2,324

وكأنّه النسخة السمراء من فيلم «Boyhood» الذي تتبع فيه المخرج ريتشارد لينكلاتر، حياةَ صبي على مدى 12 عامًا قضاها في تصوير حياة الفتى ميسون (إيلار كولتران) ليخرج لنا ما وُصف بـ«التحفة السينمائية» الحائز على جائزة الأوسكار لعام 2014، والذي رصد التحولات النفسية والسلوكية التي يتعرض لها هذا الطفل خلال نموه من مرحلة الطفولة وحتى أصبح شابًا يافعًا.

فيلم «Moonlight» يرصد أيضًا التحولات العنيفة التي يمر بها طفل أمريكي من أصل أفريقي يعيش ظروفًا بالغة القسوة، ويسلط الضوء على ثلاث مراحل من حياته بدت وكأنها ثلاثة أطوار: طور الطفولة، وطور المراهقة، وطور الرجولة.

الفيلم الذي رُشح مؤخرًا لثمانية جوائز أوسكار دفعة واحدة، هو الفيلم الروائي الثاني للمخرج باري جينكينز، والمعروف أكثر بأعماله في مجال الأفلام القصيرة.

وتدور أحداث الفيلم وسط أحياء السود الفقيرة في مدينة ميامي الساحلية غرب الولايات المتحدة، التي تشكل تناقضًا مع باقي أحياء المدينة الثرية المعروفة برواج سياحة الشواطئ فيها، ورواج صناعة العقارات الفاخرة، حيث يخرج من أحد تلك الأحياء طفل صغير في العاشرة من عمره يرمز إليه الفيلم باسم «الصغير – Little».

الطفل الذي يبدو منعزلًا ومكتئبًا وبعيدًا عن تفاصيل الحياة، يعيش مع أمه مدمنة المخدرات والتي تُسيء معاملته، والتي تمضي أيامها في إرضاء نهمها للمخدرات مع أصدقاء لا يتوقفون عن الحضور للمنزل ليلًا ليشاركونها التعاطي. لا نجدها تضع أمام الصبي أي طعام ولا تهتم بدراسته أو ما يشغله، في المقابل تصرخ في وجهه من وقت لآخر، ومن حين لآخر تأخذها الشفقة تجاهه فتضمه إلى صدرها، لتعود إلى سابق عهدها في اليوم التالي. وتؤدي دورها الممثلة نايومي هاريس التي رُشحت بهذا الدور لجاهزة أوسكار أفضل ممثل مساعد.

المرحلة الأولى: الخوف من الآخر

يتعرض الصبي «الصغير» لمضايقات وتحرش لا ينتهي من أصدقائه في المدرسة، ويصمونه بلفظ مشين يكررونه على مسامعه من حين رآخر ليثيرون غيظه عامدين للتجريح في رجولته الصغيرة، وفي أحد الأيام التي يختبأ فيها من مطاردتهم يلاحظه تاجر مخدرات شاب من أصل أفريقي أيضًا، يحن قلبه على الصغير فيصطحبه معه إلى منزله حيث صديقته، ليطعمان سويًا الصغير ويتضيفانه في منزلهما لليوم التالي.

الرجل جوان وصديقته تيريزا يُؤدي دورهما الممثل ماهيرشالا علي والممثلة جانيل مونيه، اللذان سبق وأن جمعهما قبل أشهر قليلة فيلم «Hidden Figures» الذي يحكي قصة ثلاث سيدات من أصل أفريقي يعملن في وكالة ناسا ويساهمن في إطلاق أول مركبة فضاء أمريكية مأهولة للفضاء في مطلع الستينيات.

تتطور علاقة جوان بالصغير، رغم معارضة والدته التي لا تبدو في وعيها أغلب الوقت بسبب المخدرات. يقضي الصغير وقتًا أطول مع جوان الذي يعلمه السباحة ويصطحبه للغداء في مطعمه المفضل. يسأله الصغير عن اللفظ الجارح الذي يصفه به الأولاد في المدرسة، ينظر إليه كل من جوان وتيريزا بشفقة ويخبرانه أن ذلك اللفظ يستخدمه الآخرون لجرح مشاعره، وأن كل ما يتعلق بالرجولة عليه أن يستكشفه بنفسه وهو يمضي قدمًا في حياته.

تدور كاميرا المخرج باري جينكينز في المشاهد بشكل دائري لا يتوقف، حلقات مستمرة توازي المشاعر التي تبدأ من الطفل وتمر بالرجل ثم تعود للطفل مرة أخرى، تنتقل إلى والدته يرد عليها الرجل ويرجع الصدى مرة أخرى ليتسقر في نفس الطفل، صيرورة المشاعر والأفكار التي تؤثر من شخص لآخر، تحمل جزءًا من روح إنسان لتستقر في روح إنسان آخر وهكذا.

المرحلة الثانية: الغضب في الداخل

يبدأ الفصل الثاني من الفيلم المقسم لثلاثة أجزاء متساوية في المدة الزمنية، تحت اسم «شيرون»، وهو الاسم الحقيقي للبطل الطفل الصغير الذي يبدو في هذا القسم في مرحلة مراهقته، يدرس في المرحلة الثانوية، حيث يبدو أكثر استقلاليةً وأكثر ثقةً بالنفس، لكن الحزن والاكتئاب لا يبدو وكأنهما يفارقانه أبدًا، تستمر علاقته القوية بجوان وتيريزا، وتستمر أيضًا علاقته السيئة بوالدته، التي يسيطر عليه المخدر أكثر وأكثر لدرجة أنها تهاجمه وتضربه من أجل أن يعطيها المال، تهاجم أيضًا منزل جوان في غيابه هو وصديقته وتطلب من ابنها أن يدلها على مكان أموالهما، وهو الأمر الذي يرفضه بشدة.

يستمر تعرض شيرون للضرب والإهانة من جانب زملائه في المدرسة، ولا يزالون يصمونه بالصفة التي تنال من رجولته. يتعرف على شاب يدعى كيفين في نفس سنه، يتعاطف معه ويقترب منه في علاقة مرتبكة وعبثية تغوص داخل هذين الشابين في هذه السن وفي تلك الظروف، حيث يعتمل داخل أرواحهما فوران لا يهدأ من عدم اليقين وعدم الاستقرار، فوران من أسئلة تدور عن الهوية والهدف والمغزى، فوران يمس كل شيء بداية من الدين والعرق ومرورًا بالرغبة والجنس، وليس انتهاءً بالقدرة على التعبير عن الذات والرغبة في تحقيق الذات.

ورغم العلاقة اللصيقة التي جمعته بكيفين، إلا أن عصابة من الشباب السود في المدرسة تجبر الأخير على ضرب شيرون بقسوة، بعدها بيوم واحد فقط يدخل «شيرون» المدرسة كالإعصار، يقتحم الفصل المدرسي ويقوم بتهشيم كرسي ضخم على رأس زعيم العصابة الذي أعطى الأمر بضربه.

المرحلة الثالثة: البحث عن الذات

كان ذلك الموقف إيذانًا بانتقال شيرون للطور الثالث في حياته، مرحلة «أسود – Black»، وهو الاسم الذي أطلقه المخرج على شخصية شيرون بعد أن ينهي دراسته ويصبح رجلًا بالغًا، يتحول من تلميذ مسكين بالغ النحافة وزائغ النظرات، إلى شاب قوى البنية مفتول العضلات يتحرك بثقة، يرتدي ثيابًا أنيقة ويضع إكسسوارات ثمينة، وطقم أسنان ذهبيًّا (فوق أسنانه الأصلية الناصعة)، وسلاسل وخواتم ذهبية وحلقًا ماسيًّا في أذنه.

أصبح الآن «Black» يقود سيارة خاصة به ويقطن في شقة خاصة به ويعمل بالضبط في نفس المهنة التي كان يعمل بها أول شخص أعطاه جرعة من احتواء، أصبح يعمل في تجارة المخدرات متجولًا بسيارته في الشوارع يُوزّع المخدرات على جيرته من ذوي الأصول الأفريقية الفقراء.يظل الحي الأسود الفقير على حاله وسط باقي ميامي باذخة الثراء، مليء فقط بالسود، وتبدو حدائق المنازل فيه كغابات سافانا موحشة، يعج بتجار المخدرات الصغار، وتجار الأسلحة النارية الصغيرة، ولن تجد فيه أثرًا لشرطي واحد.

يستطيع إدخال والدته مركزًا لعلاج الإدمان وإعادة التأهيل، ويبدأ في محاولة تأهيل نفسه من أجل مسامحتها، ومن أجل أن يستطيع أن يحبها مرة أخرى. كانت روحه في حاجة لعلاج حقيقي.

يأتيه اتصال ذات ليلة من صديقه كيفين الذي لم تقع عليه عيناه ولم يسمع صوته منذ ذلك الوقت البعيد في المدرسة الثانوية، يعلم أن صديقه يعمل طاهيًا في مدينة قريبة في إحدى المطاعم، فيقرر زيارته يومًا ما. ورغم الثقة التي بدت على «Black» إلا أنه كان قليل الكلام في عينيه وعلى ملامحه لا تزال مسحة الحزن ولا يزال يستيقظ في منتصف الليل على كوابيس مرعبة، وكذلك لا تزال لديه أسئلة حول هويته الجنسية.

يجلس في المطعم مع صديقه الذي يسعد للغاية برؤيته، يجلس شبه صامت بينما الصديق يُدير أغلب الحديث. كان «Black» يبدو وكأنه يفتقد للأب دومًا، يبحث عن ملامحه في عطف جوان وإحساسه بالمسؤولية ناحيته أو في قرب كيفين وإحساسه بالحب أيضا ناحيته.

فيلم «Moonlight» يشكل دفقة ضوء رقيق كأنه ضوء القمر، قادم عبر غلالة رقيقة من سحاب؛ ليكشف لنا في رهافة وحساسية ما يدور في نفس بشرية معذبة عبر مراحل مختلفة من حياتها، وكأنه رسالة للناس أن يترفقوا بمن يحبون، وأن يتعاملوا بحرص مع كل من يتعاملون معهم وبخاصة أولادهم، فإن كل فعل وكل كلمة قد تصعد بذلك الشخص الصغير، الذي هو على وشك التكون، إلى سابع سماء أو أن تخسف به إلى سابع أرض.


تعليقات الفيسبوك