إبراهيم أبو جازية

8

إبراهيم أبو جازية

8

أصدر الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب قرارًا تنفيذيًّا يحظر دخول اللاجئين السوريين إلى الولايات المتحدة حتى إشعار آخر، بالإضافة إلى إيقاف إصدار تأشيرات دخول للولايات المتحدة لمدة ثلاثة أشهر، وذلك لرعايا ست دول أخرى بخلاف سوريا، وهي: إيران، والعراق، واليمن، وليبيا، والسودان، والصومال.

وتعتبر الدول السبعة من دول الأغلبية المسلمة في العالم. وبالإضافة إلى ذلك أعلن ترامب تعليق نظام اللاجئين في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 120 يومًا، مؤكدًا أن هذه الفترة مخصصة للفحص الدقيق في شؤون جميع المسجلين، قائلًا إن «هذا الفحص الدقيق سيساعد على بقاء الإرهابيين الإسلاميين المتشددين خارج الولايات المتحدة».

وجاء القرار التنفيذي تحت عنوان: «حماية الأمة من دخول الإرهابيين إلى الولايات المتحدة»، صادرًا يوم الجمعة الماضي الموافق 27 يناير (كانون الثاني) 2017، وذلك في العاصمة الأمريكية واشنطن.

من جانبها، أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، أن حاملي البطاقات الخضراء (جرين كارد) لدخول الولايات المتحدة من هذه الدول، والذين يسمح لهم بالإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يمكنهم الدخول مجددًا، إذ يسري عليهم القرار هم أيضًا، وذلك رغم تأكيد الإدارة الأمريكية على منح إعفاءات لهم، وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

ترامب يحتمي بأوباما: «هو من اختار هذه الدول»

ترامب لم يأتِ بالقرار من نفسه، وإنما أوباما من فعل ذلك، وبناءً عليه ثمّة احتمالات عدة أولها أن ترامب يحتمي بأوباما في اختياره لهذه الدول على التحديد، وهو ما أكده أمس الأحد جون سبيسر المتحدث الإعلامي باسم البيت الأبيض، والذي قال إن إدارة أوباما هي الأساس في اختيار هذه الدول، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2015، أقر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وضع قيود محددة على بعض المسافرين، أو المقيمين من الولايات المتحدة الذين زاروا أربعة دول هي: إيران، والعراق، والسودان، وسوريا، خلال أي فترة بدايةً من مارس (آذار) 2011 وحتى إعلان هذا القرار، مهما طالت أو قصرت الزيارة.


وبعد ذلك بشهرين فقط أضاف أوباما ليبيا واليمن والصومال إلى القائمة. وبحسب إدارة أوباما، فإن هذه الخطوة جاءت محاولةً «لمعالجة التهديد المتزايد من المقاتلين الإرهابيين الأجانب»، حيث وُصفت هذه الدول من قبل إدارة أوباما بأنها «دول مثيرةٌ للقلق».

وتمثلت القيود التي وضعها أوباما في فرض تأشيرة دخول على كل من يزور، أو زار بالفعل من قبل إحدى تلك الدول السبع، حتى لو كان من الحاصلين على الإقامة، أو ممن يحملون البطاقة الخضراء لدخول الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن الاختلاف بين قراري أوباما، وترامب هو أن قرار أوباما لم يمنع إصدار تأشيرات الدخول، بل قضى بإصدار تأشيرة جديدة بدلًا عن الإعفاء من طلب التأشيرة الذي كان ممنوحًا لأربع دول هي إيران والعراق وسوريا والسودان، حتى ولو كان من حاملي الجنسية المزدوجة (جنسية الولايات المتحدة الأمريكية، وجنسية إحدى هذه الدول)، ليتوجب عليهم إصدار تأشيرة جديدة في حال سافروا إلى إحدى هذه الدول منذ مارس (آذار) 2011، كما أن حاملى الجنسية الأمريكية المزودجة من دول ليبيا، والصومال، واليمن، كان بإمكانهم الدخول إلى الولايات المتحدة بلا تأشيرة دخول.

اقرأ أيضًا: الوقوع من السرير يهدد أمريكا أكثر من الإرهاب! حقائق لا يريدك ترامب أن تعرفها

تناقضات في القرار: «اللي معهوش ما يلزموش»

«اللي معهوش، ما يلزموش»، مثلٌ مصريٌ قديم توارثته الأجيال، كما أنه معروف لدى قطاعات كبيرة في الوطن العربي، ويعني: «إذا لم تمتلك المال فأنت غير مُهم»، وعلى ما يبدو فقد سار ترامب على نهج المثل في إصداره هذا القرار.

ويُشار إلى أن الدوافع وراء إصدار هذا القرار، وفقًا لما جاء في نص القرار، هي هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، والهجوم المسلَّح في سان برناردينو في ولاية كاليفورنيا عام 2015. ولكن يبرز التناقض هنا في أن المتورطين في هذه الحوادث، أو أغلبهم كانوا من دولٍ ليست ضمن قائمة الدول التي شملها حظر ترامب، بينما كانوا من دول كالمملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، وهي دول لم يشملها حظر ترامب.

يتضح من هنا كيف انتهج ترامب نهج المثل المصري المتقدم ذكره، وعلى اعتباره رجل أعمال ينظر إلى النقود على أنها المنطلق الأساسي لتحركاته كما يتضح، ومن هنا لم يشمل قرار الحظر دخول الولايات المتحدة الذي أصدره مُؤخرًا، دولة كالسعودية، أكبر اقتصاديات المنطقة العربية، وأيضًا واحدة من أكبر مُصدّري منفذي العمليات المُسلحة، والمنضوين تحت جناح تنظيمات مُسلحة متشددة، ولا الإمارات العربية المتحدة التي تنافس لاعتلاء قائمة أكبر اقتصاديات في المنطقة العربية، ولا مصر التي يجمع بين رئيسها عبد الفتاح السيسي، وترامب إعجاب كبيرٌ مُتبادل.

وكان ترامب قد أعلن في وقتٍ سابق من العام الماضي، وتحديدًا في منتصف أغسطس (آب) 2015، أن السعودية «دولة ثرية» وعليها أن تدفع المال لأمريكا لقاء ما تحصل عليه منها سياسيًّا وأمنيًّا، مُضيفًا: «سواء أحببنا ذلك أم لم نحبه، لدينا أشخاص دعموا السعودية. أنا لا أمانع ذلك، ولكننا تكبدنا الكثير من المصاريف دون أن نحصل على شيء بالمقابل. عليهم أن يدفعوا لنا».

غير أنه عاد مرة أخرى ليؤكد في تصريح آخر ضمن حملته الانتخابية في العام نفسه أن «السعوديين لا يملكون إلا المال، أحب السعودية والسعوديين لأنهم يشترون عقاراتي»، فهل فعلتها السعودية ودفعت مقابل صفقة لا نعلم عنها شيئًا، ما أبعدها عن قائمة الحظر؟ أم أن استثماراتها الموجودة بالفعل في الولايات المتحدة هي من حمتها من ذلك؟

من جهة أُخرى، كان كبير موظفي البيت الأبيض رينس بريبس، قد نفى أن يكون للعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وغيرها من الدول، تأثير في اختيار قائمة الحظر، ما يُشير إلى تردد هذه الفرضية، ما دفعه في سبيل النفي للإشارة إلى احتمالية إضافة أية دولة أُخرى في أي وقت.

تأثير القرار في الاقتصاد الأمريكي والنظام العالمي

أساتذة جامعات، ومبرمجون، وأطباء، وباحثون، وعلماء، وعمال، وفنانون، وتقنيون، وغيرهم في كافة المجالات والوظائف في الولايات المتحدة الأمريكية، سيتأثرون بالقرار، ما يعني بالضرورة تأثر الشركات، والمؤسسات التي يعملون بها، ما يعني أيضًا تأثر الاقتصاد الأمريكي، بالإضافة إلى شيء آخر، وهو اهتزاز صورة «الحلم الأمريكي» الذي يُروّج له منذ عهد الآباء المؤسسين.

ويؤثر القرار في قطاعات عريضة من الأفراد والمؤسسات في الولايات المتحدة، فإلى جانب الجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات الأخرى، نجد أن الشركات متعددة الجنسيات هي أكبر المتضررين في الولايات المتحدة الأمريكية من القرار، فطبقًا لتقرير أصدرته وزارة التجارة الأمريكية عام 2013، حول وضع الشركات متعددة الجنسيات داخل الولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 2011، فثمّة حوالي 22.9 مليون عامل غير أمريكي يعملون في الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات داخل الولايات المتحدة الأمريكية، معرضين جميعًا للتأثر بالقرار الذي أصدره ترامب، ومضاعفاته، وما يترتب عليه.

فضلًا عن عمال غير أمريكيين يعملون في شركات أمريكية متعددة الجنسيات، ولكن في فروع خارج الولايات المتحدة الأمريكية، ويُقدّر أعداد هؤلاء حوالي 11.7 مليون عامل. هذه الشركات تملك رأس مال قدّرت قيمته عام 2011 بحوالي 706 مليارات دولار أمريكي، شارك في ضخها في السوق الأمريكية عدد كبير من أولئك الأفراد غير الأمريكيين، ومنهم أفراد من أصحاب الجنسيات الخاصة بالدول السبع التي نص عليها قرار ترامب.

وكان عدد من الشركات العالمية متعددة الجنسيات داخل الولايات المتحدة الأمريكية، قد دعت موظفيها حول العالم للقدوم فورًا إلى الولايات المتحدة قبل تنفيذ القرار. البداية كانت مع شركة جوجل التي دعت موظفيها للقدوم فورًا، وفي نفس الوقت شارك أحد مُؤسسي الشركة وهو سيرجي برين، في التظاهر ضد القرار، مؤكدًا أنه يشارك في التظاهرات لأنه «لاجئ» ذو أصول روسية.


كما أوضح مارك زوكربيرج، مؤسس موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، في أحد منشوراته على الموقع أنه وفيسبوك ينتابهما القلق حول القرار الذي وقع عليه ترامب عصر الجمعة، مؤكد أنه سيعمل لتحقيق الأفضل لفريق الموقع وعائلاتهم.

My great grandparents came from Germany, Austria and Poland. Priscilla's parents were refugees from China and Vietnam….

Posted by Mark Zuckerberg on Friday, 27 January 2017

وصدرت بيانات صحافية مشابهة لعدد من الشركات مثل تويتر، وميكروسوفت، ولينكد إن، وأوبر، وأدوبي، وغيرهم الكثير من مديري ومؤسسي شركات متعددة الجنسيات، يحمل عدد كبير من موظفيها جنسياتٍ مختلفة غير الجنسية الأمريكية.

المثير للاهتمام أن يكون ذلك القرار صادرًا عن رئيس أكثر دول العالم ترويجًا لمحاربة الأفكار الانعزالية التي لطالما اتهمت بها دول أُخرى، فضلًا عن دعمها الأكبر لأفكار مثل الحداثة، والعولمة، والسوق الحرة، والنيوليبرالية الاقتصادية، وما إلى ذلك؛ مما أصبح مع الزمن جزءًا أصيلًا من تركيبة جذور سياسات الولايات المتحدة، ومن ثمّ النظام العالمي، وقرار كالذي أصدره ترامب، ومجمل خطابه، يُمثّل تهديدًا حقيقيًّا إذًا للنظام العالمي الذي سعت الولايات المتحدة لعقود طويلة على صياغته بهذا الشكل.

هل سيُطبّق القرار حقًّا؟

ما يبدو حتى الآن أنه سيُنفّذ بالفعل، على الأقل حتى حين، بالرغم من خروج عدة تظاهرات في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا حيث عبَّر عدد من المسؤولين عن قلقهم من القرار الذي اتخذه ترامب، والذي يستهدف اللاجئين المسلمين بشكل أساسي، بالإضافة إلى التوابع، والتي قد تلحق الضرر بأمن الغرب بسبب القرار.

ويعتقد المسؤولون، بحسب صحيفة الجارديان البريطانية، أن القرار جاء بدافع أيديولوجي داخلي لترامب، ودون الرجوع والتشاور مع وزارات الدفاع، والعدل، والأمن الداخلي، والذين كانوا بالطبع سينصحون ترامب بالتراجع عن هذا القرار، لما سيكون له من آثار على العلاقات الخارجية الأمريكية، فضلًا عن المخاوف الأمنية والالتزامات القانونية في البلاد.

من جانبها، أكّدت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن القرار غير قانوني، لأنه يتعارض مع القواعد المنصوص عليها في الدستور الأمريكي، والقوانين الموجودة في الولايات المتحدة، والتي صدرت منذ عقود طويلة، والتي تنص على مكافحة التمييز ضد اللاجئين والمهاجرين على أساس العرق، أو الجنسية.

وبحسب القرار فإن المخرج الإيراني الأشهر، أصغر فرهادي، والذي ترشح فيلمه الأخير The Salesman لجائزة الأوسكار ضمن قائمة الأفلام بلغات أجنبية، لم يعد قادرًا على حضور حفل توزيع الجوائز في 26 فبراير (شباط) 2017 القادم.

وبالإضافة إلى التظاهرات، فقد واجه عدد من الأفراد حالات اعتقال وتوقيف في مطارات الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذًا للقرار، وقد وصل إلى ترحيلهم مرة أخرى إلى البلاد التي جاؤوا منها قبل التوجه للولايات المتحدة.

كان من ضمن هؤلاء، الصحافي البريطاني علي حمداني، الآتي من أصول إيرانية، والذي تم توقيفه على الحدود الأمريكية لمدة ساعتين تنفيذًا للقرار، وتعرض للتفتيش حتى لهاتفه النقال، والحاسوب النقال الخاص به أيضًا.

كما تعرضت شابة سورية تُدعى نبيلة الحفَّار، والتي تعيش في فرجينيا، لموقف مشابه، إذ احتجزت في مطار دالاس، ورُحّلت مرة أخرى إلى قطر، وهي الدولة التي كانت قادمة منها نبيلة. كما تم التحفظ على تأشيرة الدخول الخاصة بها، وعقد زواجها.

ترحيلي من الولايات المتحدة الأمريكية …يوم ٢٧/١/٢٠١٧ توجهت إلى مطار الدوحة عائدة إلى منزلي في فرجينيا.كما هو الحال ف…

Posted by Nabila Alhaffar on Sunday, 29 January 2017


تعليقات الفيسبوك