للاعتراض الضميري كحق من حقوق الإنسان، ولكن بُرئت في وقت لاحق.

اعتبارًا من مارس (آذار) 2011، كان هناك 125 معترضًا ضميريًا في تركيا بينهم 25 من الإناث. كما أن هناك 256 شخصًا من أصل كردي أعلنوا الاعتراض الضميري على الخدمة العسكرية. يذكر أن المعترض الضميري إنان سوفار، وصف بأنه سجين رأي من قبل منظمة العفو الدولية.

وفي 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، أعلنت وزارة العدل مشروع اقتراح لإضفاء الشرعية على الاعتراض الضميري في تركيا، والذي كان من المفترض أن يصبح نافذ المفعول بعد أسبوعين من موافقة الرئيس عليه. وجاء هذا القرار في خطوة لإضفاء الشرعية على الحكومة التركية بسبب الضغوط من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وأعطى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية الحكومة التركية مهلة حتى نهاية عام 2011 لإضفاء الشرعية على الاعتراض الضميري، لكن جرى سحب المشروع بعد ذلك.

وتأسست لجنة داخل الجمعية الوطنية لكتابة الدستور الجديد في عام 2012. اللجنة لا تزال في مفاوضات على مختلف المواد والاعتراض الضميري هو واحد من أكثر القضايا التي لا تزال مثيرة للجدل داخل حدود هذه اللجنة.

آخر عمليات السجن للمعترضين ضميريًا كانت عام 2015، عندما أدانت محكمة عسكرية في مدينة سيفاس المعترض الضميري محمد ترهان نفسه بتهمة «عدم إطاعة الأوامر»، وحكمت عليه بالسجن لمدة 15 شهر، ثم خفف الحكم إلى غرامة بقيمة تسعة آلاف ليرة تركية، وهو الحكم الذي وصفته منظمة العفو الدولية بالصادم.

تعليقات الفيسبوك