أسامة عبد الرحمن
أسامة عبد الرحمن

(أنا التاريخ كله، وأحذركم من الآن، الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون).

عقب حصول الكاتب الكويتي “سعود السنعوسي” على جائزة البوكر العربية في عام 2013 عن روايته (ساق البامبو) تطلع القراء والمتابعون للوسط الأدبي إلى روايته الجديدة (فئران أمي حصة)؛ لمعرفة كيف سيحاول الكاتب إثبات نجاح واستمرارية تجربته الأدبية الشابة في الأدب الكويتي خاصة والأدب العربي عامة. تلك الرواية التي أصدرها بعد 3 سنوات من إصدار ساق البامبو كانت تستحق بجدارة تلك الفترة لظهور تلك الرواية للنور.

الملاحظة التي قد يُدهشك معرفتها عن تلك الرواية قبل الحديث عنها هي معرفة أنه قد تم منعها من التداول في دولة الكويت؛ تلك الدهشة قد تصيبك لفترة وجيزة ولكنها ستتلاشى سريعا عند قراءتك للرواية، بل وقد تتساءل متى ستمنعها باقي الدول العربية! فالرواية نقل وتوقع لحاضر ومستقبل قريب قد يكون مؤسفا للغاية، ولعلنا نعيش حاليا فصولا عديدة في المنطقة العربية من هذا الواقع.

السنعوسي الذي اختار فترة زمنية مميزة للغاية لتدور أحداث الرواية فيها وهي ما بين عام 1985 وحتى المستقبل القريب في عام 2020، واختار طريقة أكثر تميزا للسرد في الرواية بحيث يسرد وقائع المستقبل تحت فصول باسم يحدث الآن، ويكتب فيها بالتاريخ والساعة ما يرويه، ويكتب عن الماضي في رواية داخل الرواية اسمها (إرث النار) مقسمة إلى أربعة أجزاء أساسية وهي الفأر الأول والثاني والثالث والرابع، وبحيث تدور أحداث الرواية كلها في يوم واحد فقط.

(ماعادت الفئران تحومُ حول قفص الدجاجاتِ أسفل السِّدرة وحسب، تسلَّلت إلى البيوت. كنتُ أشمُّ رائحةً ترابية حامضة، لا أعرف مصدرها، إذا ما استلقيتُ على أرائك غرفة الجلوس. ورغم أني لم أشاهد فأرا داخل البيت قط، فإن أمي حِصَّة تؤكد، كلما أزاحت مساند الأرائك تكشف عن فضلاتٍ بنيةٍ داكنة تقارب حبَّات الرُّز حجما، تقول إنها الفئران.. ليس ضروريا أن تراها لكي تعرف أنها بيننا)!

الرواية تحكي عن قصة صداقة بين ثلاثة أطفال يسكنون في نفس الحي منذ الطفولة؛ الراوي (الذي لانعرف اسمه طوال الرواية)، وصادق الطفل الشيعي، وفهد الطفل السني وجدته حصة التي اعتادت الحكي عن الفئران التي تتسلل إلى المنزل. تلك الصداقة بين ثلاثتهم التي تصبح شاهدة على التاريخ؛ فما بين غزو العراق للكويت في عام 1990، وما صاحبه من أحداث تسردها الرواية، وكيف فجأه أصبح الأمريكيون هم المنقذين للوطن، وكيف طُرد الفلسطينيون بدون سبب مفهوم من الحي الذي يسكنون فيه!

(لا تنس أن البعض ضحّى بحياته من أجل وطنه، لا تنس أنّنا نسينا كل خلافاتنا واختلافاتنا من أجل بلادنا، لا تنس أنّك لا تساوي شيئًا من دون وطنك).

ما بين صراع الغزو بين الدول العربية في الماضي، وما بين الصراع في الدولة الواحدة ما بين السنة والشيعة ينتقل السنعوسي في وصف ما يراه سيحدث -أو لعله يحدث الآن- من تفجيرات وقتل وانقسام واضح بين أطياف الدولة الواحدة، وصراع يتجدد في كل مكان فيما بينهم بدءا من السيطرة على الشوارع وحتى التقاتل على شبكات الإنترنت. ويلخص ذلك الوضع تلك الفقرة التي يحكي فيها البطل، وهو يتجاوز نقطتين للتفتيش في الطريق، وعند مروره على الأولى يحاول إثبات انتمائه السني فيدير مؤشر الراديو على المحطة السنية لمحاولة إقناعهم، ثم بعد أن يتجاوزهم وبعد مروره على النقطة الثانية يدير المذياع على أناشيد الحسين، ويرتدي خاتما من العقيق الأخضر ويتظاهر بأنه شيعي!

(أقول إنها ليست حالتي النفسية، إنها حالة وطن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وطن ينزف، “وفي ذروة انحدار كل شيء لا نزال نغني” هذه بلاد تطلب المعالي
يفوتك من الكذاب صدق كثير)!

يبدأ الأصدقاء الثلاثة في تأسيس محطة إذاعية لتوعية الناس بخطورة ما يحدث من انقسام في البلد، تلك المحطة التي تصبح فيما بعد هدفا لكل طرف لمهاجمتها ومحاولة إثبات أنها مدعومة من الطرف الآخر، قبل أن يتم تفجير مقر المحطة بالكامل.

الكاتب الذي قد حاول تكرار فكرة أن الفئران آتية وأنها تسللت بالفعل إلينا، ولم يعد مفر سوى حماية الناس من الطاعون القادم قد يكون واقعيا في محاولة توصيل فكرته بخصوص سوداوية ما تعيشه الكويت والعديد من الدول العربية حاليا، فبينما يغرق الناس في الصراعات الطائفية فيما بينهم؛ يقبع العدو مرتاح البال، وهو يشاهد أوطانا كاملة تحترق. ولم يجد سوى أن يُظهر بصيصا من الأمل في ظهور طفلة صغيرة اسمها (حصة) على اسم الجدة التي ظلت تحاول تحذيرنا من الفئران والطاعون، وكأن هناك جيلا سيولد يدرك خطورة ما حاول الآخرون إبعادنا عنه.

(حالك اليوم يشبه ما قالته لي أمي حصَّة صغيرًا، يخرج من بطنك دودٌ يأكلك، هي قيامتك اليوم أزف أوانها، وها أنا اليوم أكتبك خوفًا منك عليك، لا أجيد بكتابتي إلا فرارًا منك إليك، ولأنني رغم كل الخيبات فيك، لا أنوي إلا أن أموت.. فيك).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك