يشهد لبنان أزمة سياسية كبيرة منذ قرابة عامين، وتحديدا منذ شهر مايو/أيار من العام 2014 مع انتهاء فترة ولاية الرئيس «ميشيل سليمان». تم تأجيل الانتخابات الرئاسية 34 مرة نظرا لفشل البرلمان في الوصول إلى النصاب القانوني (الثلثين)؛ بسبب تعمد القوى السياسية تعطيل الانتخابات إثر غياب للتوافق حول شخصية الرئيس القادم للبنان بين التكتلين الرئيسين الأكبر في البلاد، وهو تكتل 14 أذار، وأبرز رموزه زعيم تيار المستقبل «سعد الحريري» المقرب من المملكة العربية السعودية، وقوى 8 أذار التي تحوي بين صفوها حزب الله وهو التكتل الأكثر قربا من إيران.

(1) معضلة النظام السياسي اللبناني

181923870

يعرف النظام السياسي في لبنان على أنه نظام جمهوري ديموقراطي طائفي (1). ووفقا للدستور فإن منصب الرئيس من نصيب الطائفة المسيحية المارونية. بينما رئيس مجلس النواب من نصيب المسلمين الشيعة، ورئيس الوزراء من نصيب المسلمين السنة. وينتخب الرئيس من قبل البرلمان لمدة 6 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. ويشترط لتأمين منصب الرئيس حصول المرشح على عدد 50 في المائة زائد واحد من إجمالي عدد النواب الحاضرين لجلسة التصويت على أن تستكمل الجلسة نصابها القانوني المتمثل في ثلثي عدد الأعضاء على الأقل.

سوى هذا التوازن الطافي الهش، فإن لبنان منقسمة انقساما سياسيا بائنا منذ عام 2005 إثر اغتيال رئيس الوزراء الأسبق «رفيق الحريري» وبداية نهاية الوصاية السورية على لبنان بعد ما يعرف بثورة الأرز. ويتوزع المسيحيون الموارنة بين التيارين. ففي حين يدفع التيار الوطني الحر وتيار المردة تجاه قوى 8 أذار الموالية لإيران بمشاركة حزب الله وحركة أمل، فإن حزب القوات اللبنانية يقف في صف قوى 14 أذار التي تتلقى دعما سعوديا.

في أعقاب نهاية ولاية «ميشيل سليمان». أعلن كلا من الفريقين مرشحه لمقعد الرئاسة. حيث تمت تسمية رئيس حزب القوات اللبنانية «سمير جعجع» من قبل قوى 14 أذار. في حين التفت قوى 8 أذار حول «ميشيل عون» القيادي في التيار الوطني الحر وزعيم كتلة التغيير والإصلاح. وعلى مدار الأشهر الماضية، فشل كلا الفريقين في تمرير مرشحه إلى قصر بعبدا بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني خلال 24 جلسة متتالية.

(2) رئيس باختيار خارجي

منذ استقلال لبنان في عام 1943، كانت التوازنات الخارجية هي التي تتحكم في اختيار رئيس لبنان نظرا للبيئة الطائفية الهشة في البلاد. غالبا ما ترتبط القوى السياسية والطوائف اللبنانية بقوى خارجية تتحكم في خيارتها (2). وقد شهدت لبنان انتخاب 12 رئيسا سابقا للجمهورية غاليا ما كانت تستند إلى التوافق بين ثنائيات إقليمية أو تخضع للسيطرة السورية التي هيمنت على لبنان قرابة 3 عقود. تم انتخاب «بشارة الخوري» بتوافق بريطاني فرنسي، في حين تم انتخاب «كميل شمعون» بعد تدخل بريطاني سوري. وتدخلت مصر والولايات المتحدة في انتخاب «فؤاد شهاب» إثر تراجع النفوذ البريطاني في المنطقة في أعقاب حلف بغداد، حيث قدم المارينز إلى شواطيء بيروت وقامت الولايات المتحدة بإرسال مبعوث خاص هو «روبرت مورفي» للإشراف على الانتخابات.

وقد تدخل الاتحاد السوفيتي في عملية انتخاب «سليمان فرنجية». بينما هيمنت سوريا على انتخاب إلياس سركيس بعد تدخل الجيش السوري بذريعة وقف القتال بين المنظمات الفلسطينية والميليشيات المسيحية (3). وبعد تدخل إسرائيل في لبنان عام 1982 وتدخلها المباشر في مسار الانتخابات فقد نجحت في إيصال رئيس حزب القوات اللبنانية بشير الجميل إلى الرئاسة قبل أن يتم اغتياله (بدعم سوري ربما) ليتم اختيار أمين الجميل (شقيقه الموالي لسوريا) رئيسا لتدخل البلاد في أعقاب ذلك في أتون الحرب الأهلية.

وكان التوافق الأمريكي السعودي والرضا السوري حاسما في اختيار «رينيه معوض» للرئاسة بعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف. قبل أن يتم اغتيال «معوض» سريعا (اتهمت سوريا بالتورط في الأمر أيضا) . ثم هيمنت سوريا على عملية اختيار «إلياس الهراوي»، لفترتين ثم «إيميل لحود»، وقد تم تمديد رئاسة كل منهما لمدة 3 سنوات إضافية.

تراجع النفوذ السوري في لبنان بشكل واضح في أعقاب اغتيال «رفيق الحريري» رئيس الوزراء اللبناني في عام 2005. فشلت سوريا وخصومها في التوصل إلى انتخاب رئيس جديد لتنتقل لبنان إلى فلك توازن إقليمي جديد. تمت دعوة الفرقاء اللبنانيين إلى الدوحة وتم لأول مرة التوافق على انتخاب رئيس من خارج البرلمان بالكامل وهو «ميشيل سليمان».

(3) صفقة سليمان فرنجية

 

في نهاية أكتوبر/تشرين الأول من عام 2015 ظهرت تقارير مثيرة للدهشة حول طرح اسم «سليمان فرنجيه» لرئاسيات لبنان. الأكثر إثارة للدهشة كان ارتباط طرح «فرنجية» باسم زعيم تيار المستقبل «سعد الحريري». رغم أن «فرنجية» زعيم تيار المردة، وحفيد الرئيس اللبناني الراحل «سليمان فرنجية»، من المحسوبين على تيار 8 أذار، وهو صديق شخصي مقرب من الرئيس السوري «بشار الأسد» (4).

تعود علاقات «فرنجية» بالنظام السوري إلى طفولته. حينما كان جده الرئيس الراحل «سليمان فرنجية» يصحبه إلى سوريا وقد نشأته بينه وبين «باسل الأسد»، الشقيق الأكبر للرئيس السوري الحالي بشار الأسد، والذي توفى في حادث عام 1994، علاقة وثيقة. ازداد نفوذ «فرنجية» خلال حقبة السيطرة السورية على لبنان وتولى حقائب وزارية في أكثر من مناسبة. وقد كان وزير للداخلية إبان الانسحاب السوري من لبنان خلال عام 2005.

ووفقا للمصادر الصحفية، فإن اتفاقا ضمنيا جرى بين «فرنجية» و«سعد الحريري» يقضي أن يتم تسمية  فرنجية للرئاسة كمرشح توافقي للرئاسة بين الفصيلين السياسيين على أن تتم تسمية «سعد الحريري» رئيسا للوزراء فيما بعد. تلقت السعودية هذا الاقتراح بشيء من الإيجابية بينما التزم كل من حزب الله وطهران الصمت بشكل كبير وبدا أن الأزمة السياسية في لبنان قد بدت أقرب ما يكون إلى الحل. مع مخاوف كامنة حول موقف الثنائي «جعجع»/«عون» حال تم التوصل لهذا الاتفاق.

 

جاء التصعيد السعودي الإيراني الأخير لينسف ربما محاولات التقارب في لبنان. يعد «فرنجية» أقرب إلى «الأسد» منه إلى طهران. وهو مرشح أقل تفضيلا لطهران من «ميشيل عون» الأكثر قربا منها رغم انتماء الفريقين إلى ذات المعسكر. كان صمت حزب الله، ولا يزال، محيرا بشكل كبير. وبدا أن الحزب لم يكن راغبا في خسارة «ميشيل عون» الذي يتمتع بنفوذ سياسي أكبر وشعبية أكبر في الوسط المسيحي. كما يبدو أن الحزب لم يحسم موقفه بعد تجاه ما يقال عن اتفاق «فرنجية – الحريري» على تعيين الأخير رئيسا للوزراء، بعد أن قام الحزب بإسقاط حكومة «الحريري» في عام 2010. وقد قام «محمد رعد»، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله، مؤخرا، بشن هجوم عنيف على «سعد الحريري» من دون أن يسميه، قائلا: «أولئك الذين يعانون من الإفلاس في منفاهم يجب ألا يجدوا لأنفسهم مكانا للعودة إلى بنان من أجل سرقة البلاد مرة أخرى».

وبينما تتفكك فرص التقارب الضئيلة في لبنان، يأتي «سمير جعجع» ليقلب الطاولة على الجميع. مرشح تحالف 14 أذار الأسبق أعلن دعمه لخصمه الأسبق «ميشيل عون» في مواجهة خيار «فرنجية». اتهم «جعجع»، «سعد الحريري»، بتفكيك تحالف 14 أذار، مؤكدا أنه إذا كان الرئيس سوف ينتمي لا محالة إلى تحالف 8 أذار فإنه يفضل «عون» على «فرنجية». (هناك خلافات كبيرة بين جعجع وفرنجية تعود لمواقف كل منهما إبان الحرب الأهلية).

بين «جعجع» و«عون» عداء طويل أيضا، وقد استمر لأكثر من 27 عاما، منذ خاض الطرفان حرب الإلغاء عام 1989، والتي انتهت باتفاق الطائف. وبعدها فر «عون» إلى فرنسا في حين دخل «جعجع» إلى السجن. ولكن يبدو أن عداء «جعجع» لـ«عون» أقل كثيرا من عدائه لـ«فرنجية» وهو ربما ما لم يحسبه «الحريري». حيث يرى «جعجع» أن وصول «عون» مع حزب الله أهون من وصول «فرنجية» إلى مقعد الرئاسة حيث يراه مجرد مندوب سوري في لبنان.

تبدو الأطراف الإقليمية (السعودية وإيران) أكثر انشغالا في الوقت الراهن بمعركتهما الخطابية المباشرة في الوقت الذي فرض فيه إعلان «جعجع» الأخير ثنائية جديدة لرئاسيات لبنان هي ثنائية «عون/فرنجية». لكن هذه المرة تبدو قوى 14 أذار منقسمة على نفسها بين «الحريري» الداعم لـ«فرنجية» وبين «جعجع» الذي أعلن دعمه لـ«عون». وتبدو خيارات السعودية محدودة أيضا بعد دعمت ضمنيا مناورة «فرنجية». في الوقت الذي تبدو خلاله إيران في موقف أفضل حيث أنها تختار ربما بين حليف وصديق. حتى إن فرصها في تمرير الحليف قد صارت أفضل في أعقاب التفتت الذي أصاب الكتلة المقابلة.

(4) سيطرة إيرانية أم مزيد من الفراغ؟

 

وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية (5)، فقد مهدت التطورات الأخيرة طريق «عون» إلى قصر بعبدا في أعقاب الدعم الذي حظى به من بعض خصومه. وهي خطوة من شأنها أن توطد من النفوذ الإيراني في لبنان. ويبقى أمام «عون» أن يحسم التأييد المسيحي لصالحه (وهو أمر لا يبدو صعبا في مواجهة فرنجية صاحب النفوذ الأقل مسيحيا)، بعد ضمانه لتأييد الكتل الشيعية في ظل كونه المرشح المفضل لدى كل من حزب الله وطهران. ويبقى أمامه الحصول على تأييد الطوائف الأصغر، سوى السنة، من أجل المرور إلى قصر بعبدا. في الوقت الذي يبدو أن السعودية وحلفاءها سوف تكون أمام مهمة معقدة، ليس فقط في إعاقة وصول «عون» للرئاسة، ولكن في الحفاظ على تماسك تيار 14 أذار الذي يتفكك الآن بالفعل.

وقد أشارت مصادر صحفية إلى أن صمت حزب الله حول ترشيح «فرنجية» في وقت سابق  كان ينبع من إحساس الحزب أنه لا حاجة للعجلة في مسألة انتخاب الرئيس. وأنه سوف يكون قادرا على تمرير رؤيته في نهاية المطاف.

في الوقت الذي تميل فيه الكفة في لبنان نحو طهران بشكل كبير فإن رجلين بعينهما سوف يلعبان دورا متزايدا في تحديد اتجاه الكفة في لبنان. هذان الرجلان على وجه التحديد هما الزعيم الشيعي «نبيه بري»، رئيس البرلمان، الذي لا يرتبط بعلاقات جيدة مع «عون»، بالإضافة إلى زعيم التيار الدرزي النائب «وليد جنبلاط». وفي الوقت الذي لا تزال فيه لبنان تتأرجح كعادتها بين الاحتمالات، فإن المؤكد، بصرف النظر عن هوية الرئيس القادم، فإن بنية التحالفات القائمة في البلاد منذ أكثر من 10 أعوام على وشك أن تشهد تغييرات جوهرية.

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!