2,728

” يُعد الانفجار الكمبري من أكثر الأحداث تميزًاً وإثارة للحيرة في تاريخ الحياة ” — ستيفين جولد، عالم حفريات

تعتبر السفينة بيجل التابعة للأسطول البريطاني من أشهر السفن على مدار التاريخ، ليس لأنها شاركت في عملية حربية، بل لأنها استضافت على متنها عالم الأحياء الإنجليزي الشهير تشارلز داروين في رحلة استمرت خمس سنوات  ١٨٣١ – 1836، لم يكن وقتها داروين مشهوراً، بل كان مجرد هاوٍ عنده ولع بصيد الطيور وتجميع الخنافس النادرة.

عندما شاهده والده د. روبرت داروين أول مرة  بعد عودته من الرحلة التفت إلى شقيقات تشارلز قائلاً: “عجباً! لقد تغير شكل رأسه تماماً”، كان هذا التعبير مناسباً تماماً كتعبير مجازي، لقد غيرت مشاهدات داروين في هذه الرحلة شكل تفكيره، وساهمت في تبلور نظريته التي نشرها بعد نحو ثلاثين عاماً  في كتابه ” أصل الأنواع ” عام 1859.

نادت نظرية  داروين بتطور كل الكائنات الحية منذ بدء الخليقة من بعضها، بحيث يتطور الكائن الأكثر تعقيداً من الكائن الأقل تعقيداً، وبحيث يتحول نوع إلى آخر عن طريق تغييرات (طفرات) عشوائية عديدة تحدث بالصدفة  وتتراكم  عبر الآف من الأجيال المتعاقبة على مدار ملايين السنين، هذه الطفرات من الممكن أن تكون ضارة أو مفيدة، فمن الذي يصطفي الطفرات المفيدة ويُنحّي الطفرات الضارة؟ هنا يأتي دور ما أسماه داروين بالانتخاب الطبيعي – Natural selection .

الانتخاب الطبيعي هو أن تتعامل “الطبيعة” مع الطفرات التي تقدّم لها، فتعمل  على تعزيز أو حذف ما يُستجد من طفرات من خلال استبقاء الأكثر تكيفاً مع البيئة واستبعاد الأقل تكيفاً، وهكذا فالانتخاب الطبيعي هو عملية عمياء غير خلّاقة (أي لا تُصمّم الكائنات)، بل عملية سلبية تعمل كمنخل فقط  بلا أهداف، لذلك أضاف داروين اصطلاح آخر للانتخاب الطبيعي هو: المحافظة الطبيعية على الصفات المُستجدة –  Natural preservation.

قاس داروين هذا الانتخاب الطبيعي الذي يؤدي إلى ظهور أنواع جديدة على الانتخاب الصناعي الذي يقوم به مربو الحيوانات لانتقاء السلالات الجيدة، مثل إنتاج خيولاً سريعة في مقابل خيول جر العربات أو أبقاراً مليئة بالدهن مقابل أبقار اللحم، لكن هذا القياس مضلل لأن الخيل تبقى خيلاً، فنوع الحيوان لا يتغير إلى فيل مثلاً، وإن حدث تزاوج بين نوعين مختلفين من الحيوانات فإن النسل الهجين سيكون عقيماً مثل البغل الذي هو نتاج تزاوج فرسة مع حمار، لم يحدث أن رأينا نوعاً يتحول إلى نوع مختلف تماماً، فكيف يمكن للانتخاب الطبيعي أن يؤدي إلى أنواع الكائنات العديدة التي تزخر بها الحياة؟ آمن داروين أن الانتخاب الطبيعي يمتلك هذه القدرة، ففي النسخة الأولى من كتابه أصل الأنواع كتب أنه لا يرى صعوبة في تحول الدب تدريجياً بالانتخاب الطبيعي ليصير حوتاً! كان الرابط الذي وجده داروين بين هذين الكائنين أن الدب يسبح في المياه وفمه مفتوح ليلتقم فرائسه، تماماً كما يفعل الحوت، لذلك ومع بعض التعديلات يُمكن للدب أن يصبح أكثر “مائية” في بنيته وعاداته ليصير حوتاً.

الانفجار الكمبري

يُعتبر التدرج في انبثاق الكائنات الحية من بعضها البعض أحد أهم أعمدة التطور الدارويني، تخيل داروين هذا الانبثاق على شكل شجرة متفرعة مثل شجرة العائلة التي تظهر قرابة الكائنات من بعضها وفقاً لتدرج تطورها من بعضها البعض، فمثلاً تطورت الثدييات من الزواحف والتي تطورت بدورها من البرمائيات، والتي غادرت هي الأخرى المحيطات بعد تطورها من الأسماك وهكذا حتى نصل إلى الكائنات ذات الخلية الواحدة، هذه التغييرات لا تحدث فجأة، لذلك يستلزم وفقاً لهذه الفرضية أن نجد الآلاف من الحلقات الوسيطة (الانتقالية) التي تخبرنا عن مراحل تدرج الكائن من نوع لآخر حتى وصوله إلى شكله المعروف الآن، فأين يمكن أن نجد هذه الحلقات الوسيطة؟

الحفريات هي آثار وبقايا الكائنات الحية القديمة المحفوظة في الصخور الرسوبية، وأهم الحفريات بالنسبة للتطوريين هي الحفريات المتحجرة التي تتكون عندما تتسرب المياه التي تحتوي معادن مذابة لتختلط بالمادة العضوية لكائن كالعظام، حيث تعمل المياه والمعادن المذابة على تحجر البقايا الحية مع بقاء الشكل بدون تغييير، لذلك إذا اعتبرنا أن  السجل الحفري عبر العصور الجيولوجية لكوكب الأرض هو المتحف الطبيعي الذي يسجل لنا تاريخ ظهور الكائنات الحية منذ بدأت الحياة، فإننا نتوقع أن نجد فيه ضالتنا من الحلقات الوسيطة التي حُفظت منذ ملايين السنين.

تم تقدير عمر كوكب الأرض بنحو 4.5 مليار عام، وإذا تخيلت معي أننا قمنا بضغط هذه المليارات الأربع ونصف إلى يوم مكون من 24 ساعة، فهل لك أن تخمن متى بدأت الحياة بعد بداية اليوم؟

بدأت الحياة منذ 3.5 مليار عام أي مع دقات الساعة الرابعة صباحاً وكانت على هيئة كائنات أحادية الخلية، سادت هذه الكائنات وقتاً طويلاً وحدها، قبل أن تظهر الكائنات البدائية متعددة الخلية في وقت متأخر من اليوم نحو الساعة 6:30 مساء، ثم فجأة في الساعة التاسعة مساء أي منذ نحو 540 مليون سنة فقط، وفي فترة زمنية لا تزيد عن 10 مليون سنة  أي ما يُعادل دقيقتين,  ظهرت الحيوانات معقدة التركيب لأول مرة على سطح الأرض، هذا الظهور المفاجئ لهذا التنوع الأحيائي المذهل كان من السرعة بحيث أنه كان أشبه بالإنفجار.

كان العصر الجيولوجي الذي حدث فيه هذا الانفجار الأحيائي هو العصر الكمبري، لهذا سميت هذه الظاهرة بالإنفجار الكمبري – Cambrian explosion ، وعلى إثر الانفجار الكمبري ظهرت  الشعب الرئيسة المتنوعة –  Phyla  للملكة الحيوانية، لم يكن المظهر الخارجي لهذه الكائنات مطابقاً للمجموعات الحديثة من الحيوانات كالحشرات والأسماك والسحالي التي يخبرنا السجل الحفري بحداثة ظهورها على الأرض، بل كانت كائنات العصر الكمبري أكثر بدائية من هذه المجموعات الحديثة، إلا أنها كانت تملك الخصائص الرئيسية والمخططات الجسمية – body plans التي ستُشكّل المجموعات الحديثة التي ستأتي إلى الوجود فيما بعد، إذ  كانت المرة الأولى التي تظهر فيها الأعضاء البيولوجية المعقدة مثل الأعين المركبة والحبال الشوكية والأطراف المفصلية، وكأن أحداً قد وضع التصميم المبدئي لسيارة، ثم توالت التحسينات والتصميمات المختلفة للسيارة فيما بعد.

كيف ظهرت هذه الكائنات فجأة؟ كانت حيرة العلماء شديدة لأنه من المفترض وفقاً لداروين أن تُظهِر الحفريات التي تعود لما قبل العصر الكمبري حلقات وسيطة تعكس التدرج الذي حدث أثناء تطور هذه الكائنات، ولكن داروين نفسه فوجئ بأن هذا التنوع الضخم لا يسبقه تدرج، لذا افترض أن السجل الحفري لم يكتمل بعد وأن المزيد من البحث كفيل بالعثور على أسلاف هذه الكائنات, واعترف بهذا القصور في نظريته في كتابه قائلاً: “إن عدد الأنواع الوسيطة – الذي سبق ووُجِد على الأرض – لابد أن يكون ضخماً، لماذا لا نجد كل طبقة جيولوجية مليئة بهذه الحلقات الانتقالية؟ إن الجيولوجيا لا تَكشف لنا عن هذا التسلسل الحيوي التدريجي وهذا يعتبر من أوضح وأخطر الاعتراضات التي يمكن أن تُثار حول نظريتي”

بعد أكثر من قرن على نظرية داروين وعلى الرغم من اكتشاف آلاف الحفريات، نجد البيولوجي ريتشارد دوكنز المناصر القوي لنظرية التطور يعلن أن الأمر يبدو كما لو كانت كائنات العصر الكمبري “زُرِعت” هناك مباشرة بدون تاريخ تطوري، تعطينا هذه المقولة فكرة عن أن معضلة داروين لم تزل مستغلقة على العلماء التطوريين.

لكننا لا نعدم البعض الذي ينفي حدوث هذه الزيادة الحادة والمفاجئة في تعقيد الكائنات, فيفسرون عدم ظهور أية حلقات وسيطة في العصر ما قبل الكمبري، بأنه ربما كانت هذه الكائنات الوسيطة بسيطة ورخوة للغاية لدرجة أنه كان من الصعب أن تُحفَظ وتُكوّن حفريات، من السهل دحض هذا الأمر لأن الكثير من الحفريات هي بالفعل لكائنات بسيطة ذات طبيعة رخوة ولينة, بل إن هناك حفريات تسبق العصر الكمبري بستين مليون سنة تعود لأجنة مجهرية لحيوانات بدائية كالإسفنجيات، فلماذا لا تقدر الصخور التي حفظت هذه الأجنة الرقيقة على حفظ الكائنات الوسيطة التي تدرجت منها كائنات العصر الكمبري المعقدة؟

أما البعض الآخر فيعترف بسرعة الانفجار الكمبري ولكن يوعز هذه السرعة إلى تزايد نسبة الأوكسجين على الأرض مما أدى إلى التسارع في ظهور الكائنات المعقدة، بمعنى آخر هو لا يجد هذه السرعة متعارضة مع نظرية التطور لأن كل ما حدث هو أن نقص الأوكسجين في العصر ما قبل الكمبري كان هو السبب في تباطؤ العملية التطورية وتقييد ظهور الحياة المعقدة وبمجرد توافر الأوكسجين وما يصاحب توفره من تغييرات، تم فك القيد المكبّل للتطور، إن زيادة الأوكسجين قد تفسر التغير في الظروف التي مهدت للانفجار الكمبري ولكنها لا تفسر بأي حال كيفية حدوثه، ما هو المصدر الذي صمم هذه الكائنات المتنوعة وكان السبب في ظهورها؟ كأنهم يؤكدون أن زراعة نبات ما تحتاج إلى تربة خصبة وتهوية مناسبة ثم يتجاهلون مصدر البذرة التي ستُزرع.

كان داروين أميناً مع نفسه، إذ وضع يده على الخلل الذي يمكن أن يُدمّر نظريته وأورده في كتابه، وأمل داروين أن يكشف السجل الحفري اللثام عن لغز العصر الكمبري، إلا أن أمنيته لم تتحقق بالشكل الذي أراد حتى هذه اللحظة, ولا يزال العلماء التطوريون يعملون بدأب على حل معضلة داروين.

أما نحن فلا مشكلة لدينا ولا معضلة هنالك، لأننا نؤمن أن الخالق قادرعلى أن يصمم ويخلق ويبدع وفقاً لعلمه المسبق، وكما يقول بول نيلسون أحد فلاسفة العلوم: “إن عملية بناء حيوان هي عملية تستوجب النظر إلى المستقبل وأن تحيط بكل شيء، إنها عملية ذات بصيرة، عملية بإمكانها تصور التعقيد، هذا أمر لا يمكن أن يحدث بالانتخاب الطبيعي الأعمى، بل بحاجة إلى مصمم ذكي “.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك