1,162

تحسر الجمهور الرياضي المغربي بشدة بخروج «الأسود» مبكرًا من منافسات كأس إفريقيا، بعد هزيمته بهدف مقابل لا شيء أمام «الفراعنة»، لكنه بدا راضيًا في عمومه عن الأداء القتالي الذي قدمه لاعبو المنتخب المغربي في رقعة الملعب، حيث لم يحالفهم الحظ في الانتصار.

غير أن رجوع المنتخب المغربي خاوي الوفاض من جديد، ترك مرارة في قلوب الجماهير الكروية المغربية، خاصة وأن لعنة الهزائم في كرة القدم باتت تطارد «الأسود» منذ عقود، حتى غدت عقدة نفسية لدى الكرة المغربية، بعد تجريب مدربين ولاعبين مرة تلوى الأخرى، لكن دون جدوى.

تاريخ كرة القدم بالمغرب

ظهرت لعبة كرة القدم أول مرة في المغرب بشكل ممأسس سنة 1955، حين نشأ أول اتحاد كروي، وانضم البلد إلى «الاتحاد الدولي لكرة القدم» (الفيفا) بشكل رسمي سنة 1960، ليبدأ المنتخب الوطني بالمشاركة في الدوريات الإفريقية والعالمية لكرة القدم، علمًا أن الفيفا تأسست منذ 1904.

لكن كرة القدم كرياضة عشوائية كانت منتشرة في الأحياء والقرى المغربية منذ حقبة الاستعمار، ومارسها قبل ذلك المغاربة بأشكالها الأولية، كباقي الشعوب، حيث كان الناس يتقاذفون مجسمات تشبه الكرة من الجلد أو غيره من المواد بطريقة فوضوية، إذ لم يعرفوا حينها القواعد المحكمة التي تنظم لعب الكرة المستديرة اليوم.

وكانت أول مباراة كروية لعبها المغرب مع العراق سنة 1957، تعادل فيها الفريقان ثلاثة مقابل ثلاثة، وتأهل المنتخب المغربي خمس مرات لمنافسات كأس العالم، كان آخرها سنة 1998، في حين أكبر إنجاز كروي له لحد الساعة هو الفوز بكأس إفريقيا سنة 1976.

ومنذ ذلك اللقب، ظل الجمهور الرياضي المغربي مصرًا على الحلم بمعانقة الكأس الإفريقية ثانية إلى اليوم، بالرغم من النكبات المتتالية.

كرة القدم والجماهير المغربية

لعل كرة القدم هي اللعبة الرياضية الوحيدة الشائعة بين الجماهير الشعبية في المغرب بمختلف طبقاتها، فبالرغم من النتائج المتواضعة للمنتخب الوطني قاريًا وعالميًا، ظلت كرة القدم تستقطب حب الشباب المغاربة، ولا أدل على ذلك الجماهر الغفيرة التي تحضر في المدرجات لمشاهدة البطولة الوطنية، حيث يصل عدد المتفرجين في لقاءات «الديربي المغربي» بين «الرجاء» و«الوداد» البيضاويين إلى 80 ألف متفرج، ناهيك عن المتتبعين الدائمين في المقاهي المنتشرة في كل زاوية حي وشارع بالمغرب.

ويتعدى الاهتمام الكروي للمغاربة باللقاءات الوطنية إلى المنافسات الأوروبية، خاصة البطولة الإسبانية والإنجليزية، التي تجذب إليها جماهير كثر، تحرص على متابعتها في المقاهي العامة.

وتمثل هذه اللعبة الرياضية بالنسبة للكثير مساحة لتفريغ إحباطات الواقع، ومتنفسًا بعيدًا عن بؤس السياسة والأوضاع الاقتصادية بالبلاد، التي تثير تذمر الناس، فيما يجد البعض فيها مجالًا لتحقيق الذات.

وليس غريبًا أن تكون فرق ألتراس المغرب ذات صيت عالمي، حيث يوجد حوالي 50 مجموعة ألتراس مغربية، تستقطب إليها آلاف الشباب والمراهقين، بعضها مصنف، بحسب موقع «وورلد أولترا»، ضمن أفضل عشرة مجموعات ألتراس في العالم، مثل «الجرين بويز» المشجعة لفريق الرجاء البيضاوي، و«الوينرز» المناصرة لفريق البيضاوي.

لكنها تبقى لعبة ذكورية بامتياز في المجتمع المغربي، سواء على مستوى الممارسة أو المشاهدة، حيث لا تزال الفتيات الرياضيات تواجهن عراقيل مجتمعية في التعاطي مع كرة القدم؛ وذلك بسبب البيئة الثقافية التي تنظر لهذه اللعبة كرياضة رجولية.

في المقابل، هناك فئة ترى أن كرة القدم في المغرب تستنزف أموالًا طائلة بدون فائدة، كان الأجدر استثمارها في الصحة والتعليم والشغل، ما حدا بالبعض إلى المطالبة تجميد الجامعة المغربية لكرة القدم، الموبوءة بالفساد المالي، ووقف أنشطة المنتخب الوطني إلى حين.

غير أن عموم الناس يفضل استمرار المسيرة الكروية للمغرب على تعطيلها، وإن كانت بمثابة ثقب أسود يبتلع جزءًا هامًا من ميزانية الدولة بدون مردودية؛ إذ يرى الكثير أن هذه اللعبة هي الشيء الوحيد ـ ربما ـ المتبقي في هذه البلاد، الذي يثير لحظات البهجة وسط الحياة اليومية القاسية، ويدغدغ المشاعر الوطنية.

السياسة تتجذر في الكرة المغربية

من الغريب أن تلتصق الرياضة بالسياسة، حيث تبدو الهوة واسعة بين المجالين، إلا أن البعد السياسي كان حاضرًا في كرة القدم المغربية منذ فترة مبكرة في تاريخ المملكة، عندما تحولت الجامعة المغربية لكرة القدم ومعظم الأندية الوطنية إلى ممتلكات خاصة لجنرالات الجيش ورجال السياسة يتنافسون بها بينهم، فيما يشبه رهانات المصارعة بين مسيري السجون، التي تظهر في أفلام السجون الأمريكية.

وسبق أن تولت العديد من الشخصيات الأمنية  والسياسية قيادة عدد من الفرق الوطنية، على سبيل المثال «محمد المديوري»، مدير الأمن الملكي في حقبة «الحسن الثاني»،  الذي ترأس قيادة نادي الكوكب المراكشي، وتجربة «الكوميسير عرشان» مع الفريق «الزموري»، بالإضافة إلى الجنرال «أحمد الدليمي» مع فريق «اتحاد سيدي قاسم».

ومن المثير للسخرية أن رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم الحالي، «فوزي لقجع»، يشغل في نفس الآن منصب مدير الميزانية في وزارة المالية، وهو من الشخصيات المرجحة لشغل وزير المالية في الحكومة المقبلة.

ويرجع الحضور السياسي المتجذر في قيادة الشأن الكروي في المغرب، إلى حرص السلطة على الاستحكام في كافة مناحي الحياة المجتمعية، خاصة وأن كرة القدم تستقطب جماهير واسعة، يمكن ترويضها. ومنه تتحول رياضة كرة القدم إلى أداة بيد السلطة تستعين بها للتحكم في المجتمع، الذي ينبغي ضبطه بإحكام؛ تجنبًا للفوضى، وحفاظًا على النظام العام، في نظر السلطة.

لكن من جهة أخرى، تصر الجماهير على استخدام منصات المدرجات لتبليغ الرسائل السياسية إلى القائمين على كرة القدم في المغرب، حيث تبدع فرق الألتراس في رسم اللوحات الجماهيرية، تندد عن طريقها بالفساد المتفشي داخل الجامعة المغربية لكرة القدم، مطالبة بمحاسبة مسيري الكرة المغربية.

وبين الهواجس السياسية والخسارة المالية، تبقى كرة القدم في المغرب الرياضة المفضلة لمختلف الفئات العمرية، وبلسم الجماهير الشعبية من بؤس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلد.

اقرأ أيضا: تاريخ كرة القدم.. كيف تطورت اللعبة الساحرة؟

 

تعليقات الفيسبوك