ميرفت عوف

6

ميرفت عوف

6

قبل أيام قليلة ماضية، جال مراسل القناة الإسرائيلية الثانية، داخل أزقة مخيم بلاطة الواقع شرقي نابلس بالضفة الغربية، وأجرى مقابلات تلفزيونية مع مطلوبين للسلطة الفلسطينية ظهروا بوجوههم دون ارتداء أقنعة.

نقل المراسل بدقة تفاصيل الحي الذي كان ساحة الاقتتال بين هؤلاء المطلوبين، وعناصر من السلطة الفلسطينية قبل أيام، قائلًا: إن الاشتباكات جاءت على خلفية «وراثة الرئيس محمود عباس».

على ما يبدو، فإن إسرائيل تبدي اهتمامًا كبيرًا بمصير الرئاسة الفلسطينية فيما بعد «محمود عباس» البالغ من العمر 81 عامًا، ولم يُعيّن نائبًا له، ولا تبدو أن الأوضاع السياسية ستكون مُستقرة بعده، بما يسمح لإجراء انتخابات رئاسية.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه عباس بمواجهة تحديات حركة التحرير الفلسطيني (فتح)، وتدخلات دول عربية تسعى إلى عزله، تنشغل إسرائيل بالإعداد لمرحلة ما بعد محمود عباس، ويحكمها في ذلك توجسها الأمني.

التخوفات الإسرائيلية متعددة

تشكل مرحلة ما بعد عباس كابوس أمني لإسرائيل، فبالرغم من أن وجوده لم يفدها؛ «بسبب إفساده لمخططاته»، كما تقول، إلا أنها تنظر لغيابه كحالة خطر شديد، فهي تتوقع دوامة من الفوضى بين الأطراف الفلسطينية المتنازعة على خلافة عباس.

وتعتبر إسرائيل الضفة الغربية الآن في حالة انفجار داخلي بطيء، وتتوقع أن الانفجار الكبير سيكون مع انتهاء مرحلة عباس.

ويوضح المحلل السياسي الإسرائيلي «بن كاسبيت» أن أكثر ما يثير القلق في إسرائيل هو «أن يترشح القيادي «مروان البرغوثي» الذي يقضي حكمًا بالسجن مدى الحياة في سجون الاحتلال وأن يتم انتخابه»، مُضيفًا أن انتخاب البرغوثي سيشكل تحديًا هائلًا لإسرائيل؛ «لأن العالم سيتعامل معه كرئيس معتقل من قبل قوة احتلال، وهذا ما يمثل «تسونامي» سياسي ودبلوماسي كبير، وسيقلص من هامش المناورة أمام حكومة تل أبيب ويزيد من حرجها».

وإذا ما كانت النزاعات المتوقعة إسرائيليًا بين تيارات حركة فتح، فلا تستبعد إسرائيل خطرًا عليها من جهة «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس) في قطاع غزة، على اعتبار إمكانية إعلان حماس فصل غزة عن الضفة، وتعيين رئيس للقطاع.

كذلك، تأخذ إسرائيل في الحسبان التدخلات الإقليمية الكبيرة التي ستجرى لتوجيه السلطة نحو الأجندات العربية، فهذا يدفع إسرائيل لتحمل مسؤوليات قطاع غزة بعد تفكك السلطة الفلسطينية في الضفة، وانتشار المجموعات المسلحة، والتي ستصطدم لاحقًا مع الجيش الإسرائيلي.

أما فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، فمن المُرجحأن تتحمل إسرائيل كلفة مادية باهظة، نتيجة احتمالية تحملها مسؤولية تقديم الخدمات في مناطق نفوذ السلطة بعد غياب عباس، والانهيار المحتمل لمؤسسات السلطة؛ وذلك في محاولة منها لتدارك انفجار الأوضاع الأمنية في أرجاء الضفة.

وأشارت صحيفة «كالكيليست» الاقتصادية، إلى أن أوساط رسمية إسرائيلية تقدر أن «الاقتصاد الإسرائيلي سيتكبّد بعد عام على غياب عباس خسائر بقيمة 15 مليار شيكل (نحو 4 مليارات دولار)»، مُحذّرة من أن إسرائيل «تقترب بخطى ثابتة من هزة اقتصادية كبيرة على اعتبار أن ما تبقّى لعباس في الحكم مدة محدودة».

كيف تستعد إسرائيل لما بعد عباس

حملت الأخبارالإعلاميةالأخيرة، قرار يقضي بتشكيل فريق إسرائيلي يدرس مرحلة ما بعد عباس. مهمة هذه الفريق بالتحديد وضع الخطط والاستعدادات التي على إسرائيل أخذها في الاعتبار لمرحلة ما بعد عباس.

وفيما يخص وضع الضفة الغربية الآن، فيلزم إسرائيل بإيلائها اهتمامًا خاصًا، كما تقول المصادر الإسرائيلية؛ لأنها تدرك أن انهيار السلطة الفلسطينية حقيقة واقعة من قبل جميع الأطراف ذوي الصلة.

ويقول المحلل العسكري لصحيفة «هآرتس»، «عاموس هرئيل»، إنّ «إسرائيل لن تقوم بخطوات فعالة، ولن تتدخل في عملية انتقال السلطة، ولكن عليها أن تستعد لعدة سيناريوهات، بينها اندلاع مواجهات فلسطينية فلسطينية عنيفة، باعتبار أن العد التنازلي لولاية عباس في السلطة قد بدأ«.

وأضاف عاموس هارئيل «تفرض التطورات في الضفة الغربية على جهاز أمن الاحتلال الإسرائيلي توجيه انتباههم وتركيزه بشكل خاص نحو الضفة، هذه المرة يعمل جيش الاحتلال منذ شهور على الاستعداد لليوم الذي يتبع رحيل عباس من السلطة».

هذا وأكّدت صحيفة هآرتس الإسرائيلية على أنّ «المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، ستأخذ دورها في اليوم الذي يلي رحيل عباس»، مُوضّحة أنها«لن تعتمد على الأمن الفلسطيني وحده في مواجهة التطورات، خاصة الصراع العنيف فلسطينيًا على خلافة عباس والذي بات يعيش في الوقت الضائع وبدأ العد التنازلي نحو نهاية عهده».

ووضعت إسرائيل ما أسمته بـ«سيناريوهات اليوم الأول ما بعد مرحلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس». ويرى مراسل صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، «إليئور ليفي»، أنه في اليوم التالي لرحيل عباس، «قد يتم تشكيل مجلس عسكري يدير دفة الحكم لحين إجراء انتخابات عامة، ولكن لا أحد يعرف كيف ومتى وأين ستسير الأوضاع، وهل يمكن إجراء انتخابات في الضفة وحدها بدون حماس، أم أنها ستجري في القطاع أيضًا».

من جانبه، يصف الخبير في الشؤون الفلسطينية والإسلامية، «هيليل فريش»، محاولة صوغ سياسة إسرائيلية متسقة تجاه السلطة الفلسطينية في عهد ما بعد عباس، بأنه «أشبه بمحاولة بناء منزل على رمال متحركة».

ويعتقد فريش أن «الوضع مضطرب باستمرار بفعل التيارات والهزات غير المعلنة، يشمل ذلك موجة العنف الإرهابي ضد الإسرائيليين، بالرغم من تراجع مستوياتها، الخلاف المتزايد داخل فتح بين عباس ومنتقديه والمرتبط بشدة بالمعركة على خلافته، واحتمالية أن العلاقة بين هذين التطورين قد تتحول إلى حرب أهلية».

على ذلك، يقترح فريش على صناع القرار الإسرائيليين في حالة مغادرة عباس الساحة السياسة، خمسة خيارات مختلفة، أبرزها مشاركة إسرائيل في حل للنزاع بشكل يبقي على احتمالية إنشاء دولة فلسطينية، وتعزيز إسرائيل الاحتكاكات مع الفلسطينيين عبر اغتنام الفرص لمباشرة التوسع الاستيطاني والصور الأخرى من بناء الدولة الإسرائيلية.

دول عربية تشارك إسرائيل في إزاحة عباس

يبدو من تحركات عباس، أنه يعمل بشكل جاد لمواجهة معركة إزاحته، ويتضح ذلك من فصله قيادات داخل حركة فتح، على علاقة بخصمه «محمد دحلان»، في مقابل تقريب دماءٍ جديدة، قد تكون أكثر وفاءً له.

هذا، وبرز بشكل ما، تقارب دول عربية، مع التوجه الإسرائيلي، في طي صفحة محمود عباس السياسية، فإذا ما بدأنا بالاستعدادات المصرية، فقد جاءت مبادرة الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» لرعاية مصالحة داخلية بين تياري «دحلان» و«عباس» وسيلة لفرض محمد دحلان خلفًا لمحمود عباس، وهو ما أدركه عباس فرفض بشدة المبادرة المصرية خوفًا على وضعه، وأبدى غضبه من استضافة مصر مؤخرًا لقيادات من فتح، قيل إنها جاءت لوضع رؤية للوضع ما بعد عباس، ولا تخفي مصر دعمها لدحلان ولا تتواني عن تسويقه كأنه القيادي الأوحد في حركة فتح، تم ذلك عبر وسائل الإعلام المصرية وعبر التحركات التي قدمت لدحلان كقيادي يحل أزمات قطاع غزة وأبرزها أزمة معبر رفح الذي فتح مؤخرًا بإيعاز من دحلان.

وقد تحدّثت القناة الثانية الإسرائيلية عن إجماع مصري أردني خليجي على قيادي في حركة فتح، لخلافة محمود عباس في رئاسة السلطة الفلسطينية، يقول المحلل الإسرائيلي «جاكي خوجي» إن «مستقبل قيادة السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس ما زال غامضًا، فيما تظهر في الأفق تحركات مصرية بقيادة السيسي للعب دور أكبر في الملف الفلسطيني، بعد رحيل محمود عباس بشكل مفاجئ أو بترتيب طبيعي».

وأضاف خوجي في مقالته بصحيفة معاريف إن «الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، يريد استعادة مكانة الوسيط في عملية التسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فالمتابعون للعلاقات الإسرائيلية المصرية يلاحظون أن هناك رياحًا جديدة تهب من القاهرة تحمل خططًا جديدة فيما يتعلق بالملف الفلسطيني».

من جانبه، يشير المستشرق الإسرائيلي رؤوبين باركوفي، إلى أن «مصر والسعودية والأردن تقود جهودًا حثيثة لإبرام مصالحة داخل حركة فتح بين محمد دحلان ومحمود عباس، وفي حالة توفر زعيم ذي شخصية كاريزمية بديلًا عن عباس، فإن ذلك كفيل بإيجاد حل للقضية الفلسطينية».

أما الأردن التي لم يستقبل ملكها محمود عباس منذ فترة طويلة، بالرغم من عبور الأخير المستمر لتحرك عبر الأردن فهي تتعامل مع عباس على أنه انتهي سياسيًا، وبالرغم من تخوف الأردن من دحلان، إلا أنها ترى منافع عملية للعمل معه، وكما جاء في تقرير «ميدل إيست آي» فإن أية «مصالحة داخل فتح قد تساعد الأردن ـ مثلًا ـ على  ممارسة التأثير في الضفة الغربية»، مُستدركًا أنّ الأردن يرى أن هناك عددًا من المصائد، منها التأثير على استمرار «الملك عبدالله الثاني»، بالابتعاد عن الخلافات الداخلية الفلسطينية، والخوف من أن يصبح الأردن جزءًا من الخلافات الداخلية داخل فتح.

من جانبها، تعمل الإمارات كل ما بوسعها لرفع أسهم دحلان في الساحة الفلسطينية والعربية والدولية، فهي واحدة من أبرز الدول التي تعمل على إقصاء محمود عباس ليخلفه محمد دحلان، وقد كشف موقع ميدل إيست آي، أن الإمارات تعمل مع مصر والأردن لمرحلة «ما بعد محمود عباس»، من خلال الإعداد لإحلال «دحلان» في رئاسة السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ونقل الموقع عن مصدر خاص قوله: «يعتقد دحلان أن المناصب المهمة يمكن أن تقسم إلى ثلاثة: قيادة فتح، رئاسة السلطة الوطنية، ورئاسة منظمة التحرير الفلسطينية. ولا يعارض قيام الأردن بترشيح من تراه مناسبًا لهذه المناصب، بعد تقديم خياراته ومن يفضل، يقول دحلان إن الموضوع هو عرضة للحوار والنقاش بين الأردنيين والإماراتيين، ويمكن التعامل مع الأسماء التي سيقترحها الأردنيون».

تعليقات الفيسبوك