تعتمد إريتريا منذ استقلالها مبدأ الحياد الإستراتيجي، وعدم الدخول في المحاور والأحلاف، لضمان استقرارها، واستقلالية قرارها، الذي أريق من أجلهما، الكثير من زهر شبابها، ليصير وطنا لهم وللأجيال القادمة.

إلا أن سياسة الحياد التام وإستراتيجيتها، لا تعني الجمود والتقوقع والانعزال الذاتي، لكنها تتضمن محاورا يمكن المناورة من خلالها، لخدمة الهدف الأسمى للإستراتيجية، وقتما دعت الحاجة لذلك.

ولأن موقع إريتريا، يعطيها قدم السبق، في الإمساك بخيوط البحر الأحمر والقرن الإفريقي، كنتيجة لتحكمها بمضيق باب المندب والقرن الإفريقي، أحد شرايين التجارة الدولية، بواسطة الاعتماد على ميناءين، وهما مصوع الذي يعد رئتها التي تتنفس من خلاله مع العالم، وعصب المطل على جيبوتي والقريب من عدن.

ولأن الدولة الإرترية، ترى أن ثمة ضرورة قصوى للاستثمار، وجدت أن تأجير الميناء يجعلها تضرب عصفورين بحجر واحد، إذ يرفد خزينتها بالأموال، ويسهم في تحسين علاقاتها مع دول المنطقة، بما يخدم مصالحها. لذا فضلت استثماره من خلال تأجيره.

هدف اقتصادي بقلب عسكري

وعليه، أثرت إريتريا الاستثمار من خلال تأجير الميناء، وهذا يحصل في جميع دول العالم. لكن، ما هو أعمق من المشهد الاقتصادي الاستثماري، هو دخول دولة الإمارات على الخط، والموافقة على استئجارها الميناء، لمدة 35 عاما، تستطيع خلالها أبو ظبي التحكم فيه، بالصورة التي تراها مناسبة، بالتوافق مع الدولة الإريترية.

الخطوة الإماراتية، ظاهريّا اقتصادية، لكنها في الباطن سياسية عسكرية، تخدم المشروع السعودي- الإماراتي في المنطقة، الاختراق الإماراتي، يحسب لوزير الخارجية محمد بن زايد، الذي اعتمد سياسة الأبواب المشرعة، مع دول الجوار العربي، ومن ضمنها إريتريا، والترحيب بها، وإقناعها، بضرورة الدخول في الحلف، مقابل أبعادها أو لنقل إخراجها، من الحلفين الإيراني التركي، اللذين كانت إريتريا قاب قوسين أو أدنى من اللجوء إليهما، إريتريا رأت أن مناكفة دول الحوار من خلال المناورة بين الثابت والمتغير، سيما وأن سياسة الحياد التام، في ظل الظروف التي تحيط في المنطقة لا نخدم مصالحها، بل أن الحياد يؤدي بها إلى الموت.

تحول إرييتري والتمدد السعودي

بدأ التحول الإريتري باتجاه الحلف السعودي مع زيارة الرئيس إلى الرياض، ومحادثاته مع المسؤولين هناك. من هنا دخلت الإمارات العربية كقائد عسكري لعملية الحزم ومشروعها السياسي الأوسع، على الخط، بعد استلامها توجيهات من القيادة السياسية السعودية التي أقنعت إريتريا بدخولها الحلف والمساهمة فيه، لذا تمت الموافقة على تأجير ميناء عصب الإستراتيجي لها.

تحول جاء مع صعود الملك سلمان بن عبد العزيز لسدة الحكم، في السعودية، والذي دشن صفحة جديدة مع إريتريا – كنا أشرنا في مقال سابق نشر عبر فضاء موقع الرأي اليوم، بعنوان: ما دور إريتريا في عاصفة الحزم، وسبب برودة العلاقات السعودية الإريترية – تكللت، بزيارة الرئيس أسياس أفورقي إلى الرياض، والذي استقبل على أعلى مستويات، وفي مقدمتهم الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده.

بعد ختام زيارته إلى الرياض، حمل وتبنى الرئيس أسياس أفورقي المشروع السعودي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وبالشراكة مع السودان، كحركة حتمية للوقوف ومواجهة وتحجيم الدورين الإيراني والتركي في المنطقة ومشروعهما سياسيا واقتصاديا.

اختراق إماراتي

التحول الإريتري والترحيب السعودي فتح الباب على مصرعيه أمام الإمارات، سيما بعدما أيقن الجميع أن إريتريا تسير باتجاه الانضمام إلى الحلف الإيراني الروسي السوداني، من جهة والحلف التركي من جهة أخرى في المنطقة.

كرسالة لمن يهمه الأمر بغية لفت انتباه الولايات المتحدة بواسطة أصدقائها، في حال أقفلت الأبواب بوجهها، وتشاركها بذلك السودان القابعة تحت رحمة العقوبات الأمريكية.

سيما وأن الولايات المتحدة تفرض عقوبات على إريتريا جراء اتهامها، بمساعدة حركة الشباب في الصومال، والتي تشكل عامل قلق لإثيوبيا، الحليف العسكري الأول لواشنطن في إفريقيا، التوجه الأمريكي تقوده مسؤولة الأمن القومي سوزان رايس في البيت الأبيض، والتي أصيبت بما يسميه الساسة (عقدة إريتريا) بسبب تحيزها للموقف الإثيوبي وما نتج عنه من استبدالها بأنتوني ليك، إبان مفاوضات الحدود بين البلدين. تجدر الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية اليوم تواجه ضغوطًا سياسية من داخلها، تطالبها بمنح إريتريا الفرصة بعد خطوتها الأخيرة.

الخطوة الإرترية، لقيت آذانا صاغية وأذرعا مفتوحة في السعودية والإمارات، وأوصلت من خلالهما رسالتها إلى واشنطن، التي بدورها رحبت بالخطوة وإن كانت سرية، دون الإعلان عنها، وخفضت، العقوبات عليها، لما لهذا الخطوة من نتائج إيجابية على مصالح واشنطن في المنطقة، كما قبلت بدخول السودان، ومنحته، حرية أكبر للتحرك، وخففت عليه العقوبات، لمواجهة الحلف الإيراني، التركي على المنطقة، ومواردها.

كلمة السر في البوتاس

تقبع إريتريا اليوم على أكبر مخزون من البوتاسيوم في العالم، وهناك أحاديث عن قرب الاستثمار في صناعته، من ألمانيا، ومن خلفها الاتحاد الأوروبي.

إستراتيجية إريتريا في هذا السياق طويلة الأمد، تتطلب لاحقا رفع الحظر عنها، وعن السودان معها، لفتح الأبواب للاستثمارات في أراضيها.

الخلاصة: دخول إريتريا إلى الحلف الإماراتي السعودي خطوة تحسب لقيادة الحلف خصوصا الإماراتية، لما لها من دور كبير في اختراق دول الجوار العربي، وضمها إلى مشروعها، الساعي لمناهضة التمدد الإيراني الشيعي -كما يسمى- والتمدد الإسلام السياسي، والاقتصادي التركي، في المنطقة، كما أن نجاح إريتريا في اللعب على قاعدة مصلحتي أولا، كان له أثر في جني الكثير من المكاسب، والتي إن تم استثمارها بالاتجاه الصحيح فإنها ستنعكس على حركتها الداخلية والخارجية.
فهل تصمد إريتريا أمام عواصف المنطقة وسياساتها المتغيرة وإستراتيجيتها الرمادية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك