21,163

تصنف العديد من التقارير الاستخباراتية والإعلامية تونس والمغرب، كأكبر المصدرين للجهاديين نحو سوريا والعراق، حيث تستقطب داعش وجبهة النصرة أغلبية هؤلاء، مما يثير استغراب المراقبين، خصوصا وأن هذين البلدين بالتحديد يبدوان أكثر البلدان العربية انفتاحًا وتحررًا.

لماذا إذن تونس والمغرب متصدرتان لأعداد المتطرفين بالمناطق المشتعلة في العالم؟

1- تونس تنتخب العلمانيين وتصدر المقاتلين

تعتبر تونس الدولة الوحيدة من بين بلدان الربيع العربي، التي استطاعت أن تحدث تجربة ديمقراطية استثنائية في العالم العربي حتى الساعة، تجسدت في بناء علاقة توافقية بين المكونات المدنية من جهة والحركات الإسلامية من جهة أخرى، كما أنها أضحت اليوم من أبرز البلدان العلمانية العربية، بعد أن صوتت أغلبية الشعب التونسي لفائدة حزب نداء تونس ذي التوجه المدني العلماني بقيادة الرئيس الباجي السبسي، علاوة على أن تونس تحمل معها إرثا تقدميا منذ عهد بورقيبة، وفوق كل ذلك فالمرأة التونسية هي الأكثر حظا من شقيقاتها العربيات من حيث نيل حقوقها وتحررها من قيود المجتمع والقانون، حتى أصبحت تضاهي أوضاع نساء بعض البلدان الأوروبية.

لكن لم يمنع كل ذلك أن تكون تونس المصدر الأول المورد للجماعات الإسلامية المتطرفة، أبرزها داعش وجبهة النصرة، ما يجعل الكثير ينظر إليها بعيون الدهشة والغرابة، كبلد يبدو أكثر انفتاحا وحداثة من كثير من البلدان العربية.

تفيد العديد من التقارير البحثية والاستخباراتية بكون تونس تتصدر بلدان العالم في تصدير الجهاديين إلى بؤر العنف والصراع، منها تقرير معهد “كويليام” المختص في مكافحة الإرهاب والتطرف لسنة 2014، الذي عد تواجد ما بين 3000 و4000 جهادي تونسي في ليبيا والعراق وسوريا، ونفس النتيجة أكدتها دراسة أعدها “المعهد البريطاني للدفاع” بشأن عدد المقاتلين التونسيين في مناطق التوتر بالعالم، وكان المعتمد لدى وزير الداخلية المكلف بالملف الأمني، رضا صفر، في حوار خص به جريدة «التونسية» نشر في 29/1/2015 صرح أن 568 جهاديا تونسيا في سوريا من جملة 2800 جهادي عاد إلى تونس، في حين قتل 600 جهادي تونسي بمناطق الصراع.

هذه الأرقام تطرح العديد من التساؤلات الملحة، كيف لبلد لا يتجاوز تعداد سكانه 11 مليون نسمة ويحتضن مجتمعا مدنيا قويا ومنفتحا، أن يتفوق من حيث تصدير المتطرفين إلى بؤر التوتر، على بلدان عربية تفوقه عددا، وينتشر فيها الفكر السلفي الجهادي بقوة مثل السعودية ومصر؟!

يعزو العديد من المحللين هذا الأمر إلى عاملين اثنين، الأول يتعلق باستفحال الحركات السلفية بعد سقوط بن علي، والآخر يرتبط بالوضع الاقتصادي الذي تعيشه تونس حاليا.

عرفت تونس ترسيخ الفكر العلماني منذ مرحلة مبكرة، وقد تبنته السلطة المركزية، بداية مع عهد الحبيب بورقيبة، ثم بعدها مع حقبة زين العابدين بن علي قبل هروبه، في فترة حكم كليهما كانت الحركات السلفية مقموعة ومحظورة من قبل النظام الرسمي، وحين سقط بن علي خلال ثورة الياسمين سنة 2011، عادت الحركات الأصولية بقوة إلى الساحة ممثلة في حركة “أنصار الشريعة”، بعد إطلاق السجناء السياسيين، الذين كان أغلبهم من الإسلاميين والسلفيين، مستغلين مناخ الحرية والديمقراطية الذي تشكل عقب سقوط النظام البائد، حيث في ظله انتعش نشاط الحركة السلفية بتونس، فسيطرت على أكثر من ألفي مسجد حسب إحصاءات وزارة الداخلية التونسية، ونصب أنصارها خيامهم أمام المدارس والثانويات ينشرون دعواتهم السلفية عبر مكبرات الصوت، ومنعوا بعض الجمعيات المدنية من القيام بأنشطة فنية وثقافية، بالإضافة إلى أنهم كانوا يتبرعون بهبات خيرية في المناطق الفقيرة المهمشة مما أكسبهم قبولا واسعا في أوساطها.

ليس كل الحركات السلفية تتبنى العنف، غير أن الفكر السلفي الجهادي هو الأكثر ارتباطًا بأعمال التطرف، وهو الفكر الذي تتبناه حركة “أنصار الشريعة” التي أسسها أبو أياد التونسي، المقاتل السابق في أفغانستان، والمتهم بقضايا متعلقة بالإرهاب الدولي.

انتعاش نشاط الجماعات السلفية بتونس بفضل مناخ الحرية، وفي ظل تضعضع أجهزة الدولة نتيجة آثار المرحلة الانتقالية، أدى إلى اقتناع قطاع واسع من الشباب التونسي بالفكر السلفي، الذي يعادي في طبيعته “الديمقراطية الغربية”، ويدعو إلى “تطبيق الشريعة”، ناهيك عن عدائه شبه الفطري مع القوى العلمانية والشيعية.

لعب الوضع الاقتصادي المتردي أيضا دورًا أساسيا في دفع الكثير من الشباب التونسي نحو التطرف، فقد بلغت نسبة البطالة بعد احتجاجات 2011 ما يفوق %30 في المناطق الفقيرة، ما خلق كثيرا من الإحباط وخيبة الأمل في أوساط الشباب، كما أن الحكومات التونسية المتعاقبة بعد ذلك لم تستطع تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بما يكفي.

في ظل الوضع الاقتصادي المحبط وانتعاش الفكر السلفي داخل فئة اجتماعية مهمة، ظهر التطرف بقوة في تونس، سواء تجلى في أعمال العنف التي تشهدها البلاد أسبوعيا، أو هجرة عدد كبير من الشباب التونسي نحو الجماعات المتطرفة، خصوصا داعش وجبهة النصرة.

2- المغرب يحاصر «متطرفيه» ليدفعهم بعيدًا عنه

تثير وضعية المغرب أيضا دهشة المراقبين مع اختلاف الصورة مع تونس، ففي حين داخل المغرب لا تبدو هناك أي آثار للتطرف، حيث لم تسجل أي حادثة إرهابية بالمغرب منذ تفجير أركانة الذي قتل فيه عدد من السياح الأوروبيين، فإنه رغم ذلك يعد المورد الثاني بعد تونس للمقاتلين نحو الجماعات المتطرفة بسوريا والعراق، ما يطرح العديد من التساؤلات.

في شهر أغسطس من السنة الماضية، أعلنت وزارة الداخلية المغربية عن التحاق عدد كبير من المغاربة بالتنظيمات الجهادية في مناطق الصراع، يقدر عددهم حسب إحصاءاتها بـ1200 جهادي مغربي وما بين 1500 و2000 مغاربة يحملون جنسيات أوروبية، قد سافروا إلى سوريا والعراق، وبعكس تونس التي تكتوي بنار متطرفيها، سواء بدا ذلك في أعمال العنف والتخريب والاغتيالات السياسية، فإن المغرب لا يعاني أي تهديد من قبل المتطرفين، نظرا لحنكة الأجهزة الأمنية وطبيعة النظام السياسي بالمغرب.

يملك المغرب تجربة رائدة في مكافحة «التطرف»، تجعله محل إعجاب كبير لدى الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، حتى أن بعض هذه البلدان تشارك تجربته الأمنية لمكافحة الأعمال الإرهابية.

ينتهج المغرب في إستراتيجيته الأمنية ضد التطرف المقاربة الاستباقية، حيث يتمكن دائما بفضل أجهزة الاستعلامات الخبيرة وقدرات التجسس التي تملكها، من إجهاض كل المشاريع التخريبية المتعلقة بالتطرف، إذ ألقى القبض على مئات الإسلاميين المتشددين، ويعلن كل شهر تقريبا عن تفكيك عدد من “الخلايا الإرهابية” التي كانت تعتزم القيام بأعمال عنف واغتيال شخصيات سياسية وأمنية، وقد زج بـ 199 جهاديًا في السجن، من ضمنهم 182 شخصًا اعتقلوا خلال محاولتهم مغادرة البلاد إلى سوريا و17 شخصًا ألقي القبض عليهم عند عودتهم من الحرب.

كما أعلن المغرب حديثا عن ميلاد قطاع أمني خصيصا لمكافحة الإرهاب، في مستوى عال من التدريب، ومجهز بأحدث التقنيات الاستخبارية، علاوة على قدراته القتالية.

ويعتزم المغرب في المستقبل القريب استكمال خروج قانون جديد يجرم الإشادة بالجماعات المتطرفة أو التعاطف معها سواء بالإعجاب أو التعليق في مواقع التواصل الاجتماعي.

تلعب طبيعة النظام السياسي في المغرب دورا مهما كذلك في تقويض «الفكر المتطرف» داخل البلد، حيث يعتبر الملك أمير المؤمنين، وبالتالي فالدولة تحتكر السلطة الدينية المحلية بشكلٍ يقمع المناصرين للإسلام السياسي، مما يمنحها مصداقية روحية أكثر من العديد من الحكومات الإقليمية الأخرى، وحتى أكثر من دول الخليج العربي، بالإضافة إلى أن المغرب يحاول بناء نموذج من التدين خاص به يقوم على الإسلام المتسامح والمنفتح والمعتدل، وفي نفس الوقت المتقبل للممارسات الديمقراطية الحديثة، وهو ما يجعله محط احترام من قبل الدول المجاورة، حتى أصبح النموذج الإسلامي المغربي مطلوبا في البلدان الأفريقية والأوروبية التي تعاني موجات التطرف مثل فرنسا ومالي التي استقبلت دفعات من الفقهاء الذين تم تكوينهم على يد أئمة رسميين مغاربة.

ينتشر أيضا بالمغرب إسلام الأضرحة أو التدين الصوفي، وطبعا فإن الدولة ترعى هذا النوع من أنماط التدين لأنه لا يهدد النظام السياسي كالشأن لدى التدين السلفي.

أدت المقاربة الدينية والأمنية التي ينتهجها المغرب إلى محاصرة الفكر السلفي الجهادي داخليا، وبالتالي فإن أنصاره لا يجدون مكانا أفضل من سوريا والعراق لتطبيق مشروعهم المتطرف.

تعليقات الفيسبوك