هيفاء سليمان
هيفاء سليمان

منذ أن سمعت بخبر إنشاء وزارة السعادة في الإمارات، وأنا أقف من ذلك الخبر العجيب موقف المتأمّل.

وأظن والله أعلم، أن الإمارات هنا قد حازت السبق مرتين. مرة بحداثة الفكرة، والثانية لكونها «الوزارة الداخلية» الوحيدة في العالم التي بدأت أعمالها خارج البلاد قبل أن تباشر مهامها بالداخل!

من أراد التثبت من ذلك السبق؛ عليه فقط أن يعود بذاكرة الإعلام لليوم الذي أذيع فيه الخبر، ليكتشف بنفسه كيف سيطر حس النكتة على العالم العربي من المحيط إلى الخليج، كانت ليلة تاريخية سهر فيها البؤساء العرب حتى الصباح. وبين مؤيد، ومعارض للفكرة، وبين ساخر منها، طافت الضحكات من الرباط حتى المنامة.

ومما استقام لديّ كمسوّغ لوجود وزارة للسعادة في الإمارات، أن النجاح الذي صنعه الأشقاء هناك سيصنع كمية من السعادة قد تستدعي تدخلًا حكوميًّا تنظيميًّا في المستقبل!

إن النجاح الواضح الذي صنعته الإمارات شعبًا وحكومة، قياسًا بالفترة الزمنية القصيرة التي تمكن بها الأشقاء الإماراتيون من الانتقال بالإمارات من صحراء ممتدة إلى مدن تنافس بتطورها وحضارتها مدن الشرق والغرب مجتمعة؛ يمنح الإجابة لمن يتساءل عن وجهة النكتة، إذ سيدرك حتمًا أن النصيب الأوفر من تلك الضحكات المجلجلة لم يكن للإمارات، وقطعًا ليس منها. فقد تفرّغ كل شعب في تلك الليلة التاريخية لجلد نفسه على سبيل السخط، وجلد حكومة مجاورة على سبيل التنفيس!

لا شك أن المتابع للتجربة الإماراتية سيتأكد أنهم نجحوا كذلك في بناء الشخصية المثالية للمواطن، الشخصية التي تشعر وتتصرف على أنها شريك في النجاح، وتدرك مسؤوليتها تجاه حمايته واستمراره. إلا أن ملف الإمارات مُثقل على مستوى العدالة والحقوق السياسية كذلك. وقد يمنح ذلك المسؤولين هناك إشارة لخلل من شأنه أن يقوض كل ذلك النجاح لو لم تتم معالجته.

لذلك فهي أيضًا ستنضم إلى فريق المعنيين بهذا الخطاب، جزئيًّا، مع سائر دول العالم العربي.

لو تناولنا التجربة الإماراتية في وزارة السعادة على محمل التجريب في العالم العربي، فوزارة الإنسان هي الوزارة المناسبة للإنشاء لو أن المعنيين باستحداث الوزارات مهتمين بمسألة الأولوية. ولو أنهم يريدون حقًّا أن يطبقوا روح التجربة الإماراتية عليهم أن يبدؤوا بداية صحيحة، بالإجابة عن السؤال التالي بوضوح:

ما السبب الفعلي، ومركز الخلل الأصلي الذي بسببه ما زال وطننا صادق النسبة للعالم الثالث؟

الاجابة ليست صعبة ولا مبطنة، إن لها من الوضوح والصدق ما يجعل الأعمى يُشير نحوها بعينيه، وما يدفع الأبكم لذكرها بهدوء لن يستدعي الدهشة.

السبب ببساطة هو الإنسان، ذلك البناء الفاشل الذي تقاسم صنعه الجهل، والجشع على حدٍّ سواء. فإن كنتم تتفقون معي أن الإنسان حين يكون صنيعة إحدى النكبتين الجهل أو الجشع، فإنه سيتكفل بهدم أي مكتسب للوطن. لكم أن تتخيلوا كيف سيصبح الإنسان الذي قد يصنعه هذا التحالف الوضيع بين الجهل، والجشع.

حين يستعرض المهتمون بشأن أي وطن مشكلاته، فإنهم عادة يرتكزون على محوري الدين والتعليم، وهذه نظرية صحيحة، لأن صلاح أي وطن يبدأ من صلاح الدين والتعليم.

فيما يخص الدين، فهو روح التعليم وليس قيده، والروح هي أول إشارة تدل على الحياة، لذلك فإن الدين قد منح الأولوية بشكل واضح وجلي للتعلم، إذ إن أول كلام الله تعالى لنا: «اقرأ باسم ربّك الذي خلق».

أما فيما يخص التعليم، كان من الطبيعي أن نتساءل، كيف سيتم إصلاح التعليم؟

تحدث المختصون عن سبل شتى: إصلاح المناهج والمعلم والنظام وغيرها من المحاور، وأظن بأنهم تشعبوا بمسألة بسيطة لا تحتاج لكل هذا الجدل. لتصلح التعليم، أنت بحاجة إلى إنسان حر غير مضطهد، يشعر بأنه جزء من وطنه، وأن كل ذرة من تراب هذا الوطن تعنيه، تمثله ويمثلها. إنسان يشعر بعدالة الوطن في منحه ومنعه، ليفهم روح القوانين والأنظمة، ويطبقها؛ إيمانًا بها لا خوفًا من سلطة، وطاعة للنظام فحسب.

إنسان يفهم واجباته، يدرك أهمية دوره مهما كان صغيرًا. إنسان يشعر بأنه ترس في عجلة ستتوقف إن لم يؤد دوره بالشكل المطلوب، والإنسان قطعًا لن يصبح بهذه الصفات ما لم تتم تنشئته بالمدرسة وقنوات الإعلام، على القيم الإنسانية العظيمة، كالأمانة والإخلاص والعدل والمثابرة والتسامح وغيرها من القيم الكفيلة ببناء إنسان قادر على صنع حضارة، وحمايتها.

لتصنع وطنًا وحضارة، أنت بحاجة إنسان، وليس مواطنًا. لو أنك بنيت إنسانًا حقيقيًّا، سيبني هو لك حضارة كاملة، حضارة تكفل التعليم والصحة والحقوق، وكافة الأمور الأساسية والثانوية اللازمة لأي شعب.

يتداعى إلى خاطري هنا ما بدأت به حديثي، إذ قلت إنني أقف من الخبر موقف المتأمّل، ولأكمل التأملات حيث توقفت، أخبركم بأن التأمل في آخر الأمر قد انحاز للسعادة، وهمس لي أن السواد الأعظم من أفراد الشعوب العربية، حاز من البؤس ما يكفي لأن تُنشأ من أجل سعادته سبع وزارات مباركات. ولا أخفي عليكم أن وثبة للتشاؤم جعلتني أخفض منسوب الحماسة للفكرة، خشية أن يتدخل النحس الجيني للشعوب العربية فتستحدث الحكومات وزارات نوعية للبؤس!

ولا أخفيكم أيضًا أنني أدركت رحمة الله بي حين قدّر لي أن أكون مواطنة عربية مطحونة، فقد روعتني قائمة الوزارات النوعية التي ابتكرها خيالي على سبيل التسلية، والضحك على نفسي؛ مما جعلني أتساءل عن كمية الذنوب التي كانت ستثقل صحيفتي فيما لو كنت موكلة باستحداث وزارات نوعية على سبيل «تسكيت» الشعوب أو الضحك عليها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك