2,933

في مطلع الستينيات وخلال احتدام سباق غزو الفضاء بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، تدور أحداث فيلم «Hidden Figures» الذي يحكي قصة ثلاث سيدات شابات أمريكيات من أصول أفريقية، يعملن في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، ويُساهمن في صعود أول رجل أمريكي إلى الفضاء.

تبدأ أحداث الفيلم المقتبس عن قصة حقيقية في نهاية العشرينيات، حيث تنضم الطفلة كاثرين جونسون إلى مدرسة للمتفوقين، وتبدي مهارات متقدمة في الرياضيات والهندسة تتفوق بها على أقرانها بمراحل، وتثير ذهول كل من يتعامل معها سواء من الأساتذة أو من أفراد الأسرة وأصدقائهم.

ويبدو وكأن كاثرين تستطيع أن ترى ما وراء الأرقام، تستطيع أن ترى الأنماط المتكررة والفلسلفة الحسابية والتوازنات التي تحكم علاقات الأرقام ببعضها، بالضبط مثل جون ناش الذي قدم المخرج الشهير رون هاوراد قصة حياته في فيلم حائز على جائزة الأوسكار في عام 2001 بعنوان «A Beautiful Mind».

ثلاث صديقات عبقريات

تكبر الطفلة كاثرين وتصبح امرأة يافعة (تؤدي دروها تاراجي هينسون)، وتنضم للعمل في وكالة ناسا بوصفها متخصصة حسابات رقمية، وفي زمن لم يكن لدى الكمبيوتر نفس الإمكانيات الهائلة الموجودة حاليًّا، كان متخصصو الحسابات يطلق عليهم «Computers».

حواسيب بشرية بالفعل يُؤدون كل الحسابات الرقمية والهندسية المعقدة التي يحتاجها علماء ناسا في عملهم، مثل حساب مسارات الصواريخ، ونقاط إطلاقها، وما يتطلبه ذلك من حسابات للسرعة والمسافة وقوة الدفع وحجم الوقود المطلوب وتأثير الرياح والجاذبية ودوران الأرض.

أيضا تعمل معها صديقتها دوروثي (الممثلة الحائزة على الأوسكار أوكاتفيا سبينسر) مشرفةً على قسم الحوسبة، وصديقتها ماري (جانيل مونيه) متخصصة في هندسة مركبات الفضاء. ورغم وظائفهن رفيعة المستوى في واحدة من أول وكالات الفضاء في العالم، مع الصورة اللامعة المحيطة بها، إلا أن الفتيات الثلاثة يعانين مثل باقي الأمريكيين السود من سياسة الفصل العنصري، فللسود أماكنهم الخاصة في العمل، وحماماتهم الخاصة، وأماكن خاصة لتناول الطعام، وفي المواصلات العامة يجلسون في مكان مخصص لهم في الخلف، وغير متاح لهم الانضمام لمدارس البيض ولا أنديتهم ولا مطاعمهم. باختصار كانوا يعانون من معاملتهم باعتبارهم بشرًا من الدرجة الثانية، في ذلك العصر التي تصاعدت فيه الحركات المدنية للمساواة بين السود والبيض بزعامة المناضل التاريخي مارتن لوثر كينج (1929- 1968).

أمريكا تقبل التحدي

رغم كل هذه التحديات تحاول النسوة الثلاثة إثبات ذاتهن وتحقيق أقصى تفوق في مهنهن. وفي 12 أبريل (نيسان) عام 1961، تفاجأ الولايات المتحدة أن الاتحاد السوفيتي أطلق أول مركبة مأهولة للبشر تحت اسم «فوستوك 1» إلى الفضاء، لتحمل رائد الفضاء يوري جاجارين إلى مدار متوسط ليدور حول الأرض، ويعود مرة أخرى سالمًا ليُستقبل في الاتحاد السوفيتي وفي العالم كله استقبال الأبطال. كان هذا الإنجاز ضربةً سوفيتية قاسية للأمريكان في صراعهم أثناء الحرب الباردة، وإثباتًا للتفوق العلمي السوفيتي، بجانب أن ذلك التقدم الفضائي أثار شكوك الأمريكيين في احتمال إطلاق الاتحاد السوفيتي لأقمار صناعية للتجسس، مما كان يشعر الأمريكي العادي بالانكشاف.

كانت المسألة بالنسبة للقيادة السياسية الأمريكية تحت رئاسة جون كينيدي في هذا الوقت مسألة أمن قومي، ضغط كينيدي على وكالة الفضاء الأمريكية ناسا لإرسال رجل أمريكي للفضاء في أسرع وقت ممكن، وقام الكونجرس بتخصيص مبالغ مالية كبيرة لميزانية الفضاء. وقامت ناسا بتعيين جيش من أكفأ العلماء والمهندسين والمتخصصين التي يمكن أن تعثر عليهم، وقامت بالتعاقد مع شركة «IBM» لتزويد الوكالة بحاسبات آلية تمكنهم من القيام بمهمتهم بشكل أسرع. واختير مجموعة من الطيارين لتدريبهم استعدادًا لاختيار أحدهم لإرساله للفضاء. وأُعلن لاحقًا أن جون جلين (جلين بأول) سيكون أول رائد فضاء أمريكي يُرسل لمدار قريب حول الأرض في مركبة مأهولة.

مهمة بالغة الأهمية

الفيلم يضع المشاهد في جميع تفاصيل هذا العصر، ويجعلك تشعر بالتوتر والتحفز الذي يشعر به المواطن الأمريكي، بجانب الاهتمام بالملابس والديكورات وكل ما يظهر بصريًّا في الكدارات من سيارات ومباني ولافتات ومطاعم وشوارع وبرامج تليفزيونية وموسيقى.

ويضع المشاهد أيضا في بؤرة الصراع بين الأمريكيين من أصل أفريقي وبين نظام الفصل، تصطحب دوروثي أولادها إلى إحدى المكتبات لتشتري كتابًا عن لغة البرمجة «FORTRAN» فتستنكر سيدة بيضاء عليها وقوفها في قسم للكتب غير مخصص للملونين!

تضطر دوروثي إلى التسلل خارجة بالكتاب؛ لأن البائع سيمنعها من شرائه، ويسألها أولادها عن سبب قيامها بذلك فتخبرهم في اعتداد أنها تدفع نفس الضرائب الذي يدفعها المواطن الأمريكي الأبيض، وبالتالي فمن حقها الحصول على نفس العلم والمعرفة. أيضا يحاول العالم كارل زينيسكي المتخصص في تصميم مركبة جلين دفع ماري للتقدم للعمل باعتبارها مهندسة نظرًا لمهاراتها الفائقة، وعندما تتقدم لمديرة شؤون العاملين فيفيان (الممثلة الجميلة كريستن دانست) بهذا الطلب تخبرها أن عليها أولا الحصول على دبلومة جامعية متخصصة في الهندسة، ولأن الجامعة المختصة لا تقبل سوى البيض، فيبدو المنصب مستحيلًا بالنسبة لماري.

أيضًا كاثرين التي تنضم لمجموعة عمل على أعلى مستوى يقودها آل هاريسون (كيفين كوستنر) للقيام بحسابات رحلة جلين باعتبارها مهمة على أعلى مستوى من السرية والأهمية، تجلس كاثرين وسط ثلاثين موظفًا وعالمًا من البيض يتعاملون معها بحساسية شديدة، وينظرون إليها نظرة غير مريحة كلما قامت بإعداد كوب من القهوة من نفس ماكينة القهوة التي يشربون منها، وفي اليوم التالي يُخصص وعاء للقهوة منفصل لها مكتوب عليه كلمة الفصل العنصري (ملون – Colored)، ولأنه لا يوجد حمام للملونين في مبنى المجموعة، تضطر إلى السير ما يقرب من كيلومتر كامل ذهابًا ومثله إيابًا للوصول لأقرب دورة مياه مخصصة للملونين.

النضال من أجل إثبات الذات

وسط كل تلك المصاعب، تنجح دوروثي في تعلم لغة الفورتران وتصبح الوحيدة القادرة على تشغيل حاسب «IBM» وتصر على أن تنقل معها كل العاملين في قسم الحوسبة من الأمريكيات ذوات الأصل الأفريقي ليتعلمن نفس لغة البرمجة وليصبحن مسئولات عن تشغيل الحاسوب العملاق الجديد. أيضا ترفع ماري قضية ضد الجامعة من أجل أن يُسمح لها بحضور المحاضرات والحصول على درجة مهندسة في ناسا. كما تفرض عبقرية كاثرين على الآخرين في وحدة هاريسون احترامها، ويقوم هاريسون نفسه بهدم لافتات «ملونون فقط وبيض فقط (Colors Only وWhites Only)» على الحمامات، لأنه اكتشف كيف أن سياسة الفصل مضيعة للوقت والجهد وعائق إنساني ضخم بين تواصل المواهب والقدرات الإنسانية، ويقول في لحظة تاريخية من اليوم كلنا لون واحد في ناسا.
كاثرين جونسون قام الرئيس أوباما بمنحها ميدالية الحرية في نهاية عام 2015 تكريمها لمجهوداتها في دفع برنامج الفضاء الأمريكي.

تدور باقي أحداث الفيلم شديد التشويق حول استكمال ناسا لمهمة إرسال جلين لمدار حول الأرض، كما يأمر الرئيس كينيدي بتحد جديد وهو إرسال أول رجل في البشرية ليهبط على سطح القمر. وهو الأمر الذي كان بالنسبة لناسا (وليس بالنسبة للمواطن العادي) تحديًّا يقترب من المستحيل، إلا أن الولايات المتحدة حققت ذلك بالفعل عام 1969 بعد أحداث قصة الفيلم بسنوات قليلة ليصبح نيل أرمسترونج أول إنسان في العالم تمس قدماه أرضًا أخرى في الفضاء.

ومن المفارقات القدرية في الفيلم وجود الممثلة الشيهرة كريستن دانست في دور ثانوي بينما الممثلة السمراء أوكتافيا سبنسر في دور البطولة، كانت أوكتافيا قد قامت بدور صغير للغاية في فيلم دانست الشهير سبايدرمان عام 2002 الذي أطلق شهرة دانست لعنان السماء، إلا أن سبنسر انطلقت في مسيرتها الفنية ببطء وعناية لتحوز جائزة الأوسكار –التي لم تترشح لها دانست من الأصل- عام 2011 عن دورها في فيلم «The Help» الذي يدافع أيضًا عن حقوق الأمريكيين من أصل أفريقي.

تعليقات الفيسبوك