أحمد طلب

21

أحمد طلب

21

4,188

في مثل هذا التوقيت من العام الماضي كانت كل التوقعات تصب في مصلحة هيلاري كلينتون، بينما كان خبراء الاقتصاد يحذرون من عاصفة شديدة ستؤدي إلى انهيار الأسواق المالية حال فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية، ورغم أن ما حدث جاء بعكس كل التوقعات إلا أن الأسواق لم تنهر، بل إنها عاشت حتى الآن فترة لا بأس بها بعد فوز ترامب.

ورغم أن فترة الاستقرار لم تستمر كثيرًا إذ دخلت الأسواق المالية في حالة من التذبذب مؤخرًا، إلا أن صدمة ترامب لم يكن لها الأثر الكارثي الذي توقعه الكثيرون، ولكن على ما يبدو فإن الأسواق العالمية في انتظار بركان أكثر عنفًا.

إنها زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، التي قال عنها الكاتب فيليب كولينز إنها «أخطر من ترامب وتخطط لتغيير فرنسا بطرق يمكن أن تخيف حتى ترامب»، وهنا يجب أن نسأل كيف سيتعامل الاقتصاد العالمي مع هذا الخطر؟ وهل يمكن أن يستوعب العالم هذا البركان؟

في اليوم الذي أُعلن فيه رسميًا فوز دونالد ترامب برئاسة أمريكا غرد فلوريون فيليبو أقرب مستشاري مارين لوبان، على موقع التدوينات القصيرة تويتر قائلًا: «بدأ عالمهم بالانهيار، وجار بناء عالمنا»، هذه التغريدة المفعمة بالثقة، تعبّر بدرجة ما عن طبيعة خطاب لوبان.

فوز ترامب وثقة لوبان، دفعت الأسواق المالية إلى للرهان على فوز الأخيرة بالانتخابات الرئاسة الفرنسية، إلا وزير المالية الفرنسي ميشيل سابين الذي حذر من هذا الرهان بقوله: «أولئك الذين يراهنون على فوز لوبان سيخسرون الكثير من المال».

برنامج لوبان: سأفعل ما فعله ترامب

يتبنى برنامج لوبان الانتخابي أفكارًا اقتصادية داعية لانغلاق فرنسا على ذاتها، وهي نفس الحمائية الاقتصادية التي بدأ ترامب في تنفيذها، وكذلك يرتكز البرنامج على استهدف المهاجرين تحديدًا، وربما بحده أكثر من الرئيس الأمريكي، إذ تعهدت لوبان بفرض ضريبة جديدة على المقاولات التي تشغل المهاجرين.

البرنامج يتضمن أيضًا إنهاء التعليم المجاني الذي يستفيد منه أبناء الأجانب، وستطالب الآباء بالمساهمة المادية في تعليم أبنائهم، إذ باتت لوبان أكثر شجاعة بفوز ترامب واختيار البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي يعطي حزبها أملا في زخم شعبوي مشابه في فرنسا.

«سأفعل ما فعله ترامب»، هكذا قالت لوبان، إذ ترى أن ترامب نجح في الحصول على إعادة شركات أمريكية للعمل داخل الولايات المتحدة، عن طريق سياسة الضرائب الجديدة، وتقترح كذلك خروج فرنسا من حلف شمال الأطلسي، فيما تتعهد بإعادة العمل بعملة الفرنك الفرنسي، كعملة رسمية للبلاد.

وتعتمد لوبان في برنامجها كذلك على الهجوم على العولمة، إذ تراها تهدف إلى تركيع فرنسا، فيما كشفت وكالة بلومبرج أنها تستهدف استخدام البنك المركزي الفرنسي في إطلاق عملية إخراج فرنسا من عضوية منطقة اليورو، وذلك من خلال إلغاء استقلالية المصرف المركزي الفرنسي، واستخدامه في طباعة الأوراق النقدية لتمويل مصروفات الدعم الاجتماعي وتسديد أقساط الدين العام الفرنسي.

لماذا يتسارع النمو الاقتصادي رغم الصدمات؟

كارمن راينهارت أستاذ النظام المالي الدولي بجامعة هارفارد، ترى أن خطط التحفيز التي أقرها ترامب، مسايرة للاتجاهات الدورية لانتهاء دورة الانكماش في العالم، إذ عادت التوقعات بأن معدل التضخم في الولايات المتحدة يتجه نحو الارتفاع إلى الظهور، وفي حال صحت توقعات صندوق النقد الدولي فإن عام 2017، سيكون أول عام في 10 سنوات لا يشهد فيه أي اقتصاد متقدم الانكماش.

وبالنظر إلى أبرز المؤشرات العالمية نجد أن هناك آمالًا أكبر مما كانت عليه لفترة من الوقت، إذ إن البطالة في الولايات المتحدة تتقلص، وتتزايد الطلبات الجديدة وتشهد المخزونات انخفاضا، وهو ما يكشف أن الشركات ستضاعف الإنتاج في الأشهر القادمة لتلبية تلك الطلبات.

ونسبة الإنفاق بالتجزئة الصينية بالنسبة للإنتاج الصناعي سجلت تحسنًا ملحوظًا مؤخرًا، كما أن بيانات التجارة الكورية الجنوبية، فبعد تراجعها في السنوات الأخيرة، أظهرت علامات تعافي منذ شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو ما يدعم أن يكون التباطؤ في التجارة العالمية في السنوات الأخيرة ظاهرة مؤقتة.

قد يتساءل البعض عن السبب وراء تسارع النمو مع وجود صدمات مثل استفتاء بريكست في بريطانيا وانتخاب ترامب رئيسا لأمريكا، واقتراب لوبان من سدة الحكم في فرنسا، ولا يزال سبب حدوث هذا النمو غير واضح بحسب جيم أونيل، الرئيس السابق لبنك جولدمان ساكس لإدارة الأصول، إذ يرى أن الوقت فقط سيحدد الإجابة الصحيحة.

إلا أن أندريس فيلاسكو، الخبير الاقتصادي، كان له إجابة جديرة بالاهتمام، إذ يرى «أن التحفيز المالي الكبير للاقتصاد الراكد يُنتج عن ارتفاع في النمو»، وهذا التحفيز هو ما يقوم به ترامب في الآونة الأخيرة، وهو ما دفع الأسواق للتفاؤل، إذ من المرجح أن ينتج عن سياسات معدلات فائدة وتضخم أعلى مما تتوقعه الأسواق المالية.

ومن المتوقع أن ينهي ترامب 35 عامًا من عدم التضخم، وعلى النقيض فإن أوروبا واليابان ستبقى على سياستها النقدية كما هي، إذ ستستمر البنوك المركزية في التيسير الكمي مع الاعتماد على الفائدة السالبة، وهذا الاختلاف قد يعرض الأسواق المالية لصدمة لن تستطيع تحملها.

الشعبوية تقود المرحلة

«تجبر السياسات الشعبوية الناس على تحويل الإنفاق من مستقبل غير مؤكد إلى الحاضر، على وجه التحديد لأنها غير قابلة للاستدامة، وهذا يعزز الأثر التوسعي لتحفيز الاقتصاد»، هكذا وصف جييرمو كالفو الاقتصادي الأرجنتيني الشعبوية الاقتصادية التي بدأ العالم في الانخراط بها مؤخرًا.

ففي بريطانيا بعد أن قرر الناخبون مغادرة الاتحاد الأوروبي، توقع الكثيرون أن يكون الركود، نتيجة لا مفر منها، إلا أن ما حدث هو أن هبط الجنيه الاسترليني قليلا، ولم يحدث شيء آخر، وعاد الاقتصاد البريطاني للنمو مجددًا، عادت التوقعات أيضًا بأن تظل لندن عاصمة المال.

وعلى نفس النسق كانت كل التوقعات في أمريكا، تشير إلى كارثة اقتصادية فور نجاح ترامب إلا أن ذلك لم يحدث فأسواق المال سجلت ارتفاعات قياسية، كما انتعشت أسعار السلع الأساسية، فيما تستمر توقعات النمو الاقتصادي الأمريكي في الارتفاع.

أما فيما يخص فرنسا فقد تجمع بين سيناريو البريكست وانعزالية ترامب، لذلك ستكون لوبان أخطر على أسواق المال من غيرها، ولكن سيكون النهج الشعبوي مسيطرا، ويبقى السؤال: كم من الوقت تستطيع الشعبوية الاقتصادية أن تسيطر؟

«السياسات الشعبوية تفشل في النهاية، ليس لأن الاقتصاد المحافظ أفضل، ولكن دائمًا ما تكون هذه نتيجة السياسات غير مستدامة»، هكذا يقول غييرمو كالفو.

تفكك الاتحاد الأوروبي الخطر الأكبر

أناتول كالتسكي، رئيس معهد الفِكر الاقتصادي الجديد، قال إن «إمكانية خروج أحد الأعضاء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، يعني اختفاء الاتحاد الأوروبي بأكمله، فوز لوبان في يجعل تفكك أوروبا احتمالا واقعيًا، وهو ما سيزرع الذعر في الاقتصادات والأسواق المالية الأوروبية».

وعلى طريقة بريكست أطلقت لوبان، حملة تحت اسم «فريكست» وهو الأمر الذي يجعل الاتحاد الأوروبي ينتظر نتيجة الانتخابات الفرنسية في مايو (أيار) المقبل، بالكثير من الترقب، فبحسب تقرير لـ«سي إن بي سي» فإن فوز لوبان يلقي بظلال من الشك حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، إذ يقول رئيس الوزراء الإسباني، ماريانو راخوي، «فوز لوبان سيعني ببساطة تدمير أوروبا».

من جانبهم حدد محللو «سيتي بنك»، سيناريوهين اثنين حال فوز لوبان بشأن عضوية فرنسا في الاتحاد الأوروبي، الأول: مغادرة فرنسا للاتحاد الأوروبي على الطريقة النرويجية، والثاني: الانسحاب من اليورو والبقاء داخل الاتحاد.

مخاوف تنتظر الاقتصاد الفرنسي

يتوقع المحللون حدوث أزمة للاقتصاد الفرنسي الذي يعاني من ارتفاع الدين العام وارتفاع نسبة البطالة مع ضعف في النمو، كما أن هنالك مخاوف كبرى تعتري المستثمرين من فوز مارين لوبان.

مصرف «ميريل لينش ـ بانك أوف أميركا» الاستثماري أشار إلى أن المستثمرين بدأوا في خفض محافظهم في الاستثمارات الفرنسية، خاصة الاستثمار في سندات الخزانة الفرنسية وفي الأسهم، تحسبًا لما ستفرزه الانتخابات الرئاسية في فرنسا.

وترهب مخاوف التطرف أسواق المال، إذ ضربت جاذبية السندات السيادية التي يصدرها خامس أكبر اقتصاد في العالم، إذ يقدر حجم الناتج الإجمالي الفرنسي بحوالي 2.829 تريليون دولار في نهاية العام 2014، وهو ما يعادل نسبة 4.56% من إجمالي الناتج العالمي.

وتشير تقديرات منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي الصادرة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إلى إن الاقتصاد الفرنسي نما بحوالي 1% خلال 2016، ومن المقدر أن ينمو بمعدل 1.3% خلال العام المقبل و1.6% خلال العام 2017.

تعليقات الفيسبوك