بعد وصولي إلى دبي في العام 2014 تحديدًا الخامس من أكتوبر لهذا العام، وعلى نحو ما يقرب من ستة أيام ما كان مني سوى تفقّد المنطقة التي أسكُن بها (شارع الرقّة)، وهو من الأحياء القديمة والذي يُعتبر مركزًا لتجمّع دول العالم بمختلف جنسيّاتها كما هو الحال في معظم أحياء دُبي والشارقة، لكن ما كان يُميّز هذا الشارع العتيق مقارنة بتاريخ الإمارات كدولة هو تجمّع الجاليات، فمن السهل أن تتعرف على الجاليات ومراكز تجمعها والفنادق والمطاعم والمقاهي التي بإمكانك أن تجدهم فيها يقومون بكافة أنواع الترفيه والمرح.

استهواني مقهى – بسيط –  يُدعى (لابينزا) لمالكه الإيراني الذي يتحدّث العربية على استحياء، هو مقهى أشبه بمقاهينا في مصر والتي تركت البصمة الشعبية وتحوّلت مع الوقت كي يُزينها بعض الملامح الغربية التي تتناسب مع متطلبات الأجيال الشابّة، فتُصبح تلك الأماكن أكثر أُلفة بالنسبة لهم، فُهناك شبكة إنترنت، و(الشيشة) بكل أنواعها واختلافاتها العربية (التي بالأساس لا تختلف عن بعضها البعض الكثير)، وثلاجة الـ Cakes، ولأن صاحبها الإيراني يتعمّد في سياسة إدارته لهذا المكان استقطاب الجالية العربية، فلم يخلُ المكان من كافة الألعاب المُسليّة كالطاولة والدومينو والورق.

قابلت على مدى 6 أيّام أغلب الجاليات العربية، هذا كان أمرًا بالنسبة لي ليس بالبسيط، المصري بدمه الخفيف وطيبته اللذين يُظهرانه بأنه لا يهتم لأي شيء سوى تمضية الوقت والضحك، التونسي الراقي فهنيئًا لهذا الشعب، هُم يتفقون على لهجتهم المميزة ويعتزّون بها بالإضافة إلى احترامهم المتبادل فيما بينهم، الفلسطيني الذي لا تكاد تشعر بأنه فلسطيني إلا إذا تفحّصت جواز سفره، فهو مصري ولبناني وأردني وتونسي، بل ومغربي أحيانًا وسوداني بعض الوقت، باختصار هو صديق لكل العرب. قابلت الكثيرين من الجاليات العربية، لكن لم أجد أثرًا لأي سوري بهذا المقهى.

هل من المعقول أن لا أثر لهم؟ هل يتم إقصاؤهم هُنا أيضًا وسط تلك الجاليات العربية؟ أم أن لديهم مكانهم الخاص! هل كل العرب هؤلاء لا يشغلهم أمر سوريّا ولا أهلها؟ أم أنني محض وافد أبله أتى حديثًا ولا يعلم شيئًا عن المكان؟

سألتُ عبد الوهاب (عامل الشيشة المصري) أجابني: “سوريين! لا محدش منهم بييجي هنا. أنا بقالي هنا 3 سنين مشوفتش ولا واحد سوري دخل المكان”.

قمت بجمع حاجياتي قبل أن أحتسي القهوة التي مازالت ساخنة ولم يتم صبّها بعد، أشرت لتاكسي، طرقت الباب فتح ربيع (صديقي التونسي في الغرفة). “إزاي مفيش سوريين في دبي؟ أنا هتجنن”. لم يُعرني ربيع أي اهتمام خصوصًا أنه كان يغسل أسنانه والفرشاة تملؤ فمه الصغير.

بعد ساعتين:

“علاش النواح!” قال ربيع، وأشعل سيجارته قُرب الشباك بعد أن أيقظنِي من قيلولة سريعة. “جوم غير تيابك” هكذا أردف.
بالشورت القصير ونظّارته السوداء أدار ربيع موتور سيّارته ولحق بي عند ناصية الشارع، ثم توقّف بنا أمام بناية استهلكنا ما يقرُب من 40 دقيقة حتى وصلنا لها، لا أتذكر اسم الحيّ فهو يُشبه تلك الأسماء الخليجية التي لم أكترث لحفظها قط، تقدمني لدخول بوابة المكان، على باب الشقَة هُناك لافتة مكتوب عليها (DW Island)، فتحت الباب صديقة ربيع في العمل (زينة 37 عامًا، سورية جميلة جدا) رحّبت بربيع ولم تُعرني اهتمامًا (بختي مايل كالعادة).

ترن ترن (رنة موبايل ربيع) “حاضر يا بغل أنا في الطريق!” نظر لي ربيع: “أنا زهقت من السُكنة دي، واحد جديد في البلد مبهدلني معاه، والتاني لا راحمني بسبب شخيره في الليل ولا راحمنا بالنهار بسبب نسيانه لمفاتيحه، حاجة تقرف يا أخي”. هو يقصد (بشّار) صديقنا الثالث في الغرفة (أردنيّ قومي يدين بالولاء لملك بلاده ومعارض للثورات العربيّة بشدة يقول أغلب الأوقات أنها سبب خرابنا) طلبت من ربيع ألا يُخبره أنني هنا ووافق.

“لمَ تبحث عن السوريين!” بلهجة عربية فصيحة سألتني زينة، راودني تردد وخوف المراهق أمام كُتلة الأنوثة تلك لوهلة، ثم تشجّعت وأخبرتُها أني لاحظت في محيط سكني غالبية الجاليات العربية إلا الجالية السوريّة، ضحكت ثم سألتني ماذا أشرب أجبتها قهوة، أشعلت سيجارة وأخذت أستحضر شجاعتي أكثر وأكثر، “تفضّل قهوتك” – “شكرا” – “من سنة الـ 2011 وأهلنا مشردين بكل البلدان، أنا هون من قبل الثورة السورية.

ولما قامت الثورة استقدمت أطفالي وأمي، اللي ما عاد إلي غيرون بالدني، بشّار أوووووف، شرّدنا الجبان، اسمع خيي، إذا بدك تعرف عن السوريين بالإمارات أنا بخبرك، الإمارات هي وجهة السوريين الأغنيا اللي بتساعدون مصاريهون على الإقامة بعاصمة مرتفع مستوى المعيشة بيها متل دبي، أما الغلابة الله يحفظهن وهن كتار بيروحوا ع الأردن أو مصر ولبنان أو بالبحر بيشقوا طريقن، إما للموت أو لشطآن دول جنوب أوروبا، فش أي طريق تا نطمن ع أهالينا بسوريّة، إلا بس بنستعيد أجواء دمشق وحلب بالمطاعم والمقاهي السوريّة اللي أنشأها رجال الأعمال السوريين اللي نزحوا ع دبي، كمان ملامح كتير بدبي بتشبه أسواق سوريّة القديمة، الله يعوضنا.

بتعرف اللافتة اللي على الباب؟! شفتا؟DW Island  خلق هالمطرح ليكون نادي لهالشبكة المحترمة كتير واللي عندا إنسانية أكتر من شبكات عربية كبيرة، هالقناة الناطقة بالعربية خصوصًا بترعى أخبار وحاجيات اللاجئين كمان بتنقل الصورة عن أهلنا ياللي بعدون مش قادرين يخرجوا من كواليس الحرب والموت، بدك قهوة كمان؟” – “لا شكرًا الوقت إتأخر ولازم أروّح”. – “لك انطرني وأنا رح آخدك بطريقي أصلا إتأخر الوقت وصار الكل لازم يروح”.

أمام فندق فخم يواجه البناية التي أسكن فيها، والتي لا تتشابه معه بالمرة، طلبت منها أن توقف سيّارتها (الفارهة جدا) “شكرًا زينة على التوصيلة”. – “ولك أنا اللي لازم أشكرك، إلي سنين بدبي ما قابلت حدا مصري ولا غير مصري مهتم هيك متلك، عن جد بتشكرك كتير”. كنت على وشك أن أعطيها دروسًا ومقدمات في القومية العربية التي تظهر عليّ أحيانًا على الرغم من عدم إيماني بها، فهي محض أكذوبة ضيّعت الشعوب العربيّة وكانت نافذة لبناء حكومات عربيّة متفحلّة وحكام عرب أساؤوا للعرب وللفكرة، “إزاي أقدر أتابع أحوال السوريين بشكل منصف دايمًا، أكيد إنتي سورية وعارفة”. – “كنت أتمنى أحكيلك عن هيئة أو جمعية أو قناة فضائية تنتمي للعرب تا تكون سبيل نعرف منا كلنا أخبار أهلنا هناك، لكن صدقني ما في حدا بيهتم أبدا متل DW، بشوفك على خير إيهاب، سلملي ع ربيع..  باااااي”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك