عام 2000، وتحت مظلة اليونسكو – منظمة الأمم المتحدة للعلوم والفنون والثقافة – اجتمعت مائة وست وأربعون دولة في داكرتا بالسنغال، لتحقيق غاية واحدة: «التعليم من أجل الجميع» ووُضعت ستَّة أهداف واسعة المجال لتحقيقها، وكذلك إمكانيات الأمم المتحدة – والدول المائة والست والأربعين معها – وسُخرّت أچندة مُبشّرة تضع نُصب أعينها عام 2015 موعدًا نهائيًا للوصول للهدف، وبدأت تصدر تقارير سنوية لرصد التقدم المُحقق وسدّ الفجوات التي قد تظهر وكذلك تقديم التوصيات اللازمة لمتابعتها. وبينما تساءل تقرير عام 2008 عن إمكانية تحقيق تلك الأهداف الستة وصولًا للغاية المنشودة، أظهر تقرير 2013 الجواب واضحًا: «لن يمكننا فعلها».

لماذا التعليم؟

اندلعت الحرب بين السوڤييت والأفغان في ديسمبر (كانون الأول) لعام 1979 ومعها عادت سكينة يوسفزي من الولايات المتحدة بعد أن أجبرها التحريم المفروض على تعليم الفتيات في أفغانستان إلى السفر منذ البداية، وفي مخيمات اللاجئين بباكستان بدأت سَكينة العمل، وخلال عامٍ واحد أنشأت خمسًا وعشرين مدرسة تضمُّ أكثر من خمسة عشر ألف طالب وطالبة، ومع انتهاء الحرب، بدأت سَكينة في العمل – شبه السري حتى سقوط حركة طالبان – داخل أفغانستان ذاتها، ساعدت على إنشاء مدارس للفتيات، ووحدات صحية، ومراكز تدريب وتأهيل، وكذلك توفير فرص عمل للنساء وانتهت بإنشاء المعهد الأفغاني للتعليم عام 1995 والذي كان المعهد الأول من نوعه الذي يهتم بتعليم الفتيات والنساء داخل أفغانستان.

خلال كلّ هذا تعرضت سَكينة وطاقمها للعديد من المضايقات التي وصلت للتهديد بالقتل أكثر من مرة، لكن هذا لم يمنعها من إنشاء المدارس، ومراكز تدريب، ومؤسسات صحية جديدة داخل أفغانستان، وأصبح المعهد الأفغاني للتعليم بعد ذلك نموذجًا لمؤسسات مماثلة تحمل قيمه واتجاهاته التعليمية، والتي انتشرت في أفغانستان وباكستان على السواء، وأسفرت في النهاية عن تعليم مئات الآلاف من الفتيات والنساء والأولاد، وكذلك مؤسسات الرعاية الصحية التي اهتمت بصحة المرأة والطفل وغيرها من الفرص سواء المتعلقة بالتعليم أو الصحة أو العمل.


سَكينة يوسفزي تحكي قصتها مع التعليم في أفغانستان

يستطلع تقرير الرصد العالمي الخاص بعام 2013 عدة أسباب تجعلنا نُعيد التفكير في أهمية التعليم للدول النامية خاصةً والعالم عامةً، منها على سبيل المثال أن التعليم يزيد من نسب الحصول على فرص عمل أفضل، ويُقلل من نسب الفقر، ويزيد من فرص الحصول على حياة صحية واجتماعية جيدة، ويشاركنا كذلك عدة نتائج ودراسات خاصة بتلك النسب، فمثلًا:

  • في إثيوبيا التي يعيش أكثر من واحد وثلاثين بالمائة من سكانها تحت خط الفقر، والتي يُعد ارتفاع مستوى التعليم بها منخفضًا بشكل كبير، فإنه بين عامي 1994- 2009 أصبح أرباب الأسر الذين أكملوا التعليم الابتدائي فقط أقل عُرضة للفقر المزمن عن غيرهم. في إندونيسيا كذلك كان التعليم هو الأهم، إذ إن سنة واحدة زيادة في التعليم تزيد من نمو الدخل بنسبة 6% للفرد، بل وتُضاعف من فرصة هروبه من خط الفقر. بينما في باكستان فإن أجر الفرد المتعلم أعلى بنسبة 23% من أجر الفرد غير المتعلم.

هذا بالنسبة للتعليم والعمل والإنتاج، أما بالنسبة للصحة، فإن التقرير يمنحنا تلك الافتراضات:

  • في جنوب وغرب آسيا، سيقل معدل وفيات الأطفال تحت سن خمس سنوات بنسبة 62% إذا نالت جميع الفتيات تعليمهنّ الثانوي.
  • سنة واحدة زيادة في التعليم ستُقلل معدل الوفاة بالالتهاب الرئوي بنسبة 16%.
  • معدل وفيات الأمهات سينخفض بنسبة 66% إذا أكملن جميعهن تعليمهن الأساسي.

من نافلة القول أن نذكر أنّ التعليم يُساعد في بناء مجتمعات سليمة صحيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ويُسهم في تقليل نسب الموت بسبب الجوع أو بسبب العديد من الأمراض كالإيدز والملاريا وغيرها، التعليم يُسهم في زيادة الناتج المحلي، ويرتفع كذلك بالأسر فوق خط الفقر، ويزيد من فرص تقدم خطط تنمية المجتمعات، كل هذا يجعل من التعليم ليس فقط حقًّا من حقوق الإنسان وهدفًا شخصيًا له، لكن الأهم من ذلك أنه يُصبح الاستثمار الأهم الذي يؤتي ثماره في كافة مجالات الحياة.

فتيات ونساء فلسطينيات يحاولن تعويض ما فاتهن من دورس بعدما تم منع المُعلمين من عبور حواجز التفتيش بين القرى المحيطة بمدينة نابلس.

لماذا الفتيات؟

في كتاب صادر عن مؤسسة بروكينجز وتحت عنوان «تعليم الفتيات، لماذا هو الاستثمار الأمثل في العالم؟» وُجدت العديد من الإجابات عن أسئلة تُحيط بقضية التعليم بشكل عام، وتعليم الفتيات بشكلٍ مُحدَّد. أما عن السؤال الأهم: لماذا الفتيات؟ فجزء منه يُخبرنا به لورانس سامرز «رئيس الاقتصاديين في البنك الدولي، 1992 »: «إن الاستثمار في تعليم الفتيات ربما يكون الاستثمار الأفضل، والوحيد المتاح الآن لدول العالم النامي». ويُخبرنا الكتاب بالبقية:

  • في دراسة أُجريت بـ164 دولة بين عامي 1950- 2010 أظهرت النتائج أن التعليم بشكل عام، وتعليم الفتيات بشكل خاص يُزيد من الناتج المحلي في هذه الدول بنسبة تتراوح بين 5 إلى 12%. بينما دراسة أخرى أجريت في 100 دولة تُثبت أن 1% زيادة في نسبة تعليم الفتيات حتى الثانوية تنمو بالاقتصاد بنسبة 3%. أما في آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فالتعليم القائم على التفرقة بين الجنسين يؤدي لتباطؤ النمو الاقتصادي بنسبة تتراوح بين 0.9 – 1.7%.
  • دراسة أخرى أجراها المعهد الدولي لأبحاث وسياسات الغذاء في 63 دولة بين عامي 1970- 1995 تشير نتائجها إلى أن زيادة نسبة النساء المتعلمات ترفع إنتاجية المزارع في هذه الدول بنسبة 43% وهي النسبة ذاتها التي تتراجع في عدد المصابين بسوء التغذية، تعليم النساء في كينيا يُحدث فارقًا في الإنتاج الزراعي بحيث تزيد عائدات المزارع بنسبة 22%، وفي 24 قرية إثيوبيَّة وُجد أن إنتاجية المزارع ترتفع بزيادة نسبة الفتيات المُتعلمات، بل إن المزارع التي تُشرف عليها نساء متعلمات هي الأكثر إنتاجية من بين جميع المزارع الأخرى.

لا يتوقَّف الأمر عند هذا الحد، فتعليم المرأة يزيد من نسبة حصولها على عملٍ أفضل وراتب أعلى، ويجعلها أكثر قدرة على الحفاظ على حياتها وحياة أطفالها، ويؤدي لفرص أكبر لاستقرار العائلات، ويزيد من فرص الاهتمام بصحة الأطفال وتعليمهم، ويقلل من نسبة المصابين بأمراض مثل نقص المناعة المكتسبة – الإيدز، والملاريا، ويُقلل من نسبة زواج الفتيات القاصرات، وأخيرًا – وليس آخرًا – فتعليم الفتيات يزيد من قوة ومكانة المرأة في المجتمع ويجعلها أكثر قدرة على الوصول للمناصب القيادية وكذلك يجعلها أقل عُرضة للتعرض للضرر عند حدوث صراعات محلية أو اندلاع الحروب أو حدوث كوارث طبيعية.

إذن، ما الذي يمنع الفتيات من تولي زمام العالم؟

الحقيقة أن «الاستثمار الأمثل للعالم»، والمتمثل في تعليم الفتيات، تواجهه عدة تحديات لا تقل قوة عن نتائجه، مِثل هذه المصاعب نجدها على سبيل المثال في:

  • تدني جودة التعليم في الدول النامية، حيث لا تنطبق معايير التعليم بها مع معايير التعليم المُتفق عليها عالميًا.
  • ارتفاع نسب العنف ضد المرأة وزيادة الحروب والصراعات.
  • عدم توافر فرص عمل تناسب الفتاة في مرحلة ما بعد التخرج.
  • التعليم المتاح حاليًا لا يُسهم في تمكين المرأة ولا يؤهلها للقيادة.

إذا أردت أن تُغيّر العالم، علّم فتاة *جوليا جيرارد، رئيسة وزراء أستراليا السابقة، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الشراكة العالمية من أجل التعليم.

أُنقذت حياة أكثر من مليوني طفل تحت سن الخامسة بين عامي 1990- 2009 بسبب ارتفاع مستوى تعليم المرأة في سنّ الإنجاب، وفي دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي تعزو فيها زيادة التحصيل العلمي – والتي شكّلت حوالي 50% من النمو الاقتصادي في ثلاثين دولة بين عامي 1960- 2008 والذي كان ضعف المقرر حدوثه – إلى زيادة التحصيل العلمي للإناث في هذه الدول، وحتى في الاقتصاديات الريفية – كينيا على سبيل المثال – فإن التعليم يجعل فارق الإنتاج الزراعي يُشكل 22% من الزيادة في الناتج المحلي.

التعليم يُغير الحياة بأكملها

فتاة من أوغندا وأختها تستعدان للذهاب إلى المدرسة رغم خطر تعرضهما للخطف من قِبل الجماعات المتمردة التي تستغل الأطفال جنسيًا أو تُجندهم للمحاربة في صفوفها.

ستَّة أهداف رئيسيَّة أطلقتها الأمم المتحدة وصولًا إلى «التعليم من أجل الجميع»، دراسات وتقارير دولية وموارد ضخمة تم تجنيدها من أجل هذه الغاية، وعلى الرغم من أن العالم لم يقترب بعد من ذلك الهدف الرئيس إلا أن التطورات التي رصدتها تقارير الأمم المتحدة على مدار 15 عامًا – التي استهلكتها الخطة – تجعل من الضروري التوقُّف لملاحظة التطور الملحوظ في نظرة العالم للتعليم بوجه عام، وتعليم الفتيات على وجه الخصوص. ويعرض تقرير الرصد الدولي لعام 2015 النتائج التي أُحرزت في مجال الاهتمام بالتعليم، فعلى سبيل المثال: قلَّت معدلات وفيات الأطفال بنسبة 50%، بينما زادت معدلات الأطفال الملتحقين بالتعليم الأساسي ثُلثي ما كانت عليه عام 1999 حيث قُدّرت نسبتها عام 2015 بـ93%.

رغم النتائج التي وصل إليها العالم في مجال التعليم عامة، وتعليم الفتيات خاصة فإن العديد من الأزمات لا تزال تنتظر في سبيل إيجاد حلول لها؛ تطوير التعليم، ملايين الفتيات لا يستطعن الحصول حتى على التعليم الأساسي، بل ويجاهدن من أجل حقّ الحياة. التمييز العِرقي والتمييز العنصري داخل فصول الدراسة والاعتداءات على الفتيات كذلك، تحققت العديد من الأهداف وبقي الكثير منها ينتظر خطة إنمائية جديدة تحاول تدارك عقبات سابقتها، وتلحق بالمستقبل.

تعليقات الفيسبوك