مجيب الرحمن عامر
مجيب الرحمن عامر

515

عندما ترى كتابًا عن القاهرة، فلا بد أنك ستجد داخلك شغفًا كبيرًا لمطالعته ولو كنت من سكان هذه المدينة العجيبة، فالقراءة عن القاهرة ممتعة ومتنوعة الأوجه، سواء تناولتها تاريخًا أو مجتمعًا أو ظواهرَ، كان ذلك شعوري وأنا أطالع كتاب “مدينتي القاهرة” ليورج أرمبروستر وسليمان توفيق عن دار إيسفيلد وتروب بشتوتجرت بألمانيا Edition Esefeld & Traub, Stuttgart 2014. وكتاب القاهرة مدينتي هو الكتاب السادس في هذه السلسلة، سلسلة المدن الرئيسية العالمية بعد نيويورك وموسكو وحلب وطوكيو وسانبولو كما أن كتاب مدينتي القاهرة هدية للمصريين الذين أثبتوا بشجاعة قدرتهم على تغيير بلادهم للأفضل.

والكتاب عبارة عن مقالات مجمعة بلغات ثلاث: الألمانية والإنجليزية والعربية لعدد من المحررين من المعماريين والأكاديميين فضلاً عن بعض الأدباء مثل الأديب مكاوي سعيد “ستون كاتبًا وكاتبة نصفهم تقريبًا من مصر والنصف الآخر من ألمانيا” كما جاء في مقدمة الكتاب كما ترصد عدستا هالة القوصي وباربارا أمبروستر مشاهد حية مجهولة من داخل القاهرة لتشمل “المناطق السحيقة في مدن البنايات العملاقة التي تبدو كأنها حزام للمدينة التاريخية النامية”!

لا يتناول كتاب مدينتي القاهرة توصيفًا معماريًا فقط أو وصفًا أدبيًا إنما يضع القارئ أمام سلسلة من المشاهدات العمرانية والمجتمعية والسياسية للقاهرة في السنوات الأخيرة، لا سيما السنوات الثلاث التي أعقبت ثورة يناير، كأن الكتاب تحقيقٌ شاملٌ يستكشف القاهرة “وهي التي تغوي زائرها وتغريه دومًا باستكشافها فهي المدينة التي لا تُقهر وهي مدينة عالمية بامتياز، مليئة بالتعدد والتناقضات والتوتر”.

هكذا تأخدنا مقدمة الكتاب بقلم محرريه الرئيسين إلى سحر القاهرة الغامض “التي وصفها ابن خلدون بأنها عاصمة الكون وجنة الدنيا”، وتنقل لك أحاسيس الزائر بين الضوضاء والزحام وعثرته فوق الأرصفة المتصدعة وضيقه بحرارة الجو الكامنة بين أخاديد البيوت، ثم تنتقل المقدمة إلى “الصراع اليومي” داخل القاهرة ولعل المقصود به صراع الكادحين من أجل الخبز، ويذهب المؤلفان أن هذا الصراع اليومي هو جزء من الكتاب وهو ما سنعرفه في حينه.

وتأخذنا صفحات الكتاب إلى تجارب ذاتية ومشاهدات جديرة بالتوقف عندها من عمق القاهرة، لعل أفضلها مقالة مريم كاير غاوتشي وغونتر تسولر وهما يصفان زيارتهما لبيت المعماري العالمي حسن فتحي بالقلعة من أول التيه في شوارع القاهرة “سرنا بين المشي والركض في الأزقة الضيقة…، متاهة من الشوارع والروائح والألوان، باحات متداعية، فوضى، ثم وجدنا أنفسنا أمام البوابة”، ثم يدلفان إلى المنزل من الداخل فيصفانه “دخلنا عالمًا آخر، فناء صغير، جدران بيضاء، خضرة، زهور، واحة للسلام في خضم القاهرة القديمة الصاخبة…، عدد قليل من الطلاب يرسمون على لوحات خشبية كبيرة وهم راكعون، موسيقى كلاسيكية، شاي وكعك، طمأنينة خالصة”.

ويرسم بعض الكتاب صورة طريفة عن القاهرة من خلال النمط المعيشي لأهلها، فنجد “القاهرة كمدينة تحب أن تعيش بمزاجها رغم أي شيء! ذلك لأنها لا تكرر مشاهدها، لكل لقطة مزاجها”، ونجد “أن أكثر ما يبهج القاهرة وأهلها أن يفعلوا على مزاجهم، بطريقتهم، وعندها يبدعون حتى في أصغر الأشياء وأبسطها حتى يروق المزاج بأبسط الأشياء، مثل كلمة حلوة، غمزة عين لعوب…، وعندما يبتهج المزاج فكل شيء يبتهج”، هكذا يرى محمد الفخراني أحد الكتاب وهي صورة طريفة على غرابتها وإن لم يقدم لنا الكاتب تفسيرًا – خصوصًا للقارئ الأجنبي – لهذه الحالة المزاجية وإن كان قد أورد تعريفًا مقبولاً له “أن يمارس الشخص تفاصيله الصغيرة على طريقته”.

كما أن من أطرف التشبيهات في الكتاب ما جاء بمقال “القاهرة قطة.. تجوب شوارع القاهرة” لخوريه ف.أ.أوليفر. ففيه ينسج الكاتب صورة طريفة عن القاهرة في صحوها ومعاشها ونومها كأنها قطة تدخن السجائر وتحمل على كتفها سجادةً وورعًا، وهي أحيانًا “تجلس مرتجفة على جناح فراشة، وتتمايل بلطف كأنها على كرسي هزاز”!

وتناولت مقالات الكتاب أحيانًا الحالة الثورية في مصر 2011-2013، ولكن حملت قدرًا من المبالغة كأنها تتحدث عن مجتمع غير الذي نعرفه، مثلًا في مقدمة مقال صحف الحائط والثورة لسيدريك ريمان يبدأ بذكر حوائط القاهرة التي تحكي تاريخ النضال السياسي في العامين المنصرمين، ثم يصف لوحة بديعة في شارع محمد محمود على حد زعمه “تصور رجلين في عناق غرامي، يتبادلان القبلات” وتحتها تحذير باللغة الإنجليزية “معاداة المثليين فعل ضد الثورة”! وليت شعري متى شاهد الكاتب هذه اللوحة الغريبة؟

ثم ما هي العلاقة بين معاداة الشواذ والثورة أو بالأحرى ماذا يربط ظاهرة أخلاقية غريبة عن المجتمع المصري بثورة شعبية قامت من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية؟ وهي تساؤلات بسيطة لم يجب عنها الكاتب إذ تحدث في سائر مقاله عن الاحتجاجات المرسومة على حوائط القاهرة “كمسرحية يؤدي فيها الشعب دور البطل التراجيدي”.

وفي مقال محمد خير تجد نفسك ضمن رواد أحد المقاهي التي تقدم خمورًا ثم يتعرض المقهى لتفجير إرهابي ولا يُستدل على الفاعل عن تقصير وتواطؤ! وهو مقال على هيئة قصة قصيرة تحت عنوان “في أي وقت” وقد يفهم القارئ أنها جملة افتتاحية لما تلاها من الجمل، أو جملة ذات مغزى عن الأمان في مصر وربما يريد الكاتب أن يقول “قد يحدث ذلك في أي وقت”!

غير أن من أكثر الكتابات غرابة وغموضًا في الطرح مقال “كان إخناتون سيفرح” لسونيا ذكري، وفيه ربطت الكاتبة – في سياق حديثها عن إسقاط النظام في يناير – حسني مبارك بإخناتون الذي وصفته بأنه “الفرعون الزنديق الذي أمر بنزع كوكبة الآلهة الملونة من المعابد، ثم في وقت لاحق تم محو صورته من ذاكرة مصر، نُزعت خرطوشته ودُمرت صورته”، لم أفهم حقيقةً وجه الشبه بين إخناتون صاحب أول ثورة دينية في العالم وبين مبارك المخلوع، كما أنه معروف للعوام أن إخناتون لم يطرد الآلهة من المعابد إنما هجر عاصمة ملكه ليؤسس عاصمة جديدة يتعبد فيها لإلهه الواحد “آتون” المرموز له بقرص الشمس، ومعروف أيضًا أنه لم تنمحِ آثار تجربته الفريدة في مصر رغم محاولات طمسها، وهي حكاية لا يتسع لها المجال ولكن الخلاصة أنه لا يوجد وجه واحد للشبه بين إخناتون ومبارك اللهم إلا أن كليهما قد حكما مصر في زمنين مختلفين.

وفي أواخر صفحات الكتاب يصدمنا مقال مدن الموتى لمارتن موزيباج، وفيه نجد وصفًا صادقًا لحال مقابر القاهرة التي يزاحم أمواتها أحياؤها “مدينة الموتى لا تدل على مقبرة، شوارعها تشبه شوارع القرية الصامتة، من بين تلك القبور قد يخرج طفل صغير أمامك، ترعرع في جو ودي في العالم السفلي”!

إلا أن وصف الكاتب يتخلله المبالغة والانفصال عن الواقع أحيانًا فنجده يواصل: “لم أر في أي مكان آخر مثل هذا الوجود السلمي للموتى في حياة أحفادهم” ثم يتخيل وجود مقهى بين القبور يستطيع فيه أن يضع كوب الشاي على قبر فيدخل بذلك إلى “فضاء يتزامن فيه الماضي والحاضر” وعندئذ يمكن لهذا المكان أن يكون بيته! وهو تصور غير مألوف لم يكن ولا ينبغي أن يكون صحيحًا أن سكان المقابر أكثر من ساكنيها لكنه مجرد عرض لمرض الانفجار السكاني وليست ضربًا من التفلسف ولا هو جنوح إرادي إلى التأمل الوجودي لسكان المقابر مثلما يتصور كاتبنا، ولا ريب أنه لم يبت ليلة بين المقابر أو بالأحرى بين أفراد أسرة أفرادها يزاحمون الموتى.

كتاب مدينتي القاهرة جدير حقا بالاقتناء والقراءة، ربما ترجع جدارته لروعة الصور التي نراها بين كتابات المحررين، وربما ترجع لهذه الكتابات نفسها على تكلف بعضها بالمبالغات، نتيجة لعدم معايشتهم الفعلية لسكان القاهرة، وهو يحمل إلينا مشاهدات مختلفة متنوعة من وجهة نظر مشاهديها من المصريين والأجانب، وربما لو كنت بمكان القائمين على الكتاب لكنت أعطيته عنوان “القاهرة في أعين أوروبية” ولن يضير مع ذلك أن يشارك في العمل أقلام مصرية معايشة للواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك