8,382

فبعد أربع سنوات من ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 التي اندلعت في ميدان التحرير لتطيح بنظام سلطوي، خيل للبعض أنه سقط إلا أنه عاد من جديد. وليس ذلك فحسب، بل إن السواد الأعظم من شباب الحركات الثورية غيبته السجون بفعل سياسات القمع التي تنتهجها السلطات في الوقت الراهن.

وفي الوقت الذي قام فيه الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي بتدعيم أركان المؤسسة العسكرية، فإنه أقام أركان حكمه على أعمدة من القوة والقمع غير المسبوقين، بما في ذلك الاعتقالات الجماعية، وأحكام الإعدام، والقضاء على حريات كانت معهودة في ظل ديكتاتوريات سابقة. وإذا كان الرئيس الجديد قد حاز على شعبية كبيرة في ذات الوقت، فقد بات على الثوار في مصر أن يبحثوا عن طرق جديدة للتغيير.

شهدت التوقعات بشأن الحالة السياسية والاقتصادية في مصر نوعًا من الانحسار مع قدوم السيسي للسلطة في أعقاب الانقلاب العسكري في عام 2013. ولكن في حال استمرت المشاعر الناقمة للشباب الذي حول هيكل السلطة في مصر مع ثورة يناير رأسًا على عقب، فإن الدلائل التاريخية تشير إلى أن انتصارات المؤسسة العسكرية قد لا تدوم طويلا.

وإذا كان السيسي هو أصغر سنًا من حسني مبارك وأكثر قوة، إلا أنه يسير على ذات النهج الذي تبناه مبارك للتعاطي مع المشكلات والعقبات. فالقرارات الهامة في البلاد ما تزال رهنًا لمجموعة صغيرة من الرجال، بما في ذلك صياغة القوانين وإدارة الاقتصاد ومحاكمة السجناء السياسيين. حتى أن المساعدات الخارجية صارت الركيزة الأساسية لدعم الاقتصاد.

 غير أن الفارق بين الرجلين يبدو جليًا رغم تشابه السياسات. فبينما اعتمد مبارك على عصبة مدنية تنتمي إلى طبقة الرأسماليين، فإن السيسي وجد ضالته فقط في رفقائه العسكريين.

ما تزال المشاكل التي تواجهها الدولة المصرية كما هي بغض النظر عمن يجلس على كرسي الحكم في البلاد. بطالة مستوطنة، عجز في إمدادات الطاقة، وغياب لوسائل الإعلام الحرة وتقييد لعمل منظمات المجتمع المدني والأهلي في ظل قوانين تضع هذه المنظمات رهينة للرقابة الحكومية.

 أضف إلى ذلك غياب الأحزاب السياسية الفاعلة، واضطهاد الأحزاب المعارضة التي لا تدين بالولاء للسيسي. قمعٌ أفضى إلى غياب الرقابة من قبل تلك الأحزاب والمنظمات غير الحكومية على سياسات الحكومة، وانعدام المساءلة حتى وإن كانت شكلية، في مقابل الفساد وعدم الكفاءة والقرارات الحكومية السيئة.

على الجانب الآخر، عمد الحاكم الجديد للبلاد إلى اتخاذ عدة خطوات من شأنها تقليص الدعم، إضافة إلى مغازلة المسيحيين من خلال الزيارة التي قام بها للكاتدرائية في احتفالات أعياد الميلاد، وهي الزيارة الأولى من نوعها التي يقوم بها رئيس مصري منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وقد عزا البعض تلك الزيارة إلى رغبة السيسي في طمأنة المسيحيين بعد عقود من التهميش.

ولكن في حال عجز السيسي عن وضع حلول ناجعة للعقبات الاقتصادية التي خلفتها عقود من الحكم العسكري الاستبدادي امتدت لستين عامًا، فإن مصر سوف تنفجر من جديد عاجلا أم آجلا.

وفي هذا الإطار يقول أحمد إمام، المتحدث الرسمي باسم حزب مصر القوية أحد الأحزاب المعارضة في البلاد: “إن مشاعر الرضا التي انتابت الكثيرين في مصر منذ ستة أشهر إزاء أداء السيسي قد خفت قليلا، وأتوقع أن تتحول تلك المشاعر بعد ستة أشهر أخرى إلى مشاعر غضب عارمة”.

كانت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 ضد الحكم العسكري لمبارك، بمثابة الرفض الشعبي للحكومة آنذاك. فمنذ الانقلاب العسكري الذي أنهى النظام الملكي وجاء بناصر لتولي مقاليد السلطة في البلاد عام 1952، تمكن السلطويون الجدد في مصر من تحقيق بعض من النجاحات على صعيد الحياة الاجتماعية. غير أنه وبعد ثلاثة عقود من حكم مبارك الفاسد، عجّت البلاد باعتقالات تعسفية ومحاكمات جائرة على يد قوات الشرطة في وقت كان فيه الجيش بمنأىً عن المساءلة.

وحتى الآن، اتخذ السيسي عددًا من التدابير الصارمة لإحكام سيطرته على البلاد. وقد تنوعت تلك التدابير بين حظر للمظاهرات وسجن لعشرات الآلاف، فضلاً عن العودة الجديدة لسياسات الدولة الأمنية القديمة من قبيل تسريب المكالمات الهاتفية الخاصة لوسائل الإعلام، والأحكام القضائية المثيرة للجدل، والتي صدرت بحق المئات من أبناء جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من أعضاء الأحزاب المدنية.

وفي ذات السياق، لا تزال المنظمات الحقوقية تتابع بقلق بالغ انتهاكات الحكومة المصرية لحقوق الإنسان. بل إن البعض منها في الداخل المصري لا يتورع عن إدانة تلك الانتهاكات غير عابئين بعمليات الاعتقال المحتملة.

كما واصل عددٌ من الحركات السياسية والثورية نشاطاتها التنظيمية وإن كانت على نطاق ضيق لا يضاهي الاحتجاجات الواسعة بين عامي 2011 و2013. ومن بين تلك الحركات الاشتراكيون الثوريون وحركة 6 أبريل وحزب الدستور وحزب مصر القوية بقيادة عبد المنعم أبو الفتوح، المرشح الرئاسي السابق وعضو جماعة الإخوان السابق.

وكان أبو الفتوح قد حذر في إحدى حواراته مؤخرًا من مغبة عدم قيام النظام بالإصلاحات المطلوبة واستئناف المسار الديمقراطي، متوقعًا أن يفضي استمرار الأداء المحبط للنظام إلى انفجار الثورة في وجهه.

فالقنوات الإعلامية الخاصة والحكومية غدت اليوم مناطق محرمة للأصوات المعارضة. وتم منع بعض من المذيعين المستقلين من أمثال باسم يوسف ويسري فودة، وبات البعض الآخر ممن كانوا في تعداد الثوار كإبراهيم عيسى من دعاة النظام.

يأتي هذا في الوقت الذي يقبع فيه معظم القادة الذين أشعلوا ثورة يناير ما بين السجن والمنفى حاليًا، وإن قبل البعض الآخر الحكم العسكري القمعي باعتباره ضريبة للتخلص من جماعة الإخوان المسلمين التي يعتبرونها التهديد الأكبر.

إن المظالم الأساسية التي دفعت بالمصريين إلى ميدان التحرير ظلت حتى الآن كما هي دون معالجة. سياسات قمعية للشرطة دون محاسبة، ومحاكمات عبثية وظالمة، وجيش بات دولة داخل الدولة يعمل دون رقيب أو حسيب في ظل هيمنته على الاقتصاد المصري ومساحات شاسعة من الأراضي، ناهيك عن تزايد معدلات البطالة والفقر والأزمات المتلاحقة في قطاعات الإسكان والتعليم والرعاية الصحية، وتوقعات بالأسوأ من قبل الخبراء.

يقول خالد داوود، المتحدث باسم حزب الدستور: “نحن نريد المساءلة وليس المعجزات. إننا لا نطالب بحقوق للمثليين أو تشريع للماريجوانا، إنما نطالب فقط بوقف التعذيب في السجون”.

خلال الثلاث سنوات الماضية، نزل المصريون إلى الشوارع وتم الإطاحة بثلاثة من الرؤساء مبارك وطنطاوي ومرسي. وفي الوقت الذي ما تزال فيه موروثات الثورة محل نقاش، فإن الموروث الأهم الذي لا يقبل القسمة لدى الكثير من المصريين هو الحق في الحقوق السياسية وتداول السلطة. حق بات فكرة لا تموت وإن بدت الصورة باهتة بالنسبة للقوى الثورية وتطلعاتها لإقامة نظام يكون أكثر عدلا وإنصافًا.

وعلى النقيض من فترات حكم مبارك والسادات وناصر، والتي كان يغلفها سكون شعبي رغم الاعتقالات الجماعية وعمليات الإعدام وحظر الحياة السياسية، فإنه ومع محاولات النظام الحالي للعودة بالبلاد إلى ما كانت عليه من سكون، فإن الذكرى الرابعة لثورة يناير تأتي بالتزامن مع حراك أسبوعي لجماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى خطط منفصلة للنشطاء العلمانيين لمحاولة تقديم بدائل للسلطة الحالية.

وإذا كان ذلك لا يعني أن الثورة الجديدة باتت وشيكة، إلا أن مشاعر عدم الرضا الآخذة في التنامي والتحركات السياسية الجارية من قبل المعارضة تشي بأن الأمور لن تستغرق ثلاثين عامًا أخرى لنرى ثورة جديدة في مصر.

“إن من واجبنا أن نقوم بإعداد البديل. فالسيسي يكذب، وسوف يكون هناك رد فعل للمصريين، ولكن لا أحد يعرف متى سيكون”. هكذا قال محمد نبيل القيادي في حركة السادس من أبريل، والذي ما زال يتحدث علانية رغم حظر أنشطة الحركة.

تعليقات الفيسبوك