ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بالاستنكار أو بالتأييد، أو باعتبار الأمر حدثا عاديا، بعد بناء معبدٍ هندوسي في الإمارات العربية المتحدة.

كانت أبعاد الانتقاد هي المزايا الدينية في الإسلام للجزيرة العربية، حيث لا ينبغي أن يعبد غير الله فيها، على الطرف المقابل اعتبر المؤيدون الأمر نوعا من حرية العبادة لسكان الإمارات الذين يدينون بغير الاسلام.

يبدو أن الطرفين محقان في الطرح بداية، لكني أفضل أن أدرس الإمارات من ناحية سياسية معينة للوصول إلى الحكم في هذا المجال.

أما البعد الديني، فما زلت أتعجب حين يخاطب الشعب العربي أنظمته بلهجة دينية تعنى بأحكام الاسلام وضوابطه، وكأن الأنظمة العربية والنظام الإماراتي كجزء منها تعطي الدين أية أولوية في قوانينها أو دساتيرها أو حتى سياساتها، في الوقت التي كانت فيه هذه الأنظمة أشد الأعداء لقيم الأمة وعقيدتها، ومؤامرات هذه الأنظمة في تفكيك العراق وتضييع فلسطين والآن سوريا ليست خفية.

ليس منطقياً أن يكون الخطاب للدولة يحث على الالتزام بالشرع في قضية المعبد، وهذه الدولة تمنع خطب الجمعة أن تكون من علم الخطيب ودراسته ودرايته، وإنما هي خطب موزعة مكتوبة ليس فيها قيمة تذكر.

من جهة أخرى، هل يعد ما فعلته الإمارات من باب الحريات الدينية؟ ومن باب منح الهندوس المقيمين حقوقا لا تغفلها البشرية؟

لنعود بداية إلى السياسة الإماراتية تجاه العمال الوافدين، فالإمارات منذ اكتشاف النفط وهي تبحث عن استقطاب الهنود والصينيين والكوريين بل الروس أيضا، وفي المقابل هي تضيق على العرب، ففي منتصف التسعينيات أنهت الإمارات عقود عمل للعديد من السوريين الذين لهم صلات بجماعة الإخوان المسلمين، والصلات هنا أنهم هجّروا من بلادهم بسبب المجازر بحق المقربين من الجماعة.

والإمارات كذلك أنهت عقود عدد من الغزيين بعد سيطرة حماس على قطاع غزة من باب إيقاف أي رافد مالي للقطاع يقلص من الحصار على سكانه وأهلها، وهي كذلك أنهت عقود عدد من المصريين بل سجنت بعضهم وحاكمتهم بتهمة الإرهاب، والسبب كذلك الإخوان المسلمون.

بعيدا عن الوافدين، كم عدد الإماراتيين المعتقلين بناء على آرائهم السياسية، وكم عدد أولئك الذين سُحبت منهم الجنسية الإماراتية وكأنها ملك الدولة لا ملك مواطنيها؟!

بالمختصر هذه الدولة لا تبحث عن الحريات الدينية والسياسية ولا تقدسها، فكيف ندافع عن القرار من ناحية حبنا للحريات؟!

في الحقيقة هذه إحدى مشاكل العقلية العربية، التي تأخذ كل حدث وتعلق عليه دون أي تفكير ودون ربطه بالحوادث الأخرى، ودون أن تنزله منزلته الحقيقية.

الإمارات كدولة ونظام لم تعد معنية بالإسلام منذ زمن وهذا حال القدر الأكبر من الأنظمة العربية، وهي كذلك ليست في حال تواؤم مع الحريات، ولا تبحث عنها ولا تريدها، وإن كانت حقا تهتم بحرية الأفراد فلماذا لا تلغي نظام الكفيل، والذي يعد نظام استعباد متحضر؟!

ليست مشكلتي مع القرار الإماراتي بشأن المعبد، وإنما مشكلتي مع أولئك الذين يلومون منتقدي القرار بأنهم يطلبون من سويسرا أن تسمح برفع المآذن ثم لا يريدون أن يُبنى في أراضي المسلمين معبد للهندوس وكنائس للنصارى، بمعنى أنه حلال للمسلمين حرام على غيرهم؟.

إلى هؤلاء المأزومين ثقافياً رسالة مفادها أن الأديان والعالم الحر لا يمنع أن تكون هناك مناطق مخصوصة بدين ما، فالنصرانية لديها الفاتيكان، ولا أظن أن أحدنا يريد أن يبني مسجداً هناك، وبالمقابل هناك أراض إسلامية يجب أن تكون إسلامية خالصة، وهذا موجود ضمن ديننا وليس فيه حرج، ومنها مكة على سبيل المثال، وهناك أحاديث نبوية شريفة تتحدث عن كون الجزيرة العربية كلها تخلو من غير الإسلام.

الأمر الآخر، أرجوكم لا تدافعوا عن حريات الآخرين، قبل أن تدافعوا عن حريتكم أنتم وإخوانكم، لا حرية للعرب والمسلمين في بلدانهم، وهذا الأمر واقعي، فكما رحبتم بتسامح الامارات مع الهندوس، طالبوا الامارات بالإفراج عن المعتقلين السياسيين فيها.

ابنوا معابد للأديان كلها بعدد ما شئتم، لكن لا تقنعونا أنها من باب الحريات رجاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك