1,754

نسمع بشكلٍ مستمرّ عن «مَكرُماتٍ» ملكيَّة أو أميرية أو رئاسية يمنحها أصحاب هذه المناصب لأبناء شعبهم، إن كان يصحُّ أن نقول «يمنحها»، فلماذا تُمنح؟ ومن أين؟ وما هي أنواع هذه المكرمات؟ في هذا التقرير سنلقي نظرة على حال «المكرمات» في عالمنا العربي.

الأردن.. «الضرائب» تتحوَّل إلى «مَكرُمات»

للجهاز العسكريّ نفوذٌ واسع مرتبط بنفوذ «الديوان الملكي» في الأردن، ويُتيح هذا النفوذ للأجهزة العسكرية أخذ حصصٍ مالية من أكبر الحصص في ميزانية المملكة، تَفتح هذه الحِصص الضخمة للنظام أبوابًا لكي يوجد مساحات كبيرة للمناورة والالتفاف السياسي.

تعدُّ الضرائب مصدرًا كبيرًا من مصادر تمويل الميزانية الأردنية، وفي كلِّ عام يرتفع العجز الأردنيّ، وترتفع معه الضرائب المفروضة على الشعب، ويظهر ذلك بوضوحٍ في ارتفاع الإيرادات الضريبية للحكومة الأردنية عامًا بَعدَ عام؛ إذ تجاوزت الإيرادات الضريبية في عام 2011 الـثلاثة مليار و62 مليونًا، أمَّا في عام 2015، فقد ارتفعت الإيرادات الضريبية إلى 6.2 مليار دولار، وتساوي أكثر من نصف الميزانية الأردنية لذلك العام المُقدَّرة بـ11 مليار.

بعبارةٍ أو بأخرى، فإن المكرمات التي تُمنح للشعب تُمنح لهم من «جيوبهم»، من ضرائبهم، باسم الملك والديوان الملكي، «مكرمة ملكية»،أو «مكرمة الديوان» كما يطلق عليها.

توجد العديد من «المكرمات الملكيَّة» في الأردن، أبرزها المكرمات التعليمية والصحيّة. أما «المكرمات التعليمية» فهي تُمنح للعسكريين المتقاعدين والمزاولين لرتبهم وأبنائهم، وكذلك للمعلمين (المتقاعدين وبعض المُزاولين). تُوفر «مكرمة الجيش» مقاعد دراسية في الجامعات الأردنية مجانًا مع راتبٍ شهريّ، بالإضافة إلى رفع درجات المستفيدين من المكرمة عشر درجات إضافية عن درجاتهم المُكتسبة في امتحانات الثانوية العامة (أُلغيت العام الماضي)؛ مما يزيد من فرصهم في الحصول على التخصصات التي تتطلب المعدلات المرتفعة. أما الخدمات الطبية الملكية، ذات الحصة الكبيرة نسبيًا في الميزانية، فيستفيد منها الأطفال دون الـ18 عامًا، وتُؤمِّنُ الخدمات الطبية الملكية «التأمين الصحي الشامل لحوالي 1.5 مليون من سكان المملكة «من المشتركين والمنتفعين من ضباط وأفراد القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية المختلفة».

الخليج: صناعةُ الصمت

مع صعود ثورات «الربيع العربي»، وتعالي أصوات الغضب في دولٍ عربيةٍ عديدة، كان على النُّخب الحاكمة والأنظمة في الخليج أن تعمل على امتصاص هذه الموجات العارمة و«إخمادها». بدا أن الموجة تحملُ معها غضبًا أكبر من غضب الناشطين السياسيين أو المثقفين الفاعلين، ولذا برزت الحاجة لوسيلة تغطي فئات أكبر وأوسع من الشعب، وكانت الوسيلة هي «المال».

المكرمات والمنح الأميرية والملكية تُصرف من جيب الأمير/ الملك، الذي تأتيه الأموال من مكان لا يحقُّ لأحدٍ أن يسأل عنه، وبطريقة لا يحق لأحد أن يعترض عليها.

اقرأ أيضًا: كيف يغير البسطاء في العالم العربي مصير ممالك الخليج

واقرأ أيضًا: كيف أجهضت الإمارات الربيع العربي؟

السعودية: لا أحد يحقُّ لهُ أن يسأل

بعد عودته من رحلة العلاج في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المغربية في 18 فبراير (شباط) 2011، أي بعد الثورة المصرية بأقلّ من شهر، أصدر الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز «قراراتٍ مالية سخيّة»، جاوزت قيمتها 130 مليار دولار، تضمنت صرف راتب شهرين لموظفي الدولة المدنيين والعسكريين، وصرف مكافأة شهرين لجميع طلاب وطالبات التعليم الحكومي في الداخل والخارج، وصرف مخصَّص مالي لشهرين للعاطلين عن العمل، مع استحداث 60 ألف وظيفة عسكرية في وزارة الداخلية.

يعلّق الكاتب في مركز الجزيرة للدراسات«حسين العلق»، بقوله «وكان من الواضح أن المملكة التي تمتلك فوائض مالية تقدر بأكثر من 450 مليار دولار، قررت استخدام هذه القوة المالية في امتصاص الاحتقان الداخلي المتنامي نتيجة تردي الوضع الاقتصادي لشرائح عديدة من المجتمع السعودي، إلى جانب احتواء رياح التغيير القادمة من الخارج».

عادةً ما تُوصف هذه القرارات بـ«مَكرُمَات ملكية»، ولكنها لم توصف كذلك هذه المرة في الخطاب الصادر عن الديوان الملكيّ السعودي، وقد يعود ذلك إلى وقوع حدث هام على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أسبوعٍ من هذه القرارات، حيث انتشرت نداءاتٍ في هذه المواقع تدعو إلى خروج التظاهرات في شتى أنحاء المملكة.

الكويت.. «مكرمات أميريَّة».. ولكنَّها لا تُنفَّذ!

تتعدد أشكال المكرمات الأميرية والملكية في العالم العربي، أما في الكويت فلها شكلٌ آخر.

صدرت «مكرمة أميرية سامية» في 11 أغسطس (آب) 2016، تأمر بتجنيس 180 من أبناء الأرامل والمطلَّقات الكويتيات، و120 من أبناء وأحفاد المتجنسين الذين بلغوا السنّ القانونية، مع التحذير من التزوير، وأي عملية غير قانونية، أمَّا هذه «المكرمة الأميرية» للتجنيس فلها تاريخ طويل بطول تاريخ «قضية البدون».

«البدون» اسمٌ يطلق على الذين عاشوا في الكويت منذ القِدم ولا يحملون الجنسية الكويتية، وعلى الرغم من انخراطهم الواسع في المجتمع الكويتيّ، وتواجدهم الكبير في السلك العسكريّ، إذ مثّلوا أكثر من 80% من المقاتلين في حرب التحرير، بالرغم من كلّ ذلك إلا أن قضيتهم لم تُحل، وبقيت قيد التعليق لأكثر من 60 عامًا.

اقرأ أيضًا: «فورين أفيرز»: «البدون» للبيع في الخليج

لم يشعر أمراء الكويت بضرورة تجنيس البدون– فيما يبدو – إلا بعد تعرِّض أمير الكويت «جابر الأحمد الصباح» لمحاولة اغتيال بسيارة مفخخة في 5 مايو (أيار) 1985، وكانت كلفة نجاته مقتل اثنين من حرَّاسه «البدون» وآخرين من الحرس الأميري، حينها خرج الأمير واعدًا بتجنيس أُسَر القتلى والجرحى، ولم يُنفَّذ الوعد إلا بعد أكثر من 25 عامًا.

بالرغم من التأخر الشديد في تنفيذ الوعد، فقد أصدر الأمير «مرسومًا أميريًا» يقضي بتجنيس 2000 فرد من البدون سنويًا، ولم يحصل على الجنسية خلال الأعوام التالية – وحتى عامنا هذا – سوى قرابة الـ 1000 فقط، ومعظمهم ليسوا من البدون. وَعَدَ أمير البلاد «صباح الأحمدالصباح» -أخو الأمير جابر الصباح – في عام 2010 بحلٍ لقضيَّة البدون، وكباقي الوعود التي لم تُنفذ حتى الآن بقي وعدًا معلقًا.

بدت نيَّة النظام بعيدة عن الجدية عندما عرض على البدون «الجنسية القمرية» كوسيلةٍ للحصول على حقوقهم الأساسية التي منعوا عنها، مثل الحصول على الحق في التعليم والاستطباب والوظائف والإقامة القانونية داخل الكويت.

قضية البدون من أكثر القضايا مأساويةً في الخليج العربي؛ فالبدون يطالبون بحقوقٍ أساسية، كحصولهم على الجنسية، والحقوق المدنية، وببساطة يطالبون بحصولهم على شهادات وفاة وشهادات ميلاد، والتي بدونها لا يستطيعون أخذ التطعيمات الصحيَّة الأولية.

الإمارات

«المكرمات» إحدى أهم الوسائل التي يستعملها حكام الإمارات العربية المتحدة أيضًا. «مكرمات ومنح» النظام الإماراتي تصبُّ في نواحٍ عديدة ومختلفة، فلنلقِ نظرةً عليها، وهي في معظمها «مكرمات» تعبِّر عن «حقوق» تأخّر النظام في إعطائها لمستحقيها،

فقد تمّ صرف 20 ألف درهمًا ضمن «مكرمات رئيس الدولة» للأرامل في عام 2000، وفي 2001 صدرت مكرمة من رئيس الدولة «الشيخ زايد آل نهيان» تقضي بتوزيع 1069 مسكنًا وأرضًا على المواطنين بإمارتي أبو ظبي والعين، منها 571 قطعة أرض سكنية، وفي 23 مارس (آذار) 2006، صدرت «مكرمة» من نائب رئيس الدولة، «محمد بن راشد آل مكتوم» قيمتها 26 مليون درهم للمواطنين من أصحاب السيارات العمومية المؤجرة لـ«دبي للمواصلات».

وفي 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2007 صدرت «مكرمة» أخرى من رئيس الدولة تنصُّ على زيادة رواتب العاملين في القوات المسلحة والشرطة بنسبة 70%، وقبلها بخمسة أيَّام زيادة لرواتب العاملين في الحكومة الاتحادية من مدنيين وعسكريين. وفي مطلع عام 2008، صدرت «مكرمة» من الأمير «محمد بن راشد» تأمر بإنشاء 40 ألف وحدة سكنية للمواطنين على مستوى الإمارات، مع مضاعفة قيمة المساعدات الشهرية التي يحصِّلها المستحقون لشؤونهم الاجتماعية.

في عام 2012، صدرت «مكرمة» من رئيس الدولة خليفة بن زايد تقضي بمعالجة وتسيير القروض المتعثرة للمواطنين، والتي لا تزيد عن خمسة ملايين. مؤخرًا في شهر مارس (آذار) من هذا العام أمر محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي بتوزيع 2048 مسكنًا و4495 أرضًا سكنية.

أما حاكم الشارقة، «سلطان بن محمد القاسمي» فقد صبّ اهتمامه على الأئمة والخطباء، وقام برفع رواتبهم، ثم تكفَّل بعد ذلك بتدريس أبنائهم «من المرحلة الابتدائية وحتى التخرج من الجامعة»، مع رفعه للحد الأدنى لأجور المواطنين.

«مكرمات الحريات»

«الحرية»، التي تعتبر حقًا طبيعيًّا للإنسان تتحوّل أيضًا إلى «مكرمة» يمنحها قادة الأنظمة للمحرومين منها. من النادر أن تعلن الدول العربية أن المكرمة أو العفو العام عن المعتقلين «عفوٌ سياسيّ»؛ لأنها بذلك تضع نفسها في محل الاتهام، ولذا يتم العفو عن هؤلاء المعتقلين تحت مسمى «العفو العام»، أو «العفو الأميري»، ويُعتقل هؤلاء في السعودية ـ على سبيل المثال ـ تحت تهمٍ بعيدة عن التهم الحقيقية، كالتورط في شراء وبيع المخدرات، وفي الإمارات، فإن التهمة الموجهة في كل الأحوال هي «تأسيس وإدارة تنظيم بهدف قلب نظام الحكم، بناء على المادة 180 من قانون العقوبات الاتحادي».

في المغرب.. المكرمة الأكثر غرابة

لعل هذه «المكرمة» هي الأغرب في مناسبتها: في 13 أبريل (نيسان) 2005، تمَّ الإفراج عن 7179 معتقل بمكرمة من «أمير المؤمنين» محمد السادس بمناسبة «ختان» ابنه محمد الحسن، وشملت هذه المكرمة الإفراج عن مواطنين مصابين بأمراضٍ مُزمنة وآخرين من جنسياتٍ أجنبية ومعتقلين سياسيين، وقد علَّق الصحافي «وليد العمايرة» ساخرًا من القرار بأنّ «مصير هؤلاء المعتقلين كان معلقًا بزوال قطعة لحم عن جسد الأمير».

البعض ينظر بالتحديد لمكرمات العفو المنتظرة عند كل عيد أضحى بأنها تعطي انطباعًا، وكأن المُعتقلين أضحيات يتمُّ تحريرها بقرارٍ من الملك، وهو نمطٌ دائمٌ ومتكرر في المغرب قديمًا، وفي وقتٍ سابق، كان «أحمد المرزوقي»، الضابط المغربي الذي اعتقل 18 عامًا بعد فشل محاولة انقلاب «الصخيرات»، قد انتظر هو وأصدقاؤه العفو العام من الملك «الحسن الثاني» في عشيَّة عيد الأضحى عن المحكومين بالإعدام، أو على الأقل تأجيل تنفيذ الحكم، وبدلًا من صدور العفو نُشر خبر إعدامهم صباح عيد الأضحى، في مشهدٍ ظهر لبعض المنتقدين وكأن المحكومين أضاحٍ ضحَّى بها الملك.

ولا يمكن أن تُذكر الحريَّات في السعودية إلا بحضور اسم «جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية- حسم».

4 بعض أعضاء جمعية حسم (جميعهم مُعتقلون)

على رأس جمعية «حسم» المعارض والناشط السعودي عبد الله الحامد، الذي اعتقل أكثرَ من ست مرات، وأخرج في عام 1426هـ / 2005م بـ«عفوٍ ملكيّ»من الملك عبد الله بن عبد العزيز، وذلك عقب توليه الحكم من بعد أخيه فهد بن عبد العزيز، وخرج معه اثنان آخرون هُمَا الشاعر علي الدميني، وأستاذ العلوم السياسية متروك الفالح ضمن الـ«العفو الملكي».

على جانب آخر، نشر الأكاديمي «ناصر بن غيث» مقالًا اختتمه بـ«إن ما يعتبر زورًا أو جهلًا تنمية اقتصادية ما هو إلا هدم للدولة وأركانها وتبديد لثرواتها المادية والبشرية، وربما استعجالٌ لثورة شعوبها»، واعتقل على إثره سبعة شهور بتهمة الإساءة العلنية لمسؤولين إماراتيين كبار، ثم صدر «عفو» من رئيس الدولة عنه وعن أربعة آخرين معه في نفس القضية، بمناسبة احتفالات الإمارات باليوم الوطني الأربعين، ليخرجوا من السجن نهاية نوفمبر(تشرين الثاني) 2011.

وفي الكويت، تم الحكم على «بدر الرشيدي»، المدون الكويتي، في مارس (آذار) 2013 بالاعتقال لمدة عامين بتهمة الإساءة للـ«ذات الأميرية». وخرج الأمير في العشر الأواخر من رمضان، في يوليو (تموز) 2013، بـ«عفو أميري» عمَن مارسوا حرية التعبير ومسّوا «الذات الأميرية».

وفي قطر كذلك، اعتقل الشاعر «محمد بن ذيب»؛ بسبب قصيدته المُسماة بالياسمين في آخر عام 2011، واتهم بسبب قصيدته بسعيه لقلب نظام الحكم، سُجن بالفعل خمسة أعوام ثم صدر «عفوٌ أميري» من أمير قطر تميم بن حمد، وأُفرج عنه في 3 مارس (آذار) 2016.

ويبقى السؤال الذي لا يجيبُ عليه أحد: هل تعتبر هذه فعلًا «مكرمات»؟

تعليقات الفيسبوك