حسام الهندي

31

حسام الهندي

31

«كل من يحمل كاميرا مشتبه به، فبمجرد قيامك بالتصوير في مكان عام، تجد رجال الشرطة يوقفونك ويطالبونك بإظهار بطاقة هويتك الشخصية والصحافية والتصاريح التي تمسح لك بالتصوير، وربما بعد إظهار كل تلك الأوراق تتعرَّض لمضايقات مثل الاستيقاف، أو الاحتجاز غير القانوني لحين التأكد من صحتها. وقد يتطور الأمر إلى القبض عليك وتحويلك للنيابة العامة».

تلك الكلمات القليلة من تقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير2015، تختصر الحالة التي تعيشها «الكاميرا» في مصر. جميع أنواع الكاميرات حتى الهواتف المحمولة، في أي مكان، وكل الصور أصبحت محظورة تقريبًا، والرقابة شرطية وجماهيرية أيضًا، ليصبح الشارع المصري كارهًا للصورة، وتحولت الكاميرا لـ»بعبع« يخيف ويقلق الجميع، ويضيف التقرير السنوي 2015 للجنة الحريات بنقابة الصحافيين المصرية، إشارة إلى دخول المواطنين بشكل كبير على خط الاعتداء على من يقوم بمهام إعلامية.

 وقفة للمصورين المصريين أمام البرلمان مارس 2013

صورة للزحام ممنوعة!

من المعتاد في مصر أن تكون أبرز الانتهاكات ضد المصورين الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام، خلال الوقفات والمظاهرات ذات الطابع السياسي، ولكن غير المعتاد أن تكون تلك الانتهاكات والتجاوزات، خلال التقاط الصور لتحقيقات صحافية اجتماعية ومحلية، وهو ما سيتم تسليط الضوء عليه في هذا التقرير.

المصورة الصحافية وفاء حسن، تعمل في موقع فيتو الإخباري، تم القبض عليها يوم 18 يناير (كانون الثاني) 2015 أثناء تغطيتها للتكدس المروري أعلى كوبري غمرة -وسط القاهرة-، وتم مسح الصور التي التقطتها عبر هاتفها المحمول، واقتيادها لقسم شرطة الظاهر؛ حيث تم إخلاء سبيلها بعد ذلك.

أجرى ساسة بوست اتصالًا هاتفيًّا بالمصورة، وقالت: «لا أعرف السبب الحقيقي وراء احتجازي في ذلك اليوم، ولم أتوقع أن يكون تصوير التكدس المروري سببًا في احتجازي».

وتابعت: «أمين شرطة قام بإيقافي أعلى كوبري غمرة -وسط القاهرة- وأجرى اتصالًا بضابط حضر للمكان، اقتادني داخل سيارة شرطة (عربة بوكس) إلى القسم، وانتظرت لأكثر من ثلاث ساعات، وتدخل بعض الزملاء، وتم إخلاء سبيلي دون تحرير محضر».

يشير تقرير لجنة الحريات إلى عدد من الانتهاكات التي تعرض لها مصورين صحافيين خلال عملهم في مواقع غير مواقع المظاهرات، ومن بينها قصة المصورتين نورهان زايد، ونورهان عمارة.

نورهان زايد، تعمل في جريدة الشرق الأوسط، احتُجزت أمنيًّا وأحيلت للنيابة بتهم التصوير دون ترخيص يوم 13 مارس (آذار) 2015، في أحد مقاهي مدينة الباجور بالمنوفية، والمصورة نورهان عمران محررة بوابة الوفد احتُجِزت يوم 8 أبريل (نيسان) 2015، أثناء قيامها بتحقيق صحافي في محكمة الأسرة بحلوان، وتم اقتيادها لقسم شرطة حلوان، وتحرير محضر ضدها بتهمة التصوير بدون تصريح، وأخلت النيابة سبيلها بعد عدة ساعات.

التصريح والقانون.. خوف عارم من الكاميرا

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان أكدت في بيان سابق لها، أنه لا يوجد ما يسمى تصريح بالتصوير، وأشار البيان: «لا يوجد في الدستور أو في القانون ما يمنع التصوير في الأماكن غير العسكرية، والتصاريح التي يتم الحصول عليها هي تصاريح من وزارة الداخلية أو هيئة اﻻستعلامات –هيئة مصرية تتعامل مع الجهات الإعلامية الأجنبية- ويتم الحصول عليها بعد موافقة جهات أمنية عديدة، والمقصود من تلك الإجراءات فرض الرقابة على العمل الإبداعي».

محمود كامل –عضو مجلس نقابة الصحافيين– يقول: «الحديث عن مبررات حفظ الأمن والتأمين وأشياء من هذا القبيل عند طلب تصريح التصوير، هي مبررات واهية، فمنذ متى تحولت شوارع وسط البلد والميادين العامة إلى مناطق عسكرية ومنشآت حيوية يحرص المصريون على عدم تصويرها، أو نقل صورها إلى العالم؟!».

مضيفًا: »كل هذا التضييق لن يمنع المصور من أداء عمله، فيمكن التصوير خلسة لمن يريد حقًّا أن يفعل، كما أن أي طفل صغير حاليًا يستطيع الحصول على صورٍ واضحة لأي منطقة في مصر أو العالم، عن طريق خدمات الأقمار الصناعية على الإنترنت، وبعضها مجاني، وتصريح التصوير الذي تطلبه (الداخلية) لا مثيل له في أي بلد متحضر في العالم»«.

ويتابع: «تصريح الشوارع، والمقصود به التصريح الذي يستخرج من الداخلية، يعد ظاهرةً تؤرق المصورين الصحافيين والهواة أيضًا، بل وصل الأمر إلى التضييق على السائحين خلال التقاطهم صورًا للشوارع أو حتى لمناطق أثرية، الأمر أشبه بالجنون، فمجرد ظهور كاميرا فوتوغرافيا، أو حتى كاميرا موبايل تثير جنون رجال الشرطة».

 

الرعب ليس من كاميرا المظاهرات فقط وإنما أيضًا من السياح

الأمر لا يتوقف مطلقًا على التصوير في الشوارع الشعبية، أو في المظاهرات والوقفات السياسية. ما زالنا هنا في المنطقة غير السياسية، حيث سننتقل إلى جانب آخر هو جانب السياحة، ومن المعروف أن مصر من الدول التي تمتلك المئات من المزارات السياحية، ولكن بالرغم من ذلك عادة ما يكون هناك تضيق على استخدام الكاميرا في تلك المناطق، إما بطلب الحصول على تصريح من الآثار، أو عن طريق التشكيك في نوايا السائح.

نشرت المواقع الإخبارية المصرية في 30 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الجاري خبرًا عن إخلاء سبيل سائح كولومبي، بعد أن ألقي القبض عليه لتصويره المنطقة الأثرية بالهرم بكاميرا ممنوع تداولها في مصر، وطلبت النيابة تحريات المباحث حول الواقعة، وما تزال التحقيقات مستمرة.

في الأول من سبتمبر (أيلول) من العام الجاري، نشر حساب شخصي تحت اسم «رولا حسين»، على موقع التواصل الاجتماعي »فيسبوك» شهادة عن تعامل قوات الأمن في منطقة الأهرامات مع مصور كان بصحبتها مع بعض الأصدقاء، وكان مختصر الشهادة أن قوات الأمن المكلفة بحماية الآثار تشككت في المصور لأنه يصور السماء مع الأهرامات، وقامت باستدعاء ضابط آخر، قام بالاطلاع على الصور في الكاميرا؛ مما أثار حفيظة المصور، وخاصةً أن منطقة الأهرامات ليست من المناطق المحظور فيها التصوير.

مقارنات «كوميدية»!

المقارنات بين التعامل في مصر وفي بلاد أخرى حول مسألة التصوير، تأخذ عادةً مسار تندر وسخرية، وهذا ما رصدناه مع المصور الصحافي مصطفى درويش، وهو يعمل صحافي حر مع عدد من الوكالات، ويعيش حاليًا في تركيا.

يقول درويش: «تم القبض عليّ العام الماضي من منطقة دار السلام –شرق القاهرة- أثناء تصويري لسيدة تحمل خبزًا، ولم يكن هناك أي تجمع شرطي أو منطقة عسكرية».

يتابع درويش: »من المفارقات أنني كنت قد التقطت بعض الصور مع زميل لي في تركيا، واقتربت منا عربة شرطة ثم ترجل الضابط منها واقترب من موقعنا، تصورت أنه سيسألنا عن تصريح التصوير، ولكنه سألنا هل لو مررت الآن من هذا المكان سأفسد عليكم صورتكم؟«.

وأضاف: «اعتقدت في البداية أنه يسخر منا، ولكنه بالفعل انتظر حتى انتهينا وألقى علينا السلام وذهب بسيارته».

تحدث ساسة بوست مع المصورة الصحافية جهاد حمدي الحاصلة على المركز الثاني في مسابقة »أندريا ستينين« الروسية، حول المخاطر التي تواجه المصورات الصحافيات في الشارع المصري، فقالت: «ليس هناك أي تسهيل حتى يمكن حصر المخاطر. التصوير في الشارع المصري ممنوع، ومصر عليها من الخارج لافتة كبيرة بعنوان: ممنوع التصوير».

وتضيف جهاد: «الحديث عن قصص الانتهاكات ضد المصورين الصحافيين ليست جديدة، ولكن ما يمكن أن أقوله إن هناك دولة مثلًا مثل روسيا عندما زرتها، وجدت فيها لافتة للممنوعات والمسموح به في بعض الأماكن، ومنها لافتة في المترو تشير إلى أحقيتك في استخدام الكاميرا على العكس من مصر، فالكاميرا قد تعرضك للضرب أو الحبس».

وتتابع: «في مصر إن كنت فقط تحمل كاميرا ولا تصور فأنت متهم، وقد تعرضت من قبل للاعتداء من قوات الأمن داخل مدخل مترو الأنفاق في محطة جمال عبد الناصر -وسط القاهرة- لمجرد أنني كنت أمسك حامل كاميرا، وكانت هناك مسيرة ذات مطالب سياسة تمر، واعتقد الأمن أني أصورها».

ضباط شرطة هواة تصوير

معتز زكي مصور قرر السفر خارج مصر للعمل بعيدًا عن أجواء التضييق، يقول: «الأمر ليس فقط تضييقًا وخوفًا، ولكن الأمر تحول لدى الداخلية لتعامل طبيعي واعتقاد دائم. أنت تصور إذًا أنت ستكشف سر ضدنا، وهذه الفوبيا انتقلت إلى العديد من المواطنين (المواطنين الشرفاء) الذين صاروا يكرهون الكاميرا، وكان السبب الرئيس في ذلك بالطبع الإعلام الحكومي الداعم للنظام الحالي».

ويتابع: «هناك أيضًا ظاهرة مهمة، وهي ظاهرة ضباط الشرطة من محبي التصوير، وهؤلاء الضباط مجرد ما يجدون كاميرا في يد مصور يقررون الحصول عليها مع بدء فض المظاهرة، ويحتفظون بالكاميرا لأنفسهم بعد مصادرتها. لأننا عندما نطالب وزارة الداخلية باستعادة بعض الكاميرات تؤكد أنها غير موجودة».

ويقول زكي: «حدث معي موقف مباشر يدل على ذلك، وكان في أحداث محمد محمود، عندما بدأ هجوم من رجال الأمن المركزي، تم إيقافي وطلب مني الضابط الكاميرا، فأكدت له أنه يمكنه محو الصور، ولكنه كرر الطلب أريد الكاميرا نفسها فرفضت، فترك العساكر يضربوني وحملوني في عربة شرطة ونقلوني لمكان الحجز».

«كاميرا التليفون بتهزك؟»

أطلق عدد من النشطاء حملةً إلكترونيةً على «فيسبوك» تحت عنوان #الحرية_لأطفال_الشوارع، في مايو (أيار) تضامنًا مع فرقة »أولاد الشوارع« الفنية بعد إلقاء القبض على أربعة شباب شركاء في الفرقة، التي تقوم بإنتاج فيديوهات على الإنترنت للسخرية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، واتفق المشاركون في الحملة على أن يلتقط كل شخص متضامن صورة له، وهو يخفي عينه وراء هاتفه الجوال، مصحوبةً بجملة «كاميرا التليفون بتهزك؟»، في إشارة إلى السيسي.

المواطنون الشرفاء

»المواطنون الشرفاء« مصطلح يطلق على المدنيين الذين يقوموا بالاعتداء على متظاهرين أو تجمعات معارضة،  تحت حماية من الداخلية، بمبرر حماية الدولة المصرية، وتم رصد عدد من الحوادث المتكررة، تدل على تحول كبير في طريقة تعامل المواطنين »من جميع التيارات السياسية وغير المسيسين« مع المصور أو حامل الكاميرا.

رصد مرصد «صحافيون ضد التعذيب» في تقرير له حول الانتهاكات ضد الحريات الإعلامية في مصر خلال النصف الأول لعام 2016 نحو «109» حالة تجاوز تم ارتكابها بواسطة «مواطنين»، من أصل 582 انتهاكًا.

مصطفى شوقي -مسئول برنامج حرية الصحافة والإعلام بمؤسسة حرية الفكر والتعبير- يقول: «كل صحافي يُتابِع حدثًا أو يهِم بنقله عن طريق الصورة، يعرض نفسه لخطر الانتهاكات المتكررة التي يفلت مرتكبوها دائمًا من العقاب».

ويشير شوقي إلى أن الخطورة ليست فقط في الاستيقاف من جهات الأمن، ولكن أيضًا من المواطنين الذين يتركهم رجال الأمن وكأنهم لا يرونهم، إذا ما تعرضوا للصحافيين بأي أذى.

يرصد تقرير لجنة الحريات نقابة الصحافيين دخول المواطنين العاديين على خط الاعتداء على الصحافيين، والتي ظهرت في العديد من الوقائع خلال الفترة الأخيرة، خاصةً مع الصحافيين الميدانيين، ووصلت لحد منع بعض الصحافيين من ممارسة عملهم والاعتداء عليهم.

التجاوزات بالأرقام

تنوعت أساليب انتهاك حقوق الصحافيين خلال عام 2015، ما بين الحبس الاحتياطي، واقتحام المنازل للقبض عليهم، وتلفيق التهم ضدهم، وإصدار أحكام يراها بعض المراقبين شديدة القسوة بحقهم، مع تعسف واضح ضد كل محاولة لرصد الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيين في ميدان العمل. كما تحول الحبس الاحتياطي وعدم تحديد مواعيد للجلسات إلى عقاب في مواجهة الصحافيين، بحسب تقرير لجنة الحريات 2015.

المصورون الصحافيون المعتقلون والمعتدى عليهم يعدون رقمًا بارزًا في سلسلة الانتهاكات، التي يقوم بها النظام الحالي في نظر بعض المراقبين ضد حرية الرأي والتعبير، وخاصةً بعد تحول عدد كبير من الصحافيين إلى الصحافي الشامل الذي يحمل كاميرا لتوثيق ما يقوم بتغطيته.

رصد مرصد صحافيون ضد التعذيب، 582 انتهاكًا ضد الحريات الإعلامية في مصر خلال النصف الأول من عام 2016، حيث قام فريق عمل المرصد بتوثيق 394 حالةً منها بشكل مباشر (بنسبة الثلثين تقريبًا)، إما عن طريق شهادات مباشرة للضحايا أو الشهود أو المؤسسات الصحافية أو عبر الفريق الميداني، كما تم تسجيل 188 حالة توثيق غير مباشر عن طريق مصادر صحافية مختلفة.

وأكد التقرير أنه خلال النصف الأول من عام 2016، تعرض الصحافيون والإعلاميون لأنواع مختلفة من الانتهاكات، والتي كان أبرزها واقعة المنع، حيث سجل المرصد عدد 195 واقعة «منع التغطية الصحافية»، فيما يخص ثلث الانتهاكات، ثم تلاها «تعدٍ بالقول أو التهديد» بعدد 74 حالة، و«تعدٍ بالضرب أو إحداث إصابة» بعدد 73 حالةً، وعدد 57 حالة «احتجاز غير قانوني»، ثم 51 حالة «تقاضٍ بتقديم بلاغات ومحاضر».

المصور محمود شوكان

من الأسماء البارزة في السجون المصرية محمود أبو زيد (شوكان) مصور صحافي حر مع وكالة ديموتكس الإنجليزية، تم القبض عليه في ١٤ أغسطس (آب) ٢٠١٣، أثناء التقاطه صورًا لفض رابعة في شارع الطيران بمحيط رابعة العدوية. وتعرض »شوكان« بعد القبض عليه للضرب والاعتداء في الصالة المغطاة في إستاد القاهرة، حيث تم استبقاؤه لفترة من الوقت، وبعدها استمر الاعتداء عليه لمدة ثلاثة أيام متواصلة، حتى بعد نقله لسجن »أبو زعبل«. وُجهت للصحافي تهم التظاهر بدون ترخيص، والشروع في القتل، وحيازة سلاح ومفرقعات ومولوتوف، وتعطيل العمل بالدستور، وتكدير السلم العام.

تعليقات الفيسبوك