حسام الهندي

31

حسام الهندي

31

3,114

احذري إن ذهبتِ لأي مكان في مصر، ستكون دائمًا ملابسك مثار أزمة، وقد يمنعك أي قرار إداري مُفاجئ من الدخول إلى مدرستك أو حقل زفاف أو حفلة لمغنٍ تحبيه، أو مطعم.

في مصر، ثمة لافتات كبيرة، قد لا تكون مرئية، لكنها تُطبق إداريًا وفقًا للهوى، وغالبًا ما تخص الحياة الشخصية لسيدات مصر، أو من قررت أن تعيش في مصر، وإن كانت من جنسية أخرى.

وكأن القاعدة هي «طريقة لبسك تهمني، ومن حقي كإدارة أن أتدخل فيها»، فخلال الأيام الماضية دارت حالة من الجدل الكبير، بعد إعلان الشركة الراعية لحفل المطرب المصري «عمرو دياب»، المتوقع في 25 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، رفضها حضور من هم أقل من 21 عامًا والمحجبات، وكل من تضع غطاء على رأسها، سواء كان وشاحًا أو قبعة أو حجابًا، قبل أن يُقرر «عمرو دياب» بنفسه أن يفتح الحفل لجميع الناس، بعد أن أثار الأمر جدلًا كبيرًا.

قرار الشركة الذي انتقده مركز حقوق «مساواة للتدريب والاستشارات»، لم يكن مهمًا في ذاته؛ فالحالة الاقتصادية لن تسمح للأغلبية بالمنافسة على شراء تذكرة يصل ثمنها لنحو1300 جنيها (70 دولارًا) كحد أدنى.

ولكن القرار أثار من جديد أزمة ملابس السيدات في مصر، ورفض دخول بعض الأماكن والمقار للمحجبات والمنتقبات، وأيضًا السيدات التي لا يرتدين غطاء الرأس.

الوضع العام في مصر

بالرغم من الاهتمام الكبير بالشكل والملابس النسائية في مصر، وكأنك في بلد يوقر النساء، إلا أن الواقع غير ذلك، وفقًا لتقارير عالمية، إذ تأتي مصر في المرتبة الثانية في التحرش الجنسي، كما تشير صحيفة «واشنطن بوست».

وأورد تقرير لمكتب الشكاوي في المجلس القومي لحقوق الإنسان، خلال عام 2012 أن نحو 64 %، من السيدات المصريات يتعرضن للتحرش الجنسي بكافة أشكاله. وتشير النسبة بالطبع لحدوث حالات تحرش لمحجبات وغير محجبات، وطبقًا لدراسة أعدها المركز المصري لحقوق المرأة، حول حالات التحرش الجنسي في عيد الأضحى عام 2016، سجّل في تلك الفترة قرابة 174 محضرًا للتحرش في القاهرة والجيزة، وثبت أن 72% ممن تعرضن للتحرش في تلك الفترة محجبات.

يقول «فتحي فريد» الحقوقي المهتم بالدفاع عن المرأة، ومُؤسس مبادرات لمواجهة التحرش الجنسي، إنه «ليس هناك قانون ملزم في مصر لارتداء السيدات أو الرجال لملابس معينة، ولكن هناك طبعًا أماكن تضع شروط للدخول، مثل: الأوبرا، ولكن لا تتحدث عن الحجاب أو غيره».

وأوضح أنّه مع زيادة نسب التحرّش، بدأت بعض الأماكن في مصر، ترفض دخول رجال منفردين، ملزمة الرجال بدخول سيدات معهم، أو تسمح للدخول للسيدات فقط، وهو أمر يراه فريد «مقبولًا لمنع التحرش»، إلا أن منع دخول مكان أو حفلة مرتبط بالبيئة المحيطة بالمكان، وعمومًا فإن منع أي شخص يراه فريد «تميزًا غير مقبول»، كما قال.

واعتبر فريد أن أزمة حفلة «عمرو دياب»، تعتبر «مثالًا على التمييز الكبير في المجتمع المصري، ولا يمكن أن نرى تمدنًا وحداثة، دون احترام الآخر، ومن الواجب على كل المهتمين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، أن يدعم اختيارات الإنسان، أيًا كانت».

وقال فتحي فريد: إنّه يعتقد أن الحجاب لم يعد مجرد رمزٍ ديني، ولكنه «تداخل بشكل مجتمعي مع الواقع الحالي للمصريات، سواءً برغبتهن، أو رغمًا عنهن، ولكنه في النهاية أمرٌ واقع»، على حد تعبيره.

ولم يرد أي نص دستوري يلزم سيدات مصر بلباس بعينه، وفي المادة 11 من الدستور أكّد على المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفقًا لأحكام الدستور. ونصت المادة أيضًا على «تلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف».

الإجبار على ارتداء الحجاب

لم يشفع لهن سنهن الصغير من تطاول وتدخل البعض فيما يلبسن. نبدأ من المدارس المصرية التي شهدت، ولا تزال تشهد، حالات إجبار للفتيات القاصرات على ارتداء الحجاب. وكثير من تلك الحالات تتجنب الاعتراض بسبب الوصم المجتمعي، لكن الأمر تصاعد كثيرًا في عدد من المدارس في محافظة الشرقية (شمال مصر).

وخلال العام الجاري، شهدت المحافظة حالتين لمنع الإجبار في ارتداء الحجاب، من بينهن الطالبة «رحمة سالم»، التي استغلت والدتها مواقع التواصل الاجتماعي، للضغط على الإدارة التعليمية، ووزارة التربية والتعليم؛ لمنع إجبار الطالبات على ارتداء الحجاب.

وقالت والدة الطالبة التي تعمل مُعلّمة وترتدي الحجاب «عندما حاولنا التقدم بشكوى، قال لنا موظفون في إدارة التعليم: “ألا ترغبي في أن تكون ابنتك مُحترمة؟»!

تصاعدت حالات الإجبار على ارتداء الحجاب في محافظة الشرقية، وفيما يبدو فإن اهتمام الإعلام، دفع أولياء الأمور إلى التقدم بالشكاوي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث نشرت وسائل الإعلام عدة حالات، وتعاملت معها الإدارة المسؤولة بأشكال مختلفة، فمديرة إدارة التعليم، نفت في البداية إرغام الطالبات على ارتداء الحجاب، واتهمت والدة الطالبة رحمة سالم، بمحاولة اقتحام مدرسة ابنتها، ولكن المديرة أقدمت على لفت نظر مسؤولي مدرسة أخرى، كانت قد أجبرت الفتيات على ارتداء الحجاب أيضًا، أما في مدرسة ثالثة فقررت الوزارة إحالة المدير المسؤول للتحقيق، وصدر قرار من مديرة الإدارة التعليمية في المحافظة، بمنع إجبار الفتيات على ارتداء الحجاب.

وكان وزير التعليم المصري السابق قد أثيرت ضده في أغسطس (آب) 2015 عاصفة من الانتقادات بعد تصريحه في لقاء تلفزيوني، إذ قال »الحجاب ممنوع في المدارس؛ لأن الله لم يلزم الفتيات بالحجاب، إلا في مرحلة البلوغ«، لكن الوزارة نفت أن يكون ذلك قانونًا معمولًا به، واعتبرته مجرد رأي.

وفي عام 2015 قصّ مُعلّم مرحلةٍ ابتدائية، شعر تلميذة، لعدم ارتدائها الحجاب، وتعدى عليها بالضرب، لكن عائلة الفتاة تقدمت ببلاغ، وأوقف المعلم عن العمل.

وبعيدًا عن المدارس، انتشرت مُؤخرًا أخبار متعلقة بإجبار عدد من السيدات غير المصريات، على ارتداء الحجاب، وذلك خلال لقاء جمع أعضاء الملتقى الأول للشباب الإسلامي والمسيحي، مع شيخ الأزهر، «أحمد الطيب»، إلا أن «أيمن نصري»، منسق عام الملتقى، نفى أن يكون ذلك قد حدث، قائلًا «الفتيات ارتدين الحجاب بأنفسهن تقديرًا لشيخ الأزهر، وليس شرطًا للقاء».

الكنيسة والملابس

التحكم في زي المرأة لم يكن فقط في المدارس، ولا قاصرًا على المسلمين؛ إذ ظهر الأمر أيضًا في الكنيسة المصرية؛ ما دفع عددًا من السيدات القبطيات إلى التظاهر أمام الكاتدرائية المرقسية في منطقة العباسية بالقاهرة، في أغسطس(آب)2014؛ رفضًا لقرارات الأنبا «بشوي» المتعلقة بملابس الفتيات في منطقة دمياط: نطاق عمله.

وتشير القرارات إلى أن »الفتيات اللاتي تزيد أعمارهن عن 11 عامًا، يحظر ارتداؤهن البنطلون والبلوزة، وضرورة ارتدائهن ملابس تتسم بالحشمة والوقار، وكذلك عدم وضع «مكياج»، أثناء تقدمهن للتناول (إحدى الشعائر المسيحية)«. ولم يكن حديث الأنبا بشوي التدخل الأول منه فيما يخص ملابس النساء، ففي عام 2012، طالب السيدات القبطيات أن يكن «محتشمات كالمسلمات».

قرارات الأنبا بشوي لم تكن الوحيدة في الكنيسة، فهناك قرارات أخري من بينها في محافظة السويس، عام 2014، حين أصدر المسؤول الكنسي في السويس الأنبا «بموا»، نشرةً على الكنائس في محيط إدارته، تنص على إلزام النساء بـ«الاحتشام في الملبس»، خلال حضور المناسبات الكنسية، بما في ذلك حفلات العرس، وتشمل تلك القرارت العروس نفسها، وحال حضور سيدة ترتدي زيًا «غير محتشم»، تُلزم بارتداء «برنص» على باب الكنيسة، وفقًا للقرار.

وفي محافظة قنا جنوب مصر، نشرت بعض الصفحات المسيحية في أبريل (نيسان) الماضي تحذيرًا صادر عن المسؤول الكنسي في قنا، الأنبا «شاروبيم»، بضرورة الالتزام بـ«الحشمة والوقار حال دخول الكنيسة ابتداء من عيد القيامة 2016، وأيضا حال صلاة الإكليل(صلاة تتم بها الزيجات في المسيحية)، وإلا سيمنع الكاهن من مراسم الصلاة، وكذلك عدم السماح للمدعوين من الدخول للكنيسة بلباس خليع»، وفقًا للقرار.

وتوسع الأمر للمناقشة خارج الكنيسة عندما استضافت إحدى برامج «التوك شو»، القس «شنودة منصور»، الذي انتقد ملابس المسيحيات أثناء حضورهن مناسبات الزفاف، معتبرًا أنها «إساءة لسمعة المسيحيات»، لكن الكنيسة تبرأت من تلك التصريحات، مُصدرةً قرارًا بوقف القس شنودة منصور عن الخدمة في الكنيسة، وفي جميع الأعمال الكهنوتية؛ لحين الانتهاء من التحقيق معه.

النقاب في منشآت الشرطة والقوات المسلحة

ممنوع دخول المنتقبة لأية منشأة تابعة للقوات المسلحة والشرطة، سواء كان ناديًا أو مشفى أو حديقة، ويُعتبر ذلك من المسلمات في مصر. تحدث «ساسة بوست» مع «دعاء جميل»، وهي ربة منزل منتقبة، فقالت «في حالات الزفاف، أمنع عادة من دخول نوادي القوات المسلحة والشرطة، ويقال لي: إن القانون ينص على ذلك»، لكنها قررت البحث وراء الأمر؛ لتكتشف أنه في 31 يوليو (تموز) 2014، أصدرت محكمة القضاء الإدارية، قرارًا بمنع الدخول إلا بالكشف عن الهوية، لكن ما يحدث هو إجبار السيدات على خلع النقاب.

وأضافت «في عدد من النوادي يمنع الدخول بشكل عام من بينها نادي الحرس الجمهوري والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وما يدفع بعض المنتقبات لارتداء كمامة طبية كنوع من الالتفاف على القرار».

وأزمات النقاب في مصر منتشرة بكثرة، ولكن أبرز الحالات، ما حدث في جامعة القاهرة حين أصدر «جابر نصار»، رئيس جامعة القاهرة، قرارًا يحظر فيه ارتداء النقاب داخل المستشفيات الجامعية، يتضمن خلع النقاب خلال علاج المريض فقط وارتداؤه بعد ذلك، كيفما تريد المنتقبة.

كما منع عدد من الجامعات قبل الثورة دخول المدن الجامعية للمنتقبات، مثل جامعة حلوان، وانتشر عدد من التسريبات عن قرب إعداد البرلمان المصري مشروع قانون من شأنه منع النساء من ارتداء النقاب في الأماكن العامة والمكاتب الحكومية، ولكن القانون لم يظهر على الإطلاق.

الحجاب في مصر

منذ سبعينات القرن الماضي، ومع صعود الإسلاميين، والسماح لهم بالعمل داخل الجامعات، في إطار مواجهة القوميين واليسار، تصاعدت معهم ظاهرة ارتداء الحجاب في مصر، الذي لم يكن ترتديه الكثير من النساء قبل ذلك، إلى أن وصلنا لعام 2003، وتصاعدت ظاهرة ما عرف وقتها بالدعاة الجدد، الذين قدموا شكلًا مختلفًا للدعوة الإسلامية، وارتفعت وتيرة ارتداء الفتيات للحجاب.

وكان من اللافت للخارج هذا التغيير في مصر، الذي بدأ في العودة إلى الوراء عقب الأزمات المتلاحقة على مصر في الآونة الأخيرة، بدايةً من الثورة المصرية في 2011، لكن ليس ثمة إحصاء دقيق لعدد المحجبات المصريات.

وكانت صحيفة «فرانكفورتر روندشاو» الألمانية، قد أشارت في تحقيق لها من قبل، إلى تعرض عدد من المحجبات في مصر، لبعض المضايقات في مُؤسسات مختلفة، من بينها البنوك، عارضةً لعدد من الشهادات، كما انتقل التحقيق للمنع من دخول بعض المطاعم والفنادق من الدخول بحجة وجود مشروبات كحولية.

هذا، وانتشرت حملة في 2015 تحت وسم (هاشتاج) «#‏مش_من_حقك_تمنعني»‬، ضد منع دخول المحجبات للشواطئ، ونشرت الحملة أسماء عددٍ من المطاعم والفنادق والمنشآت السياحية، التي تمنع دخول محجبات أو منتقبات.‬

وفي يوليو (تموز) تقدمت السائحة النرويجية، «كارولين بوستن»، بشكوى لسفارة بلدها، لمنع إحدى القرى السياحية في الساحل الشمالي، نزولها للسباحة، لارتدائها الحجاب، وطلبت منها ارتداء البكيني؛ إذا أرادت السباحة.