18,169

صحيح أن كل سلطة ديكتاتورية تعرف حقيقة أنك لا يجب أن تثق بأحد، ولو كان من أقرب الأقربين، لكن قلما تجد السلطة التي تنفذ هذه النصيحة بإخلاص وإتقان كما يفعل نظام «كيم-جونغ-أون» الذي يحكم الآن، وتحكم عائلته كوريا الشمالية منذ عقود، فالرئيس الذي يوصف من قبل الكثيرين بـ«المجنون» لم يتورع عن سفك دماء أقرب المقربين منه، بأساليب وحشية توصف بالمجنونة أحيانًا، وبلا تهم واضحة كثيرًا.

تحاول السطور التالية تسليط الضوء علي أبرز عمليات الإعدام والاغتيال التي قام بها نظام كوريا الشمالية خلال السنوات القليلة الماضية، وإذ نشير هنا إلي أن الأخبار عن ذلك البلد المعزول قد لا تكون دقيقة في كثير من الأحيان، بسبب شح الأخبار الواردة منها من جهة، ونظرًا إلى أن معظم الأنباء مصدرها العدو اللدود «كوريا الجنوبية»، فإننا نؤكد أننا حاولنا تحري الدقة والموثوقية قدر المستطاع، والاعتماد على أخبار تم تداولها من وكالات ذات مصداقية، لا سيما تلك الأنباء التي لم يستطع نظام بيونغ يانغ بعد ذلك أن ينفيها بشكل حقيقي أو صارم.

زوج عمته: إعدام الرجل الثاني بتهمة «الخيانة»

عمليات الإعدام

«حُثالة بشرية وضيعة»، هكذا وصفت وكالة الأنباء الرسمية في كوريا الشمالية القيادي في الحزب الحاكم والجيش «جانغ سونغ تيك» قبل أن تزُف للمواطنين نبأ إعدام الرجل الذي كان في الوقت ذاته زوجًا لعمة الرئيس كيم جونغ أون.

في الحقيقة لم يكن تيك مجرد قريب للرئيس، بل كان أحد أقوى رجالات النظام، وكان يُنظر إليه لبعض الوقت كرئيس محتمل للبلاد، وحتى بعد أن صار كيم جونغ أون رئيسًا، ظل تيك ناصحًا وفيًا ومستشارًا مقربًا له، وتولى العديد من المناصب في الحزب الحاكم ولجنة الدفاع الوطني، وهي أعلى هيئة عسكرية في البلاد، كما كان يظهر في الكثير من الصور جنبًا إلى جنب «كيم جونغ أون».

لذلك كان من المفاجئ في ديسمبر (كانون الثاني) 2013 أن تُظهر صور رجال أمن كوريون وهم يلقون القبض على تيك، أثناء مشاركته في اجتماع للحزب الحاكم، وقبل أن تُعلن الوكالة الرسمية للبلاد إعدامه بتهمتي «الخيانة» و«الطمع في السلطة»، والإضرار بالاقتصاد الوطني عبر تبذير الأموال،  فيما نُظر إليه علي أنه حلقة في سلسلة الإطاحة بالرجال الأقوياء في هرم السلطة.

عمته: السمّ قد يكون عقابًا لـ«كثرة الشكوى»

حتي ما قبل إعدام زوجها، كانت «كيم كيونغ هوي» عمة الرئيس ذات نفوذ عظيم في البلاد، فهي المرأة الوحيدة التي تقلدت منصبًا رفيعًا في القوات المسلحة -حملت رتبة جنرال بأربعة نجوم- والحزب الحاكم، والتي امتلكت مطعم «الهامبرجر» الوحيد في البلاد، وهو ما يعد دليلًا على تميزها في البلد الذي لا يسمح لمظاهر الثقافة الأمريكية بالتسرب إليه.

وبالرغم من أن الرئيس «كيم جونغ أون» قد قدم لها التعازي، إلا أن «هوي» قد اختفت عن الأضواء تمامًا بعد وفاة زوجها، وقد تعددت التفسيرات لذلك، فهناك من ادعى أنها قد انتحرت، وثمة من قال إنها قد أصيبت بنوبة قلبية أو سكتة دماغية تأثرًا بوفاة زوجها، قبل أن تنقل شبكة CNN الأمريكية عن أحد كبار المنشقين عن نظام بيونج يانج اتهامه للزعيم الكوري بتسميم عمته، لأنها كانت «كثيرة الشكوى» من إعدام زوجها، فما كان من كيم، إلا أن قرر أن يسكتها إلى الأبد، بحب رواية المنشق.

عمليات الإعدام

وزير الأمن العام: الإحراق بواسطة قاذفة لهب

بسبب الصلة القوية التي كانت تجمع وزير الأمن العام «أو سانغ هون» بزوج عمة زعيم البلاد الذي تم إعدامه، قرر كيم إعدامه  بناء على حكم قضائي ورد فيه أن أو سانغ هون «عدوًا للشعب»، ويفيد بأنه حول الوزارة إلى مؤسسة خاصة لحمايته، وأخفى معلومات حول فساد واختلاسات على أعلى المستويات، بحسب ما قاله الزعيم الكوري الشمالي الذي فضل تنفيذ حكم إعدام «الخائن» بيده.

كان الإعدام حرقًا بواسطة قاذفة لهب، كما تم الإعلان عن حل وزارة الأمن العام بعد تنفيذ الحكم.

وزير الدفاع: الإعدام ضريبة من ينام

عمليات الإعدام

في 13 مايو (أيار) 2015، نقلت وكالة الأنباء الكورية الجنوبية عن مصادر في جهاز الاستخبارات، أن وزير الدفاع في كوريا الشمالية «هيون يونج تشول» قد أُعدم قبل أسبوعين «رميًا بنيران مدفع مضاد للطائرات»، ونقلت الوكالة نقلًا عن مصادرها أن السبب وراء إعدام الرجل كان عدم إبدائه الولاء اللازم تجاه زعيم البلاد؛ إذ إنه قد ارتكب جرمًا قاتلًا حين نام خلال كلمة لزعيم البلاد في عرض عسكري.

وبالرغم من أن الشكوك قد ثارت لاحقًا حول صدقية ذلك الإدعاء، حين بث تليفزيون كوريا الشمالية لقطات يظهر فيها الرجل، الأمر الذي أدى إلى تراجع الاستخبارات الكورية الجنوبية عن موقفها، فأعلنت أنها لم تستطع التحقق من الأمر تمامًا، لكن عادت الصحف في كوريا الجنوبية لـتؤكد الخبر بأن «سلطات جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية أخبرت موظفي سفاراتها في الصين، وبلدان أخرى، بأنه قد تم تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق وزير الدفاع هيون يونغ شول»، وإن ظلت تحوم الشكوك حول الطريقة التي جرى بها تنفيذ عملية الإعدام.

مصمم مطار بيونغ يانغ يلقى «جزاء سنمار»

في يوليو (تموز) 2015، أصدر زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ قرارًا بإعدام رئيس المهندسين الذي شارك في بناء المطار الجديد بمنطقة بيونغ يانغ؛ لأن التصميم لم يعجبه.

وبحسب «وكالة الأنباء المركزية الكورية»، فإنّ الزعيم الكوري الشمالي وزوجته قد  قاما بجولة في المحطة الدولية المكونة من طابقين في مطار بيونج يانج، ولم يُعجب الزعيم كيم جونغ بالتصميم، فأصدر أمر الإعدام، حيث إن العيوب ظهرت في المرحلة الأخيرة من بناء المبنى رقم (2).

هل قتل الأخ أخاه؟

عمليات الإعدام

ليس من عادة أولئك الذين نجحوا في الفرار من جحيم النظام في كوريا الشمالية التحدث إلي الإعلام، فنظام بيونغ يانغ لا ينسى من ينتقده، حتي لو كان خارج البلاد، وثمة قائمة طويلة لمحاولات اغتيال معارضي النظام في الخارج، نفذها عملاء سريون أو قوات خاصة، تكلل بعضها بالنجاح، وراح ضحيتها في بعض الأحيان أفراد مارقون من العائلة الحاكمة ذاتها.

من بين هؤلاء «المارقين» في الخارج كان ثمة شقيق لزعيم البلاد «كيم جونغ أون» يدعى «كيم جونغ نام»، قيل إنه كان مرشحًا لخلافة والده قبل أن يطيح به خطأ قاتل، إذ تم اعتقاله عام 2001 حين كان يحاول الدخول إلي اليابان لزيارة منتزه «ديزني لاند» الترفيهي، مستخدمًا في ذلك جواز سفر مزور، ومن ساعتها فقد الحظوة لدى والده، ومنذ ذلك الحين أقام جونغ نام وعائلته خارج البلاد، ولم يخف في كثير من الأحيان ميوله الإصلاحية، وتنديده بالسياسات القمعية والحكم العائلي في بلاده، وهو ما جعله هدفًا لانتقام شقيقه كيم جونغ أون.

تعرض جونغ نام البالغ من العمر 45 عاما لمحاولة اغتيال فاشلة في أبريل (نيسان) 2012  فكتب إلى أخيه يستجديه قائلًا «أرجوك أبق على حياتي وحياة عائلتي، ليس لنا مكان نذهب إليه، نعرف أن المخرج الوحيد هو الانتحار».

لكن يبدو أن توسلات جونغ نام قد فشلت في دفع شقيقه إلي العفو عنه؛ إذ نقلت وكالات الأنباء صباح الاثنين 14 فبراير (شباط)، أن «كيم جونغ نام» قد فارق الحياة في مطار كوالالمبور بماليزيا، بعدما تم تسميمه على أيدي امرأتين يُعتقد أنهما من بلد أجنبي، وكان جونغ نام قد ذهب للاختباء بماليزيا بعد إعدام عمه «جانغ سونغ تيك».

وتشير التقديرات الأمريكية، والتقارير الاستخباراتية في كوريا الجنوبية، بأصابع الاتهام إلي نظام «كيم جونغ أون» في عملية الاغتيال الأخيرة، وهو ما سيصبح في حال ثبوته أبرز عملية اغتيال ينفذها نظام بيونغ يانغ منذ إعدام «جانغ سونغ تيك».

تعليقات الفيسبوك