أحمد سامي
أحمد سامي

1,326

لم يعد هناك شك الآن أن ظاهرة الإلحاد التي تفشت في المجتمع العربي والإسلامي في الآونة الأخيرة بقدر ما هي مؤلمة وصادمة فما ألمها إلا كألم مشرط الجراح في الجسد المريض ليُبرِأه وما صدمتها إلا كصدمة الكهرباء في القلب الخامل لتوقظه.

الأصولية الدينية متمثلة في معظم السلفيين والوهابيين ومن لف لفهم ما هي إلا زيادة في الدين، والإلحاد أو التشكك بكل ضروبه ما هو إلا نقص في الدين. والزيادة في الدين كالنقص فيه، فيشاء السميع العليم أن يضرب الزيادةَ في الدين بالنقص في الدين فيدمغهما جميعًا.

احتددت مع الكثير من أصدقائي بسبب جدالاتي مع الملحدين على مواقع التواصل الاجتماعي لأنهم أشفقوا على بسطاء المسلمين من مطالعة آراء الملحدين فيُفتَنوا في دينهم. وأنا أقول أنّ من يستسلم للفتنة في أثمن ما يملك لمناظرة قرأها إنما امتلك من الإيمان أوْهَنَه وما عرف اللهَ علمًا ولا عبده حقًا إلا على حرف وإن الله ليس بحاجة لمن يعبده على حرف، ولا يرتضي للمؤمنين ذلك، بل الأولى لكل مسلم أن يعبد الله على عقيدة صلبة راسخة أصلها ثابت وفرعها في السماء لا يهزها ريح الإلحاد بل ينفض عنها غبار الزمن ويُذهِب ما اعتلاها من زبد.

ولو كان مراد الله هو جمع السواد الأعظم من الناس على عبادته ولو جهلًا أو ضعفًا لما اختار أن يفتن “برصيص” الراهب المتعبد الذي عبد الله أربعين عامًا فلم يصبر عنه الشيطان فختم حياته بزنا وقتل وسجود للشيطان، لِمَ لمْ يتركه على ما كان عليه من عبادة عمياء وعقيدة مترهلة؟

لماذا كان القتلُ مصير العابد في قصة الرجل الذي قتل 99 نفسًا ومصير القاتل الجنة؟ ربما كان ذلك العابد هو أحد أسباب فساد تلك القرية التي يترك فيها القاتل بلا حساب، ربما كانت صورة الإله التي نقلها هذا العابد الجاهل لأهل القرية أكثر تشوهًا من هذا القاتل الحر الطليق. إن ذروة سنام الاديان هو معرفة الله سبحانه وهذا هو أصل الأصول، قال الله “فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”.

كل مؤمن مطالب أن “يعلم” أنه لا إله إلا الله، والعلم (أو المعرفة) هو المرحلة التي تلي الاعتقاد، وتتحقق بأن يرتكز هذا الاعتقاد على براهين قطعية أو أدلة مزيلة للشك بأسانيد عقلية ومرجحات وجدانية وليس العلم بالله بأن أرث الدين ترِكةً لمجرد أنني ولدت لأسرة مؤمنة. تناولت هذا الطرح في الفيديو التالي الذي أسميته “هل حقًا اخترت دينك؟”.

الغاية هي معرفة الله بصفاته وكماله وجلاله سبحانه فإن لم تعلم الله حقًا فما حققت مراد الله حتى ولو عبدته أربعين عامًا بل ربما تكون أكثر ضلالًا وإضلالًا من الكافر أو الملحد. فربما أنكرَ الملحدُ وجود الله لأنه لم يعرفه حقًا وربما عرفه يومًا ما، أما العابد الجاهل فقد اطمأن بما ظنه خطًا معرفة بالله، وما عرفه حقًا فضلّ وأضل الناس فربما سخط الناسُ على الله بما أضلهم العابد عنه.

قال الله “أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ”.

بعد أن تعرف الله حق المعرفة يتأتّى لاحقًا معرفة مراد الله من الخلق وهو العبادة واستعمار الأرض وتبليغ دعوة الله وتحقيق العدالة وإقامة الحق وتشكيل منظومة متينة من القيم والأخلاق.

الإصطدام بالفكر الإلحادي كان له بعد الله فضل عليّ في تنمية مداركي واطلاعاتي وزيادة يقيني بالله سبحانه وتعالى وبديني الإسلام، وأدين بالفضل لكل أصدقائي الملحدين في ذلك. الإلحاد في جسد مجتمعنا هو كالوعكة الفكرية التي لايمكنها أن تقتله بل تزيده قوة.

بل إني أزعم أن الإلحاد أو التشكك كفكرة لابد أن تكون دائمًا موجودة فمِن رحم الشك يولد اليقين، وما تقدمت العلوم الحديثة إلا بالشك، فالشك هو أحد الروافد الرئيسة لنهر اليقين. وفي الصحيحين ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: “نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم”.

وحسبُ كل من ألحدَ (عن وعي) من الشرف الشك، فالشك هو شرف العقل، والشك هو بحر المعرفة والعقل سفينته، فربما كانت السفن آمن ما تكون على الشاطئ ولكن ما لهذا صُنعت السفن.

فلا تخف عزيزي المؤمن من الشك، فلا يجدد إيمانك ولا يصقله إلا الشك، ولكن إياك ان تتوقف عن البحث والتحري المخلص والتفكّر في الكون وفي خلق الله وفي نفسك.

قم وانفض عن كل معتقداتك ما راكمه عليها الزمن من غُلُفٍ سميكة قطعت حبل الاتصال بينها وبين عقلك فصارت في هوة سحيقة من شخصيتك تحارب كل محاولات حتى التواصل معها أو نقدها. المؤمن الراسخ لا يضع رأسه في الرمال بل يدس في الرمال كل مخاوفه ويرفع رأسه عاليًا ويصيح جهورًا فخورًا بأن عرف الله بعقله قبل أن يؤمن بما لم يحط به علمًا من الغيب.

لا تعبد الله على حرف وكن قويًا في إيمانك، ولا تستقِ دينك من الحفاظ الجهلة الذين اختزلوا الدين في اللحى والجلباب والحدود. فمصير العباد الجهلة هو الفتنة في جميع الأحوال. إن الله سبحانه هوالرزاق ذو العزة القوي المتين أحكم مما يمكن أن يدركه عقلك المحدود وإن هذا الدين متين، ووالله لن يشادّ هذا الدين أحد إلا غلبه و ليس في صحيح ديننا ما نستحي منه.

قال الله: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ”.

ليست هذه دعوة للاطلاع على أفكار الملحدين، بل هي دعوة إلى القيام برحلة من الاعتقاد الظني الموروث إلى المعرفة، والمعرفة كنز والرحلة كنز آخر، دعوة إلى معرفة الله بالعقل قبل النقل وقبل الإيمان الغيبي، دعوة إلى الانفتاح على كل التساؤلات ومواجهة التشككات، فليس أشد ألمًا من الصمت عن ألم الشك في القلوب، أما آن لتلك القلوب أن تطمئن بمعرفة الله حق المعرفة؟ لقد كافئ الله الرجل الذي قتل 99 نفسًا بالجنة لإخلاصه في البحث عن الله ودين الحق ولو لم يصل.

قد يزيد الإيمان وقد ينقص فلا تحزن أخي المؤمن واستمر في تحرّي الحقيقة وتواضع لها ولا تُقصِ أحدًا ولا تشخصِن رأيًا ولا تسمم نبعًا للأفكار فإنما يخرج اللبن من بين فرث ودمٍ، وقد يجري الله الحكمة على لسان أيٍّ من خلقه مهما تواضع علمه أو تضاءل قامة وقيمة، وقد ينصر الله دينه بالفاجر والفاسق وربما بالكافر فاسمع من الجميع واعقل كل ما تسمع.

فالعقل أساس النقل والحاكم عليه، وثق بالذي خلقك من قبل ولم تك شيئًا فلن يضيعك وهو سبحانه خالق الشك وخالق اليقين وخالق العقل وخالق الإدراك وهو أعظم وأكرم من أن يضيّع جهد المجتهدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك