في فترة الدولة العباسية أدخل بديع الزمان أبو إسـمـاعيل الجزري أحد أهـم الاختراعات الميـكانيكية في التاريـخ، وهي ساعة الفيل التي اعتبرها الأوروبيون أول روبوت في العالم، تسيـر وتتـحرك بشكل تلقائي عـجيب، وقد اعترف العديد منهم، وعلى رأسهـم وليـم وايت، بمقولته الشـهيرة:

الـجزري هو من أدخل فكرة التروس والصناعات الميكانيكية الدقيقة إلى أوروبا قبل أن تظهر في الساعات الحديثة بعدها بأكثر من 500 عام

ألف بديع الزمان كتابًا بعنوان: الجامع بين العـلـم والعمل النافع في صناعة الحيل، بأمر من الخليفة أبي العباس أحمد الناصر لدين الله العباسي، وهو الكتاب الذي اعتـمدت عليه أوروبا في التطوير الميكانيكي، فقد قسم الجزري الآلات في الكون إلى ستة أقسام، وشرح كل قسم منها، وكيف يعمل، وتوجد نسخ من هذا الكتاب في متحف اللوفر، مكتبة أكسفورد، متحف بوسطن بالولايات المتحدة، ومتحف الباب العالي بتركيا.

لكن كل ذلك ليس هامًا لأن نعرفه الآن بقدر ما يـجب أن نعرف أين تذهب تلك العلوم السرية والـخطيرة؟ إنها ـ ببساطة ـ تذهب لمن يستطيع تطويرها إلى إخترعات عظـمى، تتعلق إما بالـحياة العامة، أو التفوق العسـكري الاستـراتيـجي، وهذا ما تعمل عليه وكالة مثل داربا في الولايات المتـحدة الأمريكية.

داربا DARPA اختصارًا لـجملة Defense Advanced Research Projects Agency ومعناها وكالة مشاريع أبـحاث الدفاع المتطورة.

تأسست المنظمة عام 1958م بهدف مواجـهة التطور الفضائي للاتـحاد السوفيتي، وخصوصًا بعد إطلاق أول قـمر صناعي في العالم إلى مدار الأرض سبوتنيك 1 في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1957م، بدأت الوكالة ممارسة نشاطها تحت اسم ARPA، وفي عام 1972م غيرت اسـمها بإضافة Defense لتصـبح معروفة باسم داربا DARPA. وتهدف الوكالة التي تعمل تحت إشراف وزارة الدفاع الأمريكية، وبشـكل مباشر من شخص وزير الدفاع على تطوير التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، وإجهاض محاولات أية دولة معادية من تطوير تكنولوجي مضاد. وقد حققت الوكالة تقدمًا خطيرًا في التفوق العسكري الأمريكي من خلال الأبحاث التي قامت بها خلال السنوات الماضية على مشاريع تتعلق بالعمل العسكري أو التكنولوجيا الطبية المُلحقة بالصناعات العسكرية، فكان منها مايلي:

الصناعات العسكرية

روبوت الصياد الفهد

يعتبر أحد المنتجات الجديدة لـداربا، ويستخدم لأغراض عسكرية، من خصائص الصياد السرعة العالية والقدرة على العبور من المعوقات الصعبة، والكشف الذكي عن مكان تواجد العدو، بناءً على معلومات موضوعة بشـريـحته الإلكترونية. تصمـيم الروبوت يشبه حيوان الفهد، بأربعة أرجل وعمود فقري قابل للانـحناء مطاطي، وأسرع من البشـر بست مرات!

روبوت الكلب العملاق

أحد منتجات داربا أيضًا، ومهمته هي نقل المعدات العسكرية للجنود خلال الظروف الصعبة، فيستطيع نقل معدات قدرها 50 كيلوجرام لمسافة 13 ميل في ظروف جوية سيئة، ويعمل دون تدخل بشـري باستخدامه نظام GPS.

حشرات التجسس سايبري

أحد المشاريع التي تعمل عليها داربا في الوقت الحاضر بالتعاون مع مؤسسات أخرى، مثل بلاكستون وغيرها، فتستخدمها للتـجسس من خلال رقائق إلكترونية وكاميرات مـحمولة تستطيع أن ترسل صورًا وأفلام بشكل مباشر إلى مركز القيادة، وتؤمن طاقتها من خلال تـحويل حركة الجناح بالـحشرة من طاقة ميكانيكية إلى كهربية.

تلسكوب تجسس داربا MOIRE

تم تصنيع التلسكوب بمساعدة وكالة ناسا، وقدرته تكـمن في دورانه حول الكرة الأرضية بسرعة عالية تبلغ 3600 كم دقيقة. كمـا أنه يستطيع تنسيق حركته مع حركة دوران كوكب الأرض، فيرسل صورًا دقيقة ومـحددة عن أي مواقع عسكرية بصور يبلغ قطرها 20 مترًا، وهو ما يجلعه الأهم بالنسبة للوكالة.

المشاريع الطبية

إلى جانب تخصص وكالة داربا بالتكنولوجيا العسكرية، فهى تعمل في القضايا الطبية المتصلة بالعلوم العسكرية، وتظهر أهـمية الموضوع فى الـخبر المنشور على موقع وايرد الإلكتروني عن تخصيص نصف الميزانية السنوية لـداربا للعمليات الطبية المستقبلية، وحسب رأي المدير الحالي رجينا دوغان تقول:

سيكون للتطورات الطبية لداربا تأثير كبير وهام جدًا في مستقبل الحروب، وسوف نفاجئ الجميع حيث نعمل الآن في 55 مشروع طبي سيـتم الكشف عنها قريبًا

منها حسب التقارير السرية المنشـورة

وحدة التحكم الآلية الداخلية لكشف وتشخيص العيوب

يسعى الخبراء في داربا للاستفادة من تقنية النانو: ذرات النانو والنانو بيوتيك، للحصول على وسائل تعمل بشكل آلي في حال اللزوم لتقدم العلاج للجرحى والضحايا، تكشف نوع التهديد والمرض، والوسيلة ستكون قادرة بشكل آلي في الحالات الطارئة على فـحص الدم والبول للجندي المصاب، وإعلان النتيجة في الحال.

هندسة ترميم أنسجة الجسم

باستخدام الهندسة الإلكترونية، والخاصية المغناطيسية يستعد العلماء في الوكالة لإنتاج أنسجة عضلية في الحالات الاضطرارية، مفاصل، رجول، وأيدي بشرية، المشروع من الخاصية المغناطيسية، سيبحث عن مادة طبيعية تعيد ترميم الأنسجة العضلية في الجسم، دون أن تقوم خلايا الجسم بمهاجمة المادة الغريبة تلك، وستقوم بترميـم أنسجة الجسم بسرعة وقت الحرب.

الحرب الإلكترونية

مشاريع شبكات السرد

أحد الأقسام الأخرى التي تعمل عليها داربا، إجراء أبحاث واتخاذ تدابير عملية في مجال تكنولوجيا المعلومات، أهمها مشروع شبكات السـرد، فتقوم الوكالة بأبـحاث متطورة مع البنتاغون؛ للوصول إلى نهاية علم الدعاية والإعلام، الكذب، غسيل الأدمغة، النفوذ والتأثير، وكتب موقع وايرد wired بهذا الخصوص: تطلب داربا من علمائها التركيز على قصص الأخبار، وفحصها وتحليلها من حيث الكم بصورة دقيقة قابلة للتكرار. يدعّي البنتاغون أن الهدف من هذا العمل، كشف الإرهابيين الواقعين تحت تأثير الدعايات؛ حتى يقوم بعمله بالتعامل بأسلوب ناعم مع هؤلاء الأفراد بإرسال رسائله الإعلامية.

هذا البرنامج الذي يسمى شبكات السرد Narrative Networks، يقول أحد الباحثين في مجال علم الأعصاب عنه: أن البنتاغون يأمل أن يتمكن من معرفة كيفية ترتيب الأحداث في ذهن المخاطبين؛ لكي يكشف الأشخاص الذين يقعون ضحايا لأفكار خطيرة ضد أمريكا، ويدعي الجيش الأمريكي أنه بامتلاك ذلك العلم سيستطيع أن يستهدف المجموعات التي تنجذب نحو التكتيكات الإرهابية من خلال رسائل نفسية وعقلية.

مشروع وسائل الإعلام الاجتماعية

ذراع وزارة الدفاع الأمريكية داربا، أزاحت الستار في قسم الاختراعات والتكنولوجيا عن برنامج وسائل الإعلام الاجتماعية في الاتصالات الاستراتيجية. حيث يهدف هذا البرنامج إلى إيجاد أداء أفضل لأمريكا في الكشف والتحكم بشركات البروبـجاندا المنتشرة في وسائل الإعلام الاجتماعية، يساعد ذلك القوات الأمريكية في العالم من فـحص الشبكات كفيسبوك وتويتر لاستطلاع رأي العالم بشأن القضايا السياسة التي تعمل فيها القوات الأمريكية بشكل مباشر.

كل ما كتب في المقالة غيض من فيض يمكنك البحث بنفسك عبر كلمة DARPA؛لتشاهد إلى أي مدى وصل العلم العسكري الأمريكي، ورحم الله أمثال الجزري الذي لو كان موجودًا الآن لرثى حالنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تعليقات الفيسبوك