1,523

في السطور التالية سأتكلم عن فيلم Cache وسأحرق أحداثه كلها تقريباً. من ينوي مشاهدة الفيلم فليتوقف عن القراءة هنا.

في فيلم ( خفي Caché)، نرى أسرة فرنسية من أب وأم وابن مراهق تتلقى شرائط فيديو تعرض تسجيلا لمراقبة منزل الأسرة من الخارج. لا شيء يحدث سوى المارة يمشون في الطريق أمام المنزل وأهل البيت وهم يدخلون ويخرجون. الشرائط تثير شعوراً بعدم الارتياح، لكنها غير مؤذية.

تدريجياً يتطور الأمر. تصير الشرائط مصحوبة بصورة مرسومة باليد لشخص يخرج من فمه شيء أحمر يشبه الدم، ثم تظهر لقطات تظهر شوارع مختلفة و عنوان معين.

يذهب رب الأسرة، جورج، للمكان، العنوان شقة بسيطة في مبني ضخم مليء بالشقق الصغيرة منخفضة المستوى، ليجد فيها شخصاً ما كان يعرفه في الماضي. الشخص ينكر أنه يعرف أي شيء عن الشرائط.

يعود جورج و يحكي لزوجته عن الأمر الذي أخفاه علي مدى عشرات السنين. في الستينات كانت هناك أسرة من أصل جزائري تعمل في المزرعة التي تربى فيها جورج. حدثت مواجهات بين الفرنسيين من أصل جزائري و الشرطة الفرنسية، في أحداث تعرف اليوم باسم (مذبحة باريس)، قتلت فيها الشرطة عددا كبيرا منهم، كان من ضمن القتلى الزوج والزوجة العاملان في المزرعة. صار ابنهم ماجد يتيماً فشعر أهل جورج بالشفقة عليه فقرروا تربيته.

المشكلة هنا أن جورج صغير السن، عمره ست سنوات، وجد طفلاً آخر يقاسمه حياته، وبالأخص يقاسمه غرفته. الأطفال ليس لديهم ضمير، بالتالي حاول أن يدعي أن ماجد يسعل دماً، ليظن أهله أنه مصاب بالسل؛ لكي يتخلص منه أبواه، إلا أن الأبوين طلبا طبيبا كشف على الطفل ليجد أنه سليم. بالتالي قام جورج بالحيلة التالية.

أخبر جورج ماجد أن أباه يأمره بذبح الديك، المزرعة كان بها دواجن وبها ديك شرس ينقر الناس. لم يشك ماجد في الأمر وقتل الديك، بالطبع الطفل لايجيد الذبح لهذا تناثرت الدماء علي جسده، هنا هرع جورج لأبويه صارخاً أن ماجد قتل الديك؛ لكي يخيفه.

هنا تخلص الأبوان من ماجد، ظنا أن الطفل مختل بشكل ما، أو خافا منه، فأرسلاه لإصلاحية أو دار رعاية.

لابد أنك قد خمنت أن ماجد هو الشخص الذي يعيش في الشقة البسيطة المتواضعة. صارت فرصه في الحياة أقل بعد أن انتقل من رعاية أسرة لرعاية الحكومة، ونشأ بدون تعليم مناسب و ظل فقيراً بدون ذنب منه، لكنه يصر على أنه لا يعرف شيئاً عن هذه الشرائط.

يخرج الابن المراهق الناقم علي أبويه ككل المراهقين ولا يعود للبيت في المساء. التفسير الأولي الذي يقفز لذهن جورج هو أن ماجد اختطف ابنه انتقاماً منه شخصياً. ذهب للشرطة التي ذهبت لمنزل ماجد واعتقلته. ابن ماجد، مراهق آخر، حاول الاعتراض فاعتقلته الشرطة مع أبيه. لا يوجد دليل على الاتهام بالتالي تم إخلاء سبيلهم بعد يوم واحد. بعدها يظهر الابن المراهق الذي يتضح أنه كان عند واحد من أصدقائه دون أن يخبر أهله. لكن جورج لا يعتذر لماجد.

بعدها يتلقى جورج مكالمة من ماجد يطلب لقاءه لتوضيح موضوع الشرائط. يذهب إليه جورج فيخبره ثانية أنه ليس له علاقة بالأمر. يسأله: “لم طلبت لقائي إذاً؟” فيقول له: “أردت أن ترى هذا بنفسك”، ثم أخرج سكينا ذبح بها نفسه أمام عيني جورج المذهولتين.

يذهب ابن ماجد لجورج، يسأله إن كان يشعر بشيء من تأنيب الضمير؛ لأنه السبب في حياة ماجد البائسة، فيصر جورج علي أنه لم يخطئ، وأنه ليس له دور في معاناة ماجد و ضميره لا يشعر بشيء. نحن نعرف أنه يعاند و يكابر بالطبع. هو متوتر و بداخله يشعر أن له دوراً هاماً في هذا، لكنه يحاول أن يبدو صلباً.

في المشهد الأخير في الفيلم نرى إبن ماجد يذهب لابن جورج في المدرسة، يتكلمان قليلاً ثم يمضي كل منهما في اتجاه. لا نعرف من المسئول عن أشرطة الفيديو هذه، عموماً مايكل هاينكه، مخرج الفيلم، معروف بأنه لا يحب النهايات المغلقة المحددة و يري أنها مفتعلة، الحياة بها الكثير من الأشياء التي لا نعرف أصلها بالضبط ولا تنتهي نهاية محددة كالأفلام.

عندما تكلم هيكل عن أمريكا قال إنه يحسد أمريكا لأنها دولة عندها الكثير من الجغرافيا والقليل من التاريخ. التاريخ كثيراً ما يكون عبئاً على الأمم، يلقي بظلاله علي كل شيء و يجعل أي تحرك إيجابي مستحيلا.

الآن يمكننا أن نفهم معنى إسم الفيلم . الفيلم يتكلم عن الجوانب الخفية الغير واضحة في المجتمع الفرنسي، الوزن التاريخي الذي لا يظهر بالنظر البسيط، والذي يلقي بظلاله علي الحياة.

في فيلم Caché نرى التاريخ حين يؤثر علي حياة المجتمع الفرنسي، الأحداث التي حدثت في الستينات ما زالت تؤثر علي أسرة فرنسية تعيش اليوم. بالطبع جورج كان مخطئاً لكنه كان طفلاً، الوضع كله كان متوتراً، مقتل أبوي ماجد، التوتر تجاه الجزائريين، كل هذا ساهم في أن تدمر كذبة من طفل غيور حياة طفل آخر، و قد امتد أثر هذا لأسرتيهما، شعور بالذنب من جانب يحاول إخفاءه بالكبر والصلادة وشعور بالظلم من جانب آخر. يمكننا أن نستنتج ما الذي قاله ابن ماجد لابن جورج في المشهد الأخير في الفيلم رغم أننا لم نسمع الحوار. أبوك تسبب في بؤس أبي طوال حياته و انتحاره في آخرها. العبء التاريخي سينتقل للأحفاد و ستستمر هذه السلسلة اللعينة.

في عام 2005م حدثت مظاهرات وأعمال شغب في فرنسا. معظم المتورطين فيها 3000 شخص اعتقلتهم الشرطة الفرنسية، كانوا مسلمين، لكن الشرطة الفرنسية تري أنه لا يوجد دافع ديني وراء هذه الأحداث. هذه الأحداث هي واحدة من أصعب الأحداث في تحليلها، واختلف الناس حولها كثيراً. السبب هو أنه على الرغم من أن معظم من شاركوا فيها كانوا مسلمين من مناطق فقيرة، إلا أنهم بدءوا بتدمير مسجد، وبالتالي فإن الشبهة الدينية غير موجودة. أعمال الشغب تركزت في المناطق الفقيرة وكانت كلها تدمير، لا يوجد الكثير من السرقة والنهب. بالتالي نحن أمام مجموعة من المسلمين الفقراء الذين لم يذهبوا لتدمير مساكن الأغنياء بل دمروا مساكن الفقراء و سياراتهم و ممتلكاتهم!

التفسير الوحيد الذي أراه منطقياً هو أن هذه الأحداث هي صرخة غضب كبيرة، غير موجهة لفئة معينة، صرخة فئة مهمشة تقول (نحن هنا). هذا من الأحداث التي يستدل بها علي أن الديمقراطية ليست كافية، تحكيم الأغلبية لا يعني أن تلغي فرص الأقلية في أن يكون لهم صوت وهوية مسموعة في المجتمع، أن يكون لهم وسيلة للترقي والازدهار بدلاً من أن تؤدي كل الطرق الإجتماعية والسياسية لأن يظلوا في مكانهم كفقراء مهمشين.

ما زال المجتمع الفرنسي يعاني حتي اليوم من العبء التاريخي للصراع بين المسلمين من أصل جزائري و الدولة، أولئك الذين ما زالوا مهمشين و يساهم ماضيهم في عدم قدرتهم علي الخروج من فئة إلي فئة أعلى، الفرص الضائعة التي أخذها منهم المجتمع الفرنسي لم يزل أثرها باقيا في جيل الأبناء و الأحفاد حتي اليوم، القتل الذي تم في الستينات لم يتم نسيانه بعد.

لاحظ أن كل هذا الكلام عن (مذبحة باريس)، كل الأفلام التجارية و الوثائقية و المسلسلات و التحليلات السياسية عن أثرها على المجتمع الفرنسي اليوم هو كلام عن مذبحة قتل فيها خمسون شخصاً فقط تمت عام 1961م، أي منذ ما يزيد عن خمسين عاماً. قارن هذا بمذبحة رابعة.

بالتالي يمكن بمنتهي السهولة أن نتخيل الوضع في مصر كيف سيكون في ظل العبء التاريخي الذي تمثله مذبحة رابعة، بكل ما سبقها و ما تلاها من أحداث، كل ما أدى إليها من تصرفات كل الأطراف بما في الإسلاميين. كيف ستمثل هذه الحادثة ولفترة طويلاً عائقاً للمجتمع عن أن يتحرك في أي اتجاه إيجابي. الآن صار عندنا تاريخ، و تاريخ ثقيل. الآن يمكن أن نفهم لماذا لن تضع مصر قدمها علي بداية طريق التحرك للأمام قبل عشرات السنين، حين يخف هذا الوزن التاريخي قليلاً، قبل هذا لا مجال لأي حوار من أي نوع ولا مجال لأن ينتقل أي طرف من معسكر لآخر أو من اتجاه فكري لآخر أقل تعصباً وتشنجاً.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك