حسام الهندي

14

حسام الهندي

14

13,901

لا صوت يعلو فوق صوت المعركة في مصر، المعركة التي لا يعرف أحد ضد من هي تحديدًا، ولكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صاحب الخلفية العسكرية دائمًا ما يتحدث عن معركة ضد «الإرهاب»، وأحيانًا معركة «التنمية والبناء»، وهكذا دواليك، معارك في معارك منذ ثلاث سنوات، بطلها جميعها الفرد الواحد: الرئيس.

خلال فترة تولي عبد الفتاح السيسي حكم مصر لم يُوجه الرجل أي انتقادات لوزراء أو مسؤولين، في الوقت الذي كان يصب فيه الانتقادات صبًّا على الشعب المصري، ووسائل الإعلام التي تحسّر على ماضيها أيّام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، مُتمنّيًا لو أن لديه إعلامًا كإعلامه.

وخلال السنوات الثلاث الماضية عمل السيسي على خلق أذرع إعلامية للنظام، بعيدًا حتى عن الكيانات الرسمية للدولة المصرية كماسبيرو والصحف القومي، حتى خضعت له كثير من المؤسسات الإعلامية، ثُمّ بدأ في إنشاء مُؤسساته الخاصة التي يُديرها رجال يثق فيهم، بعد أزاح عن الساحة المشاغبين، ليتبقى إعلام السمع والطاعة.

خريطة الأذرع الإعلامية للقنوات المصرية التي رصدها «ساسة بوست»، اعتمد فيها السيسي على التنوع من خلال وجوه استثمارية شابة، ولكن من فوقهم ضباطًا عسكريين، بشكل واضح وصريح، يُسيطرون على الأمر، فيما يبدو أنه تخوف من أي تمرّد، أو خروج عن الطاعة.

الخريطة العامة لأذرع النظام الإعلامية

تعتمد خريطة أذرع النظام المصري الإعلامية ضمن القنوات التلفزيونية على ثلاث مجموعات متداخلة، الأولى رجال الأعمال الجدد، وهم بمثابة الواجهة الجديدة لمشروعات واستثمارات أجهزة أمنية، ومن أبرز هؤلاء أحمد أبو هشيمة، رئيس مجلس إدارة شركة إعلام المصريين، وطارق إسماعيل صاحب شركة دي ميديا، وياسر سليم رئيس مجلس إدارة شركة بلاك أند وايت، بالإضافة إلى إيهاب طلعت صاحب الخبرة الواسعة في إدارة القنوات التلفزيونية، وفي التسويق.

المجموعة الثانية تتمثل في عسكريين سابقين، على رأسهم محمد سمير المتحدث العسكري الرسمي السابق باسم القوات المسلحة المصرية، وضابط الجيش السابق أحمد شعبان، وهو مدير مكتب اللواء عباس كامل الذي هو مدير مكتب السيسي، أما المجموعة الثالثة فتتمثل في رجال أعمال قدامى، بعضهم مدعوم من دول عربية، كمحمد الأمين، وطارق نور، والسيد البدوي، وهائلة الكحكي.

وعلى ما يبدو، فإن المجموعتين الأولى والثانية أقرب إلى السيسي ورجله الأول عباس كامل من المجموعة الثالثة التي تسعى للحاق بالركب، في الوقت الذي يرى فيه مُقربون من السيسي وحاشيته، أنه لم يعد يرى فائدة مرجوّة من المجموعة الثالثة وأذرعها الإعلامية، لكونها وجوهًا قديمة، ولارتباطاتهم الخارجية.

الصحافي المصري، والعضو السابق في المجلس الأعلى للصحافة، قطب العربي، أكّد ما سبق، في تصريحات لـ«ساسة بوست»، مُشيرًا إلى الوجوه الجديدة التي قفزت فجأة على عالم الإعلام في مصر، مثل الضابط ياسر سليم، وطارق إسماعيل، وكذا المتحدث العسكري السابق محمد سمير، وثلاثتهم أصبحوا يمتلكون أو يديرون العديد من وسائل الإعلام والصحافة.

يرى العربي في ذلك مُحاولة من السيسي لخلق منظومة إعلامية أُخرى متكاملة، بعيدًا عن المنظومة الرسمية الكلاسيكية المتمثلة في ماسبيرو والصحف القومية، وجمعها في قبضة واحدة.

أبو هشيمة وياسر سليم

في الوقت الذي كان يُسيطر فيه جمال عبدالناصر على الإعلام المصري، استطاع أن يُوظّف فيه مهنيين ومحترفين في الصحافة والإعلام، لكن في تجربة السيسي تغيب الأوجه المهنية مع إدارةٍ مباشرة لضباط سابقين، ورجال أعمال.

ومن بين أبرز رجال الأعمال الذي ارتبطت أسماؤهم مُؤخرًا بالإعلام في مصر، أحمد أبو هشيمة الذي لمع اسمه أول ما لمع عقب ثورة 25 يناير كاسم صاعد بقوة في مجال صناعة حديد التسليح، حتى اعتبره البعض بديل رجل أعمال الحزب الوطني المنحل أحمد عز، وعلى ما يبدو فقد صدقت تلك الاعتبارات، وأصبح أبو هشيمة بين ليلة وضحاها إمبراطورًا في عالم المال.

تقرب أبو هشيمة من جماعة الإخوان المسلمين في ظل حكمهم للبلاد، قبل أن يُعارضهم بعد الثالث من يوليو (حزيران) 2013، ليبدأ مشوار دعم غير مشروط للسيسي، ولنظام ما بعد إطاحة الرئيس المعزول محمد مرسي.

إمبراطوريته الإعلامية بدأت بإعلان شراء شركة إعلام المصريين المملوكة له، النسبة الأكبر من أسهم صحيفة اليوم السابع، ثم اشترى قنوات «أون تي في» من مالكها السابق رجل الأعمال نجيب ساويرس. بعد ذلك دخل أبو هشيمة شريكًا في موقع «دوت مصر»، كما اشترى صحيفة صوت الأمة التي كانت واحدة من أبرز الصحف المعارضة في عهد الرئيس المخلوع محمد حُسني مبارك، بالإضافة إلى شرائه شركة العلاقات العامة والتسويق ودراسات الرأي العام «POD».

هذا وتكشف بعض التسريبات الصحافية امتلاك أبو هشيمة 51% من أسهم قنوات «دي إم سي» الجديدة، دون أي يُعلن عن ذلك رسميًّا. ولم يتوقف التمدد الاقتصادي لأبو هشيمة في مجال الإعلام فقط، إذ اشترت شركة إعلام المصريين المملوكة له نحو 50% من أسهم شركة »مصر للسينما«، و51% من مجموعة برزنتيشن التي تولت شراء حقوق بث الدوري المصري منذ عامين، كما أعلن أبو هشيمة في سبتمبر (أيلول) الماضي عن توقيع عقد دمج بين شركته، وشركة «دي إم سي» المملكة لطارق إسماعيل، لكن لم تُنشر إلى الآن أية أخبار رسمية عن إتمام عملية الدمج.

ثاني أشهر الأذرع الإعلامية هو ياسر سليم، صاحب شركة بلاك آند وايت، التي اقتحمت سوق الإعلام المصري اقتحامًا مُفاجئًا. ويُعرّف ياسر سليم نفسه في اللقاءات الخاصة كضابط مخابرات سابق، ويمتلك مع طارق إسماعيل شراكة ضمنية عبر شركتيهما دي ميديا، وبلاك آند وايت.

وتمتلك شركة بلاك آند وايت جزءًا من امتياز الإعلان في صحيفة اليوم السابع التي هي مملوكة لأبو هشيمة. وفي منتصف 2014 استحوذت على كامل أسهم موقع دوت مصر من صاحب التمويل الإماراتي السابق، ثُمّ وقعت بروتوكول تعاون مع التلفزيون المصري لإنتاج برنامج «أنا مصر»، الذي أعلن إعلاميون العمل فيه دون مقابل، وبدأ البرنامج مع نهاية 2015، ولم يستمر لأكثر من سبعة أشهر قبل أن يتوقف.

رجل «DMC» الغامض

طارق إسماعيل، أو رجل الأعمال الغامض، لا يُعرف عنه كثير، ونادرًا ما تجد صورةً له منشورة في إحدى الصحف أو المواقع الإلكترونية. ويقول البعض إنه واجهة أعمال للمخابرات الحربية، ولكن تظل أي معلومة متداولة عنه مشكوكًا في صحتها، أو على الأقل لا يمكن التأكد من صحتها بنسبة كبيرة، أولًا لتشابه اسم الرجل مع أسماء رجال أعمال آخرين، وثانيًا لاختفائه عن الأضواء، ولكن ما يُمكن أن يُعرّف به طارق إسماعيل هو شركة دي ميديا، وهي واحدة من أقرب الشركات للأجهزة الأمنية المصرية، والتي أسست »راديو 9090«، وموقع مبتدأ، وتعد الشركة الخاصة الوحيدة التي حصلت على موجة بث إخبارية خاصة، علمًا بأن موجات البث تسيطر عليها «أجهزة سيادية».

ويعد موقع مبتدأ من أقرب المواقع لما يُعرف بـ«الأجهزة السيادية»، ويشابه إلى حد كبير موقع اليوم السابع في انتشاره وسط اللجان الإلكترونية المؤيدة للسيسي. وتمتلك الشركة مجموعة قنوات «دي إم سي» التي انطلقت قبل فترة قصيرة بميزانية ضخمة، قدرها البعض بـ800 مليون جنيه مصر (أي نحو 40 مليون دولار)، ويُمكن رؤية ضخامة الميزانية بوضوح في عدد قنوات المجموعة، وفي إعلامييها وبرامجها، وقد ضمّت من بين مقدمي البرامج من كانوا وما يزالون ضيوفًا دائمين في مؤتمرات السيسي، مثل إيمان الحصري، ورامي رضوان.

وفور إعلان قرب بث قنوات «دي إم سي» عقدت الشركة بروتوكول شراكة مع اتحاد الإذاعة والتلفزيون، تنازل الاتحاد بموجبه لأول مرة، عن عدد من القواعد والقوانين، من بينها السماح بظهور مذيعين على قنوات خاصة على العكس من قوانين الاتحاد التي تمنع مطلقًا الجمع بين الظهور على شاشة القنوات الرسمية، والقنوات الخاصة دون الحصول على إجازة من الاتحاد، كما انتشر أن البروتوكول يلزم التلفزيون المصري العريق ببث إعلانات لقناة منافسة وهي «دي إم سي» لأول مرة في تاريخه، ولكن ذلك لم يحدث حتى الآن، بالإضافة إلى حصول القنوات الجديدة على حق بث متبادل للمسلسلات والأفلام، ما يعني قدرة القنوات الجديدة على بث ما تشاء من أرشيف ماسبيرو العريق.

سمير وشعبان عسكريا الإعلام

لضمان السيطرة الكاملة لم يكتفِ السيسي باقتحام رجال مخابرات بزي مدني للإعلام، ولكنه أيضًا دفع وبشكل مُباشر باثنين من الضباط المقربين منه للعمل الإعلامي، وهما: أحمد شعبان، ومحمد سمير.

شعبان والذي قالت مصادر خاصة لـ«ساسة بوست» من داخل صحيفة اليوم السابع، إنه صاحب المقالات اليومية في الصحيفة تحت اسم «ابن الدولة»، والتي غالبًا ما تحمل الانتقادات للإعلاميين، والنشطاء، ومعارضي الرئيس.

والرائد أحمد شعبان، هو مدير مكتب عباس كامل، وهو الضابط الذي تردد اسمه في تسريبات اللواء عباس كامل حول الإعلاميين، في الجملة الشهيرة: »بتكتب ورايا يا أحمد«. وتقول مصادر إن شعبان يجري اتصالات مباشرة ببعض الإعلاميين لتوجيههم حول ما يرغب السيسي في بثه بوسائل الإعلام.

أما العميد محمد سمير، فهو المتحدث العسكري السابق، والذي عقب استقالته من منصبه أُعلن توليه منصب نائب رئيس شركة شيري ميديا التي يمتلكها رجل الأعمال إيهاب طلعت، ثم أصبح سمير مديرًا لقناة العاصمة التي انتقلت ملكيتها من قبل البرلماني سعيد حساسين، إلى شركة شيري ميديا.

محمد الأمين أو أبو هشيمة السابق

الحالة التي يمثلها أبو هشيمة الآن تشبه إلى درجة كبيرة ما كان يُمثله محمد الأمين عقب ثورة 25 يناير 2011، ففي أقل من ستة أشهر استطاع الأمين امتلاك إمبراطورية إعلامية بدأت مع صحيفة الوطن، ثم بإنشاء مجموعة قنوات «سي بي سي»، ثم شراء أسهم في مجموعة قنوات النهار، وقبل ذلك بشراء قنوات مودرن التي امتازت بالشهرة قبل الثورة، ثم شراء أسهم في صحيفة الفجر، وصاحب ذلك إنشاء الأمين لشركة إعلانات خاصة تحت اسم «فيوتشرز».

ورغم الدور الذي لعبته مؤسسات الأمين للتسويق للسيسي، إلا أن ذلك لم يشفع له، وغدا في الصف الثالث، بخاصة بعد المناوشات السياسية والكلامية بين السيسي وبعض دول الخليج، التي يُعرف عن الأمين تعامله معها تحت عين الأجهزة الأمنية.

وعلى ما يبدو كانت خطة السيسي استبدال الأوجه القديمة بأُخرى جديدة صافية الإخلاص له، فبدأ التضييق على بعض القنوات التلفزيونية، وسحبت العديد من الإعلانات، واضطرت قنوات مثل النهار، و«سي بي سي»، و«أون تي في»، والحياة إلى تقليل النفقات، وفصلت العشرات من الموظفين بها، حتى أن ساويرس وعلى عكس عادته في الصراعات التي يخوضها، قبل ببيع «أون تي في» لأبو هشيمة الوجه الجديد في حاشية النظام الجديد، وعمدت قنوات «سي بي سي» والنهار إلى إعلان التعاون، وضغطت جهات أمنية على طارق نور مالك قناة القاهرة والناس لمنع معرض «لومارشيه» للأثاث الذي ينظمه نور سنويًّا، ما كلّفه خسارة الملايين، وذلك بعد أن ضاق النظام بالإعلامي والكاتب الصحافي إبراهيم عيسى، ليضطر نور إلى إيقاف برنامج عيسى.

الفصل والإيقاف لمن كانوا يُؤيدون السيسي

«حتى إعلاميي النظام أصبحوا في مرمى نيران السيسي»، كما يقول الصحافي قطب العربي، الذي أوضح أن «قمع» الصحافيين والإعلاميين وأصحاب رؤوس الأموال لم يعد مقتصرًا على المعارضين فقط، وإنما طال أيضًا بعضًا من مؤيدي النظام.

وكان آخر ضحايا السيسي من الإعلاميين، الإعلامي إبراهيم عيسي، ومن قبله الإعلامي عمرو الليثي الذي أُوقف برنامجه لإذاعته فيديو «سائق التوك توك» الشهير، وكذلك رانيا بدوي بعد شراء أبو هشيمة لـ«أون تي في»، وجابر القرموطي الذي أُوقف برنامجه على «أون تي في»، ثم انسحب على الهواء مباشرة من قناة العاصمة، وقبلهم جميعًا منع توفيق عكاشة وأغلقت قناته بعد فصله أيضًا من البرلمان على خلفية زيارة السفير الإسرائيلي لمنزله، وغيرهم الكثير من الإعلاميين.

أقرأ أيضًا: حين كشف توفيق عكاشة عن «وهم» مدنية الدولة المصرية

تعليقات الفيسبوك