أحمد نصار
أحمد نصار

5,828

لله ـ عز وجل ـ سنن في كونه، علينا أن نفهمها ونتبعها، حتى لا نصادمها فنصطدم بها، وألا نغالبها فإنها غلابة.

«قوانين نيوتن الثلاثة تصلح لتفسير الكثير من المظاهر الحياتية!» كلمة قالها لي صديق يومًا مًا، قبل أن يشد الرحال إلى بلاد «الألمان»، مودعًا كل شيء في مصر، إلا الذكريات! حتى حسابه على «فيس بوك» أغلقه، غير آسف، وهو يتمنى أن ينسى الماضي بالمستقبل.

لم أعلم وقتها أن كلامه صحيحًا إلى درجة أعمق ـ ربما ـ مما يتصور هو، وحتى لا يتحول مقالي إلى محاضرة في علم الفيزياء، وأنا لست بارعًا فيها للغاية كما تظن، فإن ما لفت انتباهي في العلاقة الخاصة بين حكام الإمارات والانقلاب العسكري في مصر بشكل خاص، والثورات المضادة عمومًا، هو عدم انتباه هؤلاء جميعًا، إلى قوانين الطبيعة، ويحضرني هنا على الأخص، قانون «نيوتن الثالث»!

***

ينص القانون الثالث «من قوانين نيوتن للحركة» على أن «القوى تنشأ دائمًا بشكل مزدوج؛ حيث يكون لكل فعل رد فعل، مساو له في المقدار، مضاد له في الاتجاه».

وقد نظرت فيما تقوم به الإمارات من مؤامرات تجاه شعوب المنطقة الراغبة في التحرر، فلم أجد، إلا أن هذه الإمارات قد أضرت نفسها، أولًا من حيث لا تدري!

ونظرت في التاريخ، فوجدت موقفها شديد الشبه مع ما يجري اليوم، من خوف الملوك من اهتزاز العروش، إذا هبت رياح التغيير!  وأقصد هنا ما حدث بين «فرنسا الملكية» و«الثورة الإنجليزية» منذ عدة قرون!

في النصف الأول من القرن السابع عشر، حاول بعض الإصلاحيون في بلاد الإنجليز، تغيير نظام الحكم فيها، من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية!

كانت أفكار «جون لوك» هي العمود الفقري لهذه الثورة التي توصف بالعاقلة؛ إذ يرفض لوك «الحكم باسم الإله»، ويريد أن يخضع الحاكم لرقابة البرلمان!

واجه الثوار الإنجليز بعد قفزتهم الأولى في 1642 ثورة مضادة تمثلت في سلسلة من الحروب الأهلية امتدت من 1648-1651، من قبل مؤيدي الملك «تشارلز الأول» ضد أنصار البرلمان. انتهت الحرب الأهلية مع النصر البرلماني في معركة «وورسستر» في الثالث من سبتمبر (أيلول) عام 1651.

ظل الثوار يطبقون أفكارهم الجديدة، حتى أتى جيمس الثاني إلى حكم إنجلترا في عام 1685،  وأراد الانقلاب على الثوار والأفكار الثورية التي يحملونها، فما كان من الثوار، إلا أن عزلوه عن الحكم، وقاموا بما يعرف بـ«الثورة المجيدة» (Glorious Revolution)، في عام  1988.

تمثّل نجاح هذه الثورة – بعد عزل الملك «جيمس الثاني»، وتنصيب ابنته «ماري»، وزوجها «وليم أورانج» ملكين على إنجلترا– في «إعلان الحقوق» الذي أصدره البرلمان الإنجليزي عام 1689.

وكان من أهم ما تضمّنه إعلان الحقوق (قانون الحقوق الإنجليزي)

1- حقِّ الملك في التاج )الحكم) مستمد من الشعب الممثل في البرلمان، وليس من الله.

2- ليس للملك إلغاء القوانين أو وقف تنفيذها أو إصدار قوانين جديدة، إلا بموافقة البرلمان.

3- لا تُفرض ضرائب جديدة، ولا يُشكّل جيش جديد، إلا بموافقة البرلمان.

4- حرية الرأي والتعبير في البرلمان مكفولة ومُصانة.

رأى ملك فرنسا «لويس الرابع عشر» أن إعلان الحقوق الإنجليزي فيه خطر عليه في باريس!

ولأن الملوك إخوة في الاستبداد، وأبناء عمومة في قمع الشعوب، فقد أيقن لويس أن نجاح الثورة المجيدة في بريطانيا، يهدد بانتقال رياح التغيير إليه عبر «المانش»، والمطالبة بالمثل؟ «ألا يذكرك هذا بمشهد خوف دول خليجية من أن نجاح ثورة مصر سيؤدي بالضرورة إلى انتقال رياح الديمقراطية إليها؟)

عارض «لويس الرابع عشر» الأفكار الإنجليزية ورآها خطرًا عليه، كيف لا؟  وهو مؤسس لفصل جديد من الاستبداد السياسي! أليس هو صاحب الكلمة الشهيرة «أنا الدولة.. والدولة أنا»

«L’état, c’estmoi»

عرض «لويس الرابع عشر»، ملك فرنسا، على «جيمس الثاني»، ملك إنجلترا، التدخل عسكريا لإنقاذه، لكن جيمس كان أذكى من ذلك، فرفض! فقد كان يعرف أن ذلك سيحرقه في أعين الشعب الثائر، وينهي المعركة لصالح الثوار، بعد أن يظهر أمامهم خائنًا مستقويًا بالأجنبي عليهم. (قارن بين موقفه ذلك، وبين موقف السيسي من السلام الدافئ مع الصهاينة، وموقفه من بيع تيران وصنافير للسعودية!)

وبعد هزيمة جيمس الثاني أمام الثوار، استضافه لويس الرابع عشر عنده في فرنسا، وأعطاه أفضل المنازل في منطقة «فرساي» (قارن ذلك باستضافة الإمارات لـ«شفيق ودحلان» وكل مطاريد الثورات)، وأغدق عليه، قبل أن يقرر أن يحارب بنفسه الثورة الإنجليزية، واضطر في النهاية للخضوع بعد 8 سنوات في عام 1697 والرضوخ للإنجليز!

وهل ما قام به لويس الرابع عشر نفعه؟ ربما لم يدرك قانون نيوتن الثالث للحركة، «لكل فعل رد فعل، مساو له في القوة مضاد له في الاتجاه»؛ لأن نيوتن نشر تلك القوانين في 1687، في خضم انشغال لويس الرابع عشر بمحاولات وأد الثورة الإنجليزية! أي أنه كانت إنجلترا تحتمي بالعلم أيضا، وقت أن كان ملك فرنسا يحيط نفسه بالسلاح فقط (ألا يذكرك ذلك باستيراد السيسي الشره للسلاح؟)

إذا كان لويس الرابع عشر معه عذره، فماذا عن حكام الإمارات، التي تأسست في عام 1971، بعد نيوتن بقرون!  ألم تجد الفرصة لمطالعة كتاب فيزياء مبسط، أو كتاب في التاريخ الحديث؟

حقًا لم يكن لويس الرابع عشر يعلم أن لكل فعل رد فعل، مساو له في القوة مضاد له في الاتجاه! فالقمع الذي مارسه ضد «البروتستانت» في فرنسا، والمؤامرت التي دسها للثوار في إنجلترا، قد ارتدت إلى قلب فرنسا بعد أقل من قرن، ليواجه حفيده، «لويس السادس عشر»، ثورة عارمة، لم تكن إصلاحية قط، ولم تقنع بوجود ملكية دستورية – بالرغم من اقتراح البعض ذلك في بداية الثورة! بل ثورة تعد واحدة من أكثر الثورات دموية في التاريخ، غيرت وجه فرنسا والتاريخ الإنساني الحديث، بأفكار لم ينجح القمع في قتلها، بعد أن أعدمت آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس! إنها الثورة الفرنسية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك