حسام الهندي

31

حسام الهندي

31

ثمّة قاعدة عرفية دارجة تقول إن «الشعب المصري ابن نكتة»، ويقول الكاتب المصري أحمد أمين، إن من صفات المصريين «حب البشاشة والفكاهة والنكتة»، وخلال التاريخ المصري يستدعي الشعب دائمًا النكتة والسخرية، وبخاصة من السلطة، وإن كانت بخطوط حمراء، أو في إطار من السرية لو اقتربت من الرئيس، كان ذلك حتى أواخر عهد الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، ثم تصاعدت نبرة السخرية عقب ثورة يناير 2011، ومع الانتشار الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي، تنتقل السخرية من التداول الشعبي في الشارع، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى تخصيص برامج للسخرية من شخص الرئيس في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، غير أن الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، اختلف عن غيره من المسؤولين في التاريخ المصري الحديث.

لم يتوقف منحنى السخرية خلال حكم السيسي، وإنما وصل الأمر إلى إلقاء السيسي نفسه للنكات، رغم ما يُعرف عن الرجل من حزم، بدا في تعامله مع معارضيه، وكونه أتى مُباشرة من على رأس قيادة الجيش المصري.

واستطاع السيسي، في كل مواقفه أن يُثير حالةً من الجدل والسخرية، من أفعاله وكلماته ومبادراته. وبينما يرى قسم في ذلك عيبًا، علامة على الانفتاح والعفوية بعيدًا عن البروتوكولات التقليدية، يعتبر البعض هذه التصرفات الساخرة، دليلًا على عدم أهليته لتولي منصب الرئاسة.

الصحة والقانون

وتُشير الدراسات العلمية إلى أهمية الضحك، وتعتبره بعضها سببًا في إطالة العمر، وتقوية عضلة القلب، حيث إنّ »ضحكة واحدة يطلقها الإنسان، تكافئ عشر دقائق جري على جهاز رياضي«، إلا أن حال المصريين وفقًا للإحصائيات يخالف تلك الدراسات، إذ هناك نحو 46% من الوفيات بين المصريين بسبب أمراض القلب.

وقد لا تُؤثر روح السخرية والضحك بالإيجاب في صحة المصريين، لكنها في المقابل قد تكون سببًا في سجنهم، بتهم مثل «إهانة»، أو «السخرية» من شخص الرئيس.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2015، قضت محكمة عسكرية على المحامي عمرو نوهان بالسجن ثلاث سنوات لنشره صورة لعبد الفتاح السيسي على هيئة ميكي ماوس، كما أن عملية التضييق بعد 30 يونيو (حزيران) تجاوزت منتقدي النظام من جانب مؤيدي مرسي، إلى منتقدي النظام من رافضي محمد مرسي، كما حدث مع الإعلامي باسم يوسف الذي تم التضييق على برنامجه إلى أن توقف.

كما أصدرت محاكم مصرية للدرجة الأولى أحكامًا بالحبس على عدد من الإعلاميين، والشخصيات العامة بتهمة السخرية من السيسي، كان أبرزها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، حكمًا بالحبس لمدة ثلاث سنوات للشاعر عبد الرحمن يوسف، وحكمًا مماثلًا للدكتور حمزة زوبع القيادي في حزب الحرية والعدالة -الذراع الإعلامي للإخوان المسلمين- وقضت محكمة مصرية أيضًا في يونيو (حزيران) بالسجن عامين، وكفالة 5 آلاف جنيه للإعلاميين محمد ناصر، ومعتز مطر؛ لاتهامهما بعدة تهم من بينها السخرية من الرئيس.

المؤتمر الوطني للشباب الثلاجة فارغة

يعد المؤتمر الوطني الأول للشباب، في مدينة شرم الشيخ صاحب النصيب الأكبر من المداخلات المرحة والمضحكة للرئيس المصري على مدار عدة أيام، وأبرز ما في ذلك المؤتمر موقف «الثلاجة».

والموقف باختصار عندما تدخل الرئيس في أحد ورش العمل، وقال بشكل جاد للغاية: «أنا قعدت 10 سنين تلاجتي، مفهاش إلا ميه بس ميه، وأنا من عيلة كبيرة ومحدش سمع صوتي».

وبالرغم من الجدية التي ظهرت على «السيسي» خلال حديثه، إلا أن الجملة أصبحت مثار جدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بل وكادت أن تتسبب في أزمة دبلوماسية بين مصر والمملكة العربية السعودية، بعد نشر مقطع مصور لـ«إياد مدني» الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي يتندر فيه مدني –سعودي الجنسية- على ثلاجة السيسي خلال كلمته في افتتاح مؤتمر وزراء التعليم العرب في تونس.

وقال مدني عندما كان يقدم الشكر للرئيس التونسي «الباجي قايد السبسي»، السيد الرئيس «السيسي»، ثم عاد وقال: «أنا متأكد أن ثلاجتكم فيها أكثر من الماء»، وهو ما اعتبرته مصر إهانة، واضطرت المملكة لسحب إياد من المنصب.

وفي ذات المؤتمر الذي عقد في خلال أكتوبر (تشرين)، دخل السيسي في نوبة ضحك، خلال حديث مشترك بين الإعلامي إبراهيم عيسي وإبراهيم الجارحي، تحول لمشادة كلامية، على خلفية مطالبة الأخير بضرورة تطبيق قانون العقوبات على «المنفلتين الذين يبثون أخبارًا كاذبة عبر وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي»، وأمسك السيسي الميكرفون وهو يضحك، ضاربًا كف على كف، قائلًا: «بتتكلموا عن الرأي وتوعية الناس لازم نكون قدوة مش كدا»، في إشارة للمشادة.

وفي الجلسة الختامية أطلق السيسي ضحكات أمام الجمهور، وقال في البيان الختامي: «تكليف الحكومة مع الجهات المعنية بالدولة، بدراسة مقترحات تعديل قانون التظاهر، المقدمة من الشباب خلال المؤتمر، وإدراجها ضمن القوانين المخطط عرضها على البرلمان خلال دور الانعقاد الثاني»، فصفق الحضور في قاعة المؤتمر بشدة، الأمر الذي دعا الرئيس لمداعبة الحضور بقوله: «بتحبوا التظاهر أوي كده»!

صبح على مصر بجنيه

استطاع الرئيس المصري وخلال مؤتمر«رؤية مصر 2030» أن يحقق حالة من الجدل لم تخلق في مصر فقط، ولكن أيضًا في الوطن العربي، وتصاعد الأمر ليصبح عالميًّا بعدد كبير من الجمل الساخرة، من بينها الجملة الأشهر: »هقول تعبير صعب جدًا.. جدًا.. والله العظيم أنا لو أنفع أتباع لأتباع«، وكان من الممكن أن تمر تلك الجملة مر السحاب، ولكن قيام بعض النشطاء بعرض السيسي للبيع على أحد مواقع البيع عبر الإنترنت، كان له أثر دولي من السخرية.

وبدأ العرض بـجملة «مشير وطبيب للفلاسفة بخلفية عسكرية استعمال طبيب»، قبل أن يحذف الموقع الشهير الإعلان بعد أن وصل المزاد إلى 100 ألف دولار.

لو أعرف أتباع لاتباع

وفي نفس المؤتمر في فبراير (شباط) وخلال كلمة السيسي دعا الرئيس المصريين للتبرع ودعم الفقراء قائلًا: »كل يوم الصبح لو صبح كل مواطن على مصر بجنيه من تليفونه يعني 300 مليون في الشهر، و4 مليار بالسنة«، وخلقت تلك الجملة ضجة واسعة حتى أصبحت تستعمل في التداول اليومي، »صبح على مصر بجنيه«، وظهرت بالفعل دعوات وحملات لإرسال رسائل نصية على الهواتف المحمولة لحث المواطنين على التبرع بجنيه في اليوم، إلا أنها استمرت لفترة فقط قبل أن تتوقف.

وخلال المؤتمر دخل السيسي في نوبة ضحك بعد أن داعب الدكتور طارق عامر، محافظ البنك المركزي، قائلًا: «الكلام ده مش للحكومة والله.. الكلام ده ليا أنا».

وتتوالى الجمل الغريبة، والتي أثارت سخرية بين مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، مثل «لو سمحتم متسمعوش كلام حد غيري.. أنا بتكلم بمنتهى الجدية.. أنا مش راجل بكذب ولا بلف وأدور ولا ليا مصلحة غير بلدي»، وتابع في موضع آخر: «أنا بقول لكل مصري بيسمعني أنتوا فاكرين الحكاية ايه.. انتوا مين انتوا مين؟ ها».

غيط العنب عاوزين الفكة

في 26 سبتمبر (أيلول)، كانت لمنطقة غيط العنب في محافظة الإسكندرية شمال القاهرة الحظ في الشهرة من خلال افتتاح الرئيس المصري لمشروع تطوير مساكن المواطنين فيها، وكان الاقتراح الأكثر سخرية، حتى أنه لم يتم تنفيذه أو الحديث عنه بعد ذلك، كان اقتراح «مشروع الفكة» والذي طالب فيه السيسي رؤساء البنوك، قائلًا: «مينفعش نحصل على الفكة اللي في المعاملات هي الـ50 قرش وغيره وتوضع في حساب لصالح المشاريع، وهذا سيحقق أرقام كبيرة». ويعود ويقول: «لو سمحتوا أنا عايز الفلوس دى إزاى آخدها أنا معرفش بس عشان نحطها للناس».

وتناول السيسي خلال اللقاء حادث مركب، كان قضية رأي عام وقتها «غرق مركب رشيد»، والذي راح ضحيته العشرات من الشباب المصري الذين حاولوا الهجرة من مصر بطريقة سرية، ووجه السيسي حديثة للشباب قائلًا: «سايبها وماشى ليه؟ وتزعلنا وتزعل أسرتك ومصر كلها عليك ليه؟ واحنا مش سايبينك وبلدك مصر مش سيباك.. واحنا قاعدين بنعمل إيه واحنا علشانكم موجودين وهنفضل نشتغل لآخر لحظة وبكل قوة».

وتابع السيسي: «الجيش مايخدش جنيه، ده جيشكم وجيش بلدكم وأبنائكم مش جيش حد تاني»، مشيرًا إلى مؤامرات تحاك ضد الجيش المصري، وأكد أنه بفضل التخطيط المعمول من الدولة يستطيع الجيش أن ينتشر في ربوع مصر كلها خلال 6 ساعات لحماية الدولة.

«هنعمل ايه في الفرش؟» لم ير البعض أن تلك الجملة مثيرة للضحك بنفس القدر الذي أثارت به نوبة هيستيرية لدى «السيسي»، خلال حديثه مع ممدوح شعبان، رئيس إحدى الجمعيات الأهلية، في سياق تطرقهما لقيام الجمعيات بتجهيز منازل بديلة لسكان العشوائيات، حيث قال شعبان: «لم نأخذ ولا مليم -وحدة أقل من القرش-».

مواقف متفرقة

في مايو (أيار) أثناء افتتاح مشروع الإسكان الاجتماعي في مدينة بدر غرب القاهرة، ألقى السيسي كعادته بجملة ساخرة، وداعب اللواء أركان حرب كامل وزيري، المسؤول عن المشروعات في القوات المسلحة، قائلًا: «أنت ليه حاطط سجاد أزرق مش أحمر؟ وبعدين مفيش ولا يافطة يا كامل متواجد عليها اسم المهندس شريف إسماعيل مايصحش».

وخلال افتتاح بعض المشروعات في محافظة أسيوط في منتصف مايو (أيار)، طلبت مقدمة حفل الافتتاح الوقوف لعزف السلام الوطني للنشيد المصري، ليقف السيسي من مقعده ويتحرك منفردًا قبل أن ينتبه ويعود لمقعده، الحركة التي أثارت موجة سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي مناسبة أخرى، خاطب أحد الشباب الذين يدرسون في البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، :أ«نا أملك من الشجاعة الأدبية ما تجعلني أقول لسيادتك أني لم أنتخب حضرتك في الانتخابات الرئاسية»، ليتدخل السيسي قائلًا: «إزاي تعمل كده؟» ويدخل في نوبة ضحك.

السيسي والمولد النبوي

في شهر ديسمبر (كانون الأول)، كان للرئيس المصري العديد من المواقف المثيرة للسخرية، ومن بينها، أثناء الاحتفال السنوي بالمولد النبوي الشريف، حيث بدا «السيسي» مرحًا وهو يداعب شيخ الأزهر، قائلًا: «أنا بقول لفضيلة الإمام كل ما أشوفه أنت بتعذبني، فيقولي أنت بتحبني ولا لأ.. ولا حكايتك إيه؟»، متابعًا: «أنا بحبك وبحترمك وبقدرك وإياكم تكونوا فاكرين غير كده تبقى مصيبة، أنا بحب الإمام وعارف دور الأزهر ومقدره كويس في مصر والعالم كله»، لتنفجر القاعة ضحكًا.

ثم قال جملته المشهورة: «اللي يقدر على ربنا يقدر علينا» في معرض حديثه عن إرضائه لربنا، وعدم القتل، أو الخيانة، وهي الجملة التي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي.

«يا ياسر أزمات ايه بس؟»، الجملة الساخرة التي قاطع بها «السيسي» العقيد ياسر وهبة، المسؤول عن التعليق الصوتي لدى القوات المسلحة المصرية، أثارت موجة من الضحك.

وكان ذلك عندما كان يتحدث ياسر وهبة بتعابير مليئة بالسجع في حفل افتتح السيسي لعدد من المشروعات القومية في مجالات الطرق والإسكان والمياه في 12 ديسمبر (كانون الأول)، قائلًا: « كلما اشتدت الشدة شدة كلما خرج من رحمها رجال أكثر جلد وشدة، فمرحبًا بالشدائد وأهلًا بالأزمات التي تجعل الأمة كلها تصطف صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص»، ليقاطعه السيسي ضاحكًا «أزمات إيه يا ياسر؟».

وفي افتتاح التوسعات الجديدة بشركة النصر للكيماويات الوسيطة في 24 ديسمبر (كانون الأول)، هتف الحضور أمامه: »بنحبك يا ريس، وتحيا مصر«، فحاول الرئيس تهدئة الجموع وأمسك الميكرفون ثم بدأ يحرك رأسه بطريقة تظهر وكأنه يحك ذقنه في الميكرفون، ولكن تقارير إعلامية قالت بعد ذلك إنه كان يحاول تمالك نفسه من البكاء.

في 28 ديسمبر (كانون الأول)، وقبل أيام من نهاية العام، تحاول مقدمة حفل افتتاح المركز الثقافي الترفيهي في بورسعيد أن تنهي الحفل بالسلام الوطني، إلا أن السيسي يقاطعها قائلًا: »إديني فرصة أتكلم، ما هو مكنش ممكن أكون موجود معاكم ومقولش كلمة« لينفجر السيسي ضاحكًا، ومن خلفه القاعة كلها.