حسام الهندي

12

حسام الهندي

12

ملامح شرقية هادئة وبسيطة لامرأة ترتدي الحجاب. في العادة لكانت صورةً طبيعية، إلا أن جُزءًا من تكوينها لم يجعلها كذلك، وهو الحجاب الملون بألوان العلم الأمريكي، ونظرة الفتاة التي تُشعرك وكأنها تنظر إليك مُباشرةً في عينيك بجرأة، والتي دفعت بشيبرد فيري، الفنان الشاب المعروف بأفكاره الداعمة للحريات والسلام، إلى اختيار هذه المرأة مع أُخريات كأيقونات لإعلان رفضه أفكار الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب المتشدد ضد الأقليات.

لم تتصور الفتاة التي شاهدت من نافذة مدرستها الثانوية الطائرة الثانية ترتطم بمبنى التجارة العالمي في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، أن تتحول إلى واحدة من أبرز رموز الحركة المناهضة لسياسات ترامب، مُجتاحة صورتها الولايات المتحدة الأمريكية، ثم العالم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

إنها «مُنيرة أحمد»، البالغة من العمر 32 عامًا، والتي يقف وراء شُهرتها، أو للدقة شهرة صورتها الرمزية، رجلان، هما المصور الأمريكي سوري الأصل «رضوان أدهمي» الذي التقط صورة مُنيرة، والمصمم «شيبرد فيري» الذي اختار صورة مُنيرة على وجه الخصوص لتصميمها.

 

من هي منيرة؟

في عام 2007 أقنع المصور سوري الأصل رضوان أدهمي، مُنير أحمد بالتقاط صورة لها في مدينة منهاتن قرب بورصة نيويورك، تلك المنطقة التي شهدت هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وبالرغم من عدم ارتداء مُنيرة للحجاب في الأصل، إلا أن رمزية الصورة تطلبت امرأة مُسلمة تلف العلم الأمريكي حول رأسها كحجاب، إشارةً إلى انتماء المسلمين الأمريكيين الوطني لبلادهم.

ومنيرة مواطنة أمريكية من أصل بنجلاديشي، حيث قَدمت إلى الولايات المتحدة واستقرت بها منذ عام 1970، والآن تعيش في منطقة كوين بنيويورك. وتقول منيرة إنها رأت من نافذة مدرستها الثانوية ارتطام الطائرة الثانية ببرجي التجارة العالمية في هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، ولم تفهم وقتها طبيعة ما حدث وأسبابه، لكنها بدأت تشعر بمشاعر سلبية ضد المسلمين وبعض الأقليات عقب الهجمات.

لم ترتد مُنيرة الحجاب يومًا، بالرغم من أن الكثيرين ممن شاهدوا صورتها سألوها عن عدم ارتداء حجابها في الحقيقة، لتُجيب بأنّ الغرض من الصورة هو التأكيد على أنها ومن مثلها «أمريكية مثلكم تمامًا».

وككثيرين مثلها تعتبر مُنيرة أن فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية أمرًا مُخيّبًا للآمال؛ بسبب أفكاره المرتبطة بإقصاء الآخر، لافتةً إلى أن من أسباب تقدّم الولايات المتحدة وجود مُهاجرين واُعراق متعددة بها.

وكان شيبرد قد رأى صورًا كثيرة للعديد من الفتيات اللائي ترتدين حجابًا بلون العلم الأمريكية، إلا أنه اختار صورة مُنيرة؛ لأنها «مُختلفة، وفي عينيها مُثابرة، وتبدو طبيعية على عكس الصور الأُخرى». وكما كانت الصورة سببًا لشهرة كبيرة لمنيرة، كانت أيضًا سببًا لتعرضها للمضايقات العنصرية، كما حدث معها من سيدة هاجمتها لفظيًا في مواصلة عامة، مُطالبةً إياها بالرحيل عن الولايات المتحدة.

شيبرد وضرورة الفن

خلال المسيرات التي صاحبت تنصيب ترامب في 21 يناير (كانون الثاني) الجاري، ظهر تصميم منيرة أحمد وقد كُتب عليه «نحن الشعب»، في إطار حملة مُناهضة لترامب وسياساته التي توصف بالعنصرية والإقصائية، وتأتي الحملة كجزء من مشروع تنظمه مؤسسة أمريكية تحت عنوان «نحن الشعب» أيضًا، يُشارك فيه العديد من الفنانين من أصول مُختلفة.

وتأتي صورة مُنيرة ضمن مجموعة صور أُخرى، بينها واحدة لطفل له أصول إفريقية، وسيدة لاتينية، وغيرهما كرموزٍ لفئات متعددة من الشعب الأمريكي، وقد كُتب على بعضها «الدفاع عن الكرامة»، غير أن من بينها جميعًا، كانت صورة مُنيرة الأكثر انتشارًا، سواءً على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، أو صفحات كُبرى الصحف والمجلات الأمريكية.

هذا التصميم ذائع الصيت يكشف عن عقلية مُصممه شيبرد فيري، الذي يرى أن «الفن ضرورة»، لذا فإنّه يستخدمه للتعبير عما يُناضل من أجله، ويُقاوم ضده، وفقًا لما ورد في تقرير عنه لصحيفة «الجارديان» البريطانية، التي وصفته بفنان الشارع؛ لرسوماته الجرافيتية، ومُلصقاته على جدران الشوارع، والتي يُواجه بسببها دعاوى قضائية. وتُعد أشهر أعماله قبل صورة مُنيرة، تصميم لأوباما خلال حملته الانتخابية، لاقى شهرة كبيرةً باعتباره رمزًا لمقاومة العنصرية، بدخول سباق الرئاسة الأمريكية لأول مرة مُرشح ذي أُصول إفريقية.


المصور السوري الأصل

يظهر من الموقع الشخصي لرضوان الأدهمي، مُصور صورة مُنيرة الأصلية قبل تصميمها، اهتمامه بتصوير الوجوه، واستخدام بعضها في إلقاء الضوء على مُعاناة اللاجئين حول العالم، وكذلك ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب، وغير ذلك من القضايا.

السبب وراء التقاطه هذه الصورة كان يُحزنه، خاصة أنها التقطت بعض هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وقد كان يُريد بها إيصال رسالة مفادها «نحن مسلمون أمريكيون ننتمي لهذه البلاد، ولا يُمكن تحميلنا مسؤولية وقوع أية هجمات إرهابية»، وفقًا لما جاء على لسانه في تصريحات صحافية.

وتصادف أن الصورة التي التقطها أدهمي قبل سنوات في إطار حملة مُختلفة، تُستدعى مرة أُخرى في إطار حملة أُخرى ليست ببعيدة في هدفها عن الأول التي التقطت من أجله الصورة من قبل أدهمي، هذا الأمر حمّس المصور السوري إلى المشاركة بصورته واستخدامها في التصميم الشهير، ولعل طرد ترامب لامرأة مُحجّبة في إحدى مُؤتمراته قبيل الانتخابات، كانت سببًا في ظهور هذه الصورة.

الحجاب وترامب

ويواجه الرئيس الأمريكي حركة احتجاجية واسعه من نشطاء على مختلف الأصعدة ومن مختلف الأعراق؛ رفضًا لسياسته التي أعلنها خلال حملته الانتخابية. ومنذ وصوله، بدأ ترامب في تنفيذ وعوده الانتخابية، من ذلك توقيعه الجمعة الماضية على أوامر تنفيذية بمنع دخول مواطني كل من سوريا واليمن والعراق والسودان وإيران، مع تعليق استقبال اللاجئين السوريين لأربعة أشهر.

وسبق لترامب أن تواجه مُباشرة مع الحجاب الإسلامي، عندما طرد سيدة مُسلمة مُحجبة، من إحدى مُؤتمراته الانتخابية في ولاية كارولينا الجنوبية. السيدة، التي تُسمى روز حميد، قالت إنها كانت تهم بالرد على اتهامات ترامب للاجئين السوريين بالانتماء لـ«تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، قبل أن يطردها ترامب.

تعليقات الفيسبوك