إسلام البكري
إسلام البكري

715

عندما تقرأ لعمر طاهر، تشعر أنك مع غواصٍ ماهرٍ يأخذك مِن يدك؛ ليقودك بكل ثقةٍ، وتَمَكُّنٍ إلى الدُّر الكامن في أحشاء بحر أفكاره المبدعة، يلمس بحِرَفيَّةٍ و«حَرْفَنةٍ» مواضع البهجة والسعادة لدى عقول وقلوب قرائه ومحبيه. عازفُ كمانٍ مُتَمَكِّنٌ يُحَرِّكُ أصابعه بمهارةٍ، ويَلعبُ بقوسه برشاقةٍ على أوتار كتاباته؛ ليُخْرِجَ لك ألحانًا تجعل عينيك تتراقصان طربًا، وهي تتحرك فوق كلماته المتناغمة، يغزو بقلمه مناطقَ وأفكارًا جديدةً لم يطأها أحدٌ قبله، لتَجِدَ نفسك تتساءلَ في انبهارٍ: كيف لم يَخترْ أحدٌ هذه الفكرة ليَكتبَ عنها بمِثل هذه الروعة مِن قبل؟

عندما تقرأ لعمر طاهر، تشعر بأنه صديقٌ مُقَرَّبٌ يعرفُ كل خباياك وأسرارك، يحتل موقع الصدارة بين كُتَّاب عصرنا مِن حيث الكتابة بلسان هذا الجيل، فدائمًا ما يُعَبِّرُ بأسلوبه الساحر الجريء عن ذكريات طفولتنا وأحلام شبابنا وطموحات مستقبلنا، وهو أول مَن بدأ لعبة استدعاء ذكريات الثمانينات والتسعينات مِن خلال كتابه: شكلها باظت – الذي نُشِرَ في عام 2003 – وسار على دَرْبِه الكثيرون بعدها في تجاربَ مُقَلَّدَةٍ لم تقتربْ مِن منطقة نجاح شكلها باظت، مِن حيث أسلوب طرح وعرض الفكرة، ربما لم ينجحْ مِن هذه التجارب، إلا البرنامج التليفزيوني: صاحبة السعادة، الذي أبدَعَتْ فيه الفنانة إسعاد يونس، وكتاب كنتُ صبيًّا في السبعينات، للكاتب والناقد السنيمائي محمود عبد الشكور.

وبعد النجاح الكبير لكتابه: إذاعة الأغاني، وحصوله في أكثر مِن استفتاءٍ على أحسن كتابٍ مصريٍّ في عام 2016، صدر لعمر طاهر منذ أيامٍ قليلةٍ كتاب: صنايعية مصر، والذي يسرد فيه قصصَ نجاحِ، ومشاهدَ مِن حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث – كما عَرَّفَهم على غلاف الكتاب – والذين ظُلِمُوا بعدم إلقاء الضوء عليهم وتعريف الأجيال التي لم تعاصرهم بما حققوه مِن إنجازاتٍ حازوا بها قَصَبَ السَّبْقِ في مجالاتهم، ليأتي عمر طاهر في 2017؛ كي يزيح الغبار عن حكايات هؤلاء الصنايعية، ويعيد إليهم بعض التقدير والاهتمام الذي يستحقونه بعد أن بَخِلَتْ به عليهم كتب التاريخ والأنظمة المتعاقبة في مصر.

يُمْكِنُنَا استخلاص المنهج والأسلوب الذي اتَّبَعَه عمر طاهر في كل حكاياته عن (صنايعية مصر) مِن أجل الوصول إلى المعلومات اللازمة عن كل شخصيَّةٍ مِن شخصيات الكتاب، وذلك مِن خلال سرده للحكاية الأولى بالكتاب عن صنايعي كولونيا الـ 555 حمزة الشبراويشي، فبالرغم من قلة المعلومات المتاحة عنه، لم ييأس عُمر مِن الوصول إلى أي شخصٍ تَعَامَل مع الشبراويشي عن قربٍ، واستخدم في سبيل ذلك كل الوسائل بدايةً مِن تتبُّعِ نعيٍ وَرَدَ فيه اسم حمزة الشبراويشي، مرورًا بالاستعانة بخدمات الأخ جوجل، للوصول إلى اسم الشركة التي يعمل بها أحد أفراد عائلته، إلى الاتصال بسكرتيرة هذا الشخص لطلب مقابلته فتَعَلَّلَتْ بأنه لا يأتي للشركة إلا نادرًا، ولمَّا طلب رقم هاتفه رَفَضَتْ، فكتب على فيسبوك، يسأل إن كان هناك أحدٌ مِن قرائه يعرف طريق الرجل، وكانت المفاجأة السعيدة عندما ظَهَرَتْ فتاةٌ مِن عائلة الشبراويشي أهدته رقم هاتفٍ وموعدٍ مع حفيد حمزة الشبراويشي، فكانت المقابلة التي سعى إليها عمر طاهر، وخرج منها بمعلوماتٍ وافيةٍ عن قصة كفاح الرجل، سلسلةٌ طويلةٌ مِن الصبر والإصرار والمثابرة مِن عمر طاهر إلى أن وصل إلى مبتغاه، قِسْ عليها إحدى وثلاثين حكايةً أخرى أوردها في كتابه، ليُثْبِتَ لنا بطريقةٍ عمليَّةٍ أنَّ الله لا يُضِيع أجر مَن أحسن عملًا.

ويظهر بجَلاءٍ، في كتاب صنايعية مصر، مدى النضج الأدبي الذي بَلَغَه عمر طاهر. نظرةٌ سريعةٌ على قائمة المراجع والمصادر التي استعان بها – والتي ذَكَرَها في نهاية الكتاب في عَشْرِ صفحاتٍ – ستدرك بعدها مدى الجَهْد الذي بذله مِن أجل إخراج هذا العمل بهذه الصورة الرائعة، فهو لم يكتفِ بجمع المعلومات مِن مصادرها التقليدية، مِثل الكتب ومواقع الإنترنت وأرشيف الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون، بل زاد عليها بإجراء لقاءاتٍ وحواراتٍ شخصيةٍ مع مَن هم على قيد الحياة مِن صنايعية كِتابه، ولقاءاتٍ مع أشخاصٍ يَمُتُّون بِصِلَةِ قرابةٍ أو صداقةٍ أو عملٍ لِمَن تُوفِّي مِن هؤلاء الصنايعية، لم يكن الأمر إذن مجرد سردٍ جافٍ مُملٍ لقصص هؤلاء، أو نقل سطورٍ مِن كتابٍ، أو اقتطاع جزءٍ مِن مقالٍ أو تحقيقٍ مِن أرشيف جريدة، أو ذِكر معلومةٍ مجردةٍ وَجَدَها على أحد مواقع الإنترنت – وما أكثر مَن يفعلون ذلك هذه الأيام – بل أضاف عمر طاهر لمسته السحرية في الكتابة وطريقته الرشيقة التي يتميز بها، فتراه وقد قسَّم كل حكايةٍ إلى فِقَرَاتٍ مُرَقَّمةٍ غير متسلسلةٍ في ترتيب أحداثها لكنها مترابطةٌ في مضمونها، فيطير بك بين فِقَرَات كل حكايةٍ كفراشةٍ تنتقل مِن زهرةٍ إلى أخرى، مُخْتَتِمًا كل حكايةٍ بهامشٍ أو أكثر يخبرنا مِن خلاله بمعلومةً عن شخصيةٍ أو مكانٍ أو حَدَثٍ وَرَدَ ذِكره داخل الحكاية لكنه لم يُرِدْ أن يسترسل أثناء الحكي – حتى لا يخرج خارج إطار الموضوع – فأفردَ له هامشًا منفصلًا.

ومِن أبرز اللمحات الإبداعية في هذا الكتاب، تلك المصطلحات التي ابتكرها عمر طاهر وستظل مرتبطةً به مستقبلًا، مثل مصطلح صنايعية مصر، والذين لن أجد لهم تعريفًا أفضل مِن تعريف عمر طاهر لهم في مقدمة الكتاب: هناك أشخاصٌ ساهموا في رسم ملامح هذا البلد وتاريخ حياة سكانه، دون أن يحصلوا على نصيبهم مِن الضوء والمحبة والاعتراف بالفضل. هنا ما تَيَسَّرَ مِن سيرة بعضهم.. هناك أيضًا مصطلح النشيد الوطني للمناسبات، والذي ذَكَرَه عمر طاهر في حكاية الشاعر الغنائي فتحي قورة، وعَرَّفَه بأن هناك درجةٌ تتحوَّل فيها أغنية الشاعر إلى نشيدٍ وطنيٍّ، بحيث لا يمكن للأجيال المتتالية أن تفصل بين الأغنية وبين منطقةٍ في وجدان الوطن، وضرب مثلًا بأغنية ست الحبايب بأنها النشيد الوطني لعيد الأم في مصر، وأغنية وحياة قلبي وأفراحه بأنها النشيد الوطني للنجاح في مصر، وأغنية دقوا المزاهر بأنها النشيد الوطني لزفة الأفراح المصرية، وأغنية الشمس بانت من بعيد، بأنها النشيد الوطني لافتتاحية الإذاعات المصرية كل صباح، وأغنية الأقصر بلدنا، بأنها النشيد الوطني للأقصر.

كان عمر طاهر ذكيًّا عندما جعل القارئ يستنبط – بطريقةٍ غير مباشرةٍ – الدروس المستفادة وأسباب النجاح لكل صنايعي، فتجده قد ألمح في أكثر مِن حكايةٍ إلى فكرة: أن يتخذ صاحب العمل/الشركة/التجربة مرؤوسيه شركاء في تجربته.. مِثل حمزة الشبراويشي الذي شيَّعه عمال مصنعه بعد وفاته سيرًا على الأقدام من ميدان التحرير، وحتى مدفنه حبًا وتقديرًا له .. ومِثل محمد سيد ياسين – مؤسس أول مصنعٍ للزجاج – عندما أقام مسرحًا لعمال مصنعه بعدما كوَّنوا مِن بينهم فرقةً تمثيليةً .. ومِثل ماتوسيان – صنايعي السيجارة الكليوباترا – ورغبته في إعلاء قيمة العامل عندما أقام للعمال داخل مصنعه مطعمًا كبيرًا يُقَدِّم لهم الطعام بأقل مِن نصف ثمنه، كما أقام مستوصفًا كبيرًا به كل المعدات والتخصصات للعناية بعماله.. ومثل تومي خريستو الذي وصفه عمر طاهر بأنه كان مؤمنًا بأهمية أن يكون صانع الشيكولاتة – التي هي مصدر السعادة – سعيدًا، فاختار قطعة أرضٍ بالقرب مِن مصنعه وجهزها لتكون ملعبًا لكرة القدم تقام عليه مبارياتٌ بين العاملين كان يديرها بنفسه، كما كان يكافئ عمال مصنعه المتميزين في نهاية كل أسبوعٍ بمنحهم دعواتٍ مجانيةٍ لهم ولأسرهم لمشاهدة فيلم في إحدى السنيمات التي كان يملكها، كما أوصى أخاه – الذي كان يدير العمل معه – بمراعاة الحالة النفسية والمزاجية للعمال؛ لأن عجينة الشيكولاتة حساسةٌ جدًّا وتلتقط بسهولةٍ مزاج مَن يطبخها.

وفي حكاية عبد اللطيف أبو رجيلة – صنايعي الأتوبيس – تدرك سر نجاحه عندما سأله أحدهم: كيف يمكن أن يصبح الشخص مليونير؟، فأجابه: يجب عليك ألا تفتش عن المال، ولكن فتش عن النجاح، البحث عن النجاح سيقودك إلى الملايين، لكن مجرد البحث عن المال قد يجعلك نصابًا.

وفي حكاية صدقي سليمان – صنايعي السد العالي – تدرك سر نجاحه مِن منظومة العمل التي أسسها عند بداية عمله في مشروع السد العالي وتخلصه مِن مشكلة البيروقراطية الحكومية العقيمة، فهجر مكتبه الوزاري وكان يستقبل الشكاوى والمشكلات بنفسه يوميًا في قلب موقع السد، وكان يضع حلولًا وقراراتٍ فوريةً للتنفيذ، كما أعطى صلاحياتٍ كاملةً لكل قائدٍ كُفُؤٍ حتى لو كان شابًا عمره 22 عامًا فقط.

وفي حكاية أنيس عبيد، تدرك سر نجاحه عندما استغل الفرصة التي منحها له القدر عندما كان في باريس للحصول على الماجيستير في الهندسة، ثم تغيَّر مسار حياته بعد دورةٍ تدريبيةٍ هناك – التحق بها بالصدفة – عن كيفية دمج الترجمة المكتوبة على شريط السنيما، ليقرر بعدها ترك الهندسة للأبد وبَدْء مشروع العمر في ترجمة الأفلام الأجنبية. نفس الأمر تكرَّر في حكاية عاطف منتصر، عندما أصر على ترك عمله الأصلي في شركة المقاولات التي تمتلكها أسرته متحديًّا جميع مَن عارضوه لكي يحقق حلمه ومشروعه الخاص في تأسيس شركةٍ للاسطوانات الصوتية بأقل الإمكانات، تطورتْ وكَبُرَتْ تدريجيًّا وتحولتْ بعد ذلك إلى صناعة الكاسيت، ليكون رائدًا في هذا المجال في مصر والوطن العربي.

وفي حكاية صفية المهندس، تدرك سر نجاحها عندما تعرف إصرارها على الوصول إلى هدفها، بالرغم من العثرات والفشل المتتالي في البدايات، فبعد أن كانت لا تجيد التحدث باللغة العربية الفصحى، ثم موقفها الشهير في أول اختبارٍ لها أمام ميكروفون الإذاعة عندما تعثَّرتْ في نطق كلمة (عزيز باشا أباظة) ونَطَقَتْها ثلاث مراتٍ بطريقةٍ خاطئةٍ (عزيز أباشا باظة)، وأكثر مِن موقفٍ مماثلٍ بعدها، إلا أن ذلك لم يمنعها مِن مواصلة الطريق نحو هدفها، حتى أصبحتْ أول امرأةٍ تتولى رئاسة الإذاعة المصرية.

وفي حكاية الشيخ مصطفى إسماعيل، ترى كيف احتاجت موهبةٌ مثل موهبته إلى عينٍ خبيرةٍ لأستاذه في الكُتَّاب الشيخ عبد الحميد النجار، الذي اضطر لاستخدام القسوة في التعامل مع الطفل مصطفى إسماعيل الذي كان دائم الهروب والمراوغة مِن دروس الكُتَّاب، ولم يكن مدركًا لتلك الموهبة الفذة التي يمتلكها في قراءة وترتيل القرآن الكريم، ولولا قسوة أستاذه معه لحُرِمْنا مِن هذا الصوت الجميل.

أثناء قراءتك لـصنايعية مصر ستمر بجميع الأحاسيس الإنسانية مِن فرحٍ وحزنٍ وفخرٍ ودهشةٍ وغضبٍ ووطنيَّةٍ وألمٍ. فعندما تقرأ حكاية باقي زكي يوسف، فلا بد أنك ستشعر بالفخر والعزة لذلك الضابط الشاب صاحب فكرة استخدام قوة المياه لفتح ثغرةٍ لعبور القوات المصرية مِن خلال الساتر الترابي إلى شرق القناة، وعندما تقرأ حكاية الضيف أحمد وحكاية أندريا رايدر، فلا بد أنك ستشعر بالحزن للنهاية الدرامية التي انتهت بها حياتهما، وعندما تقرأ حكايات حمزة الشبراويشي وتوني خريستو وعبد اللطيف أبو رجيلة، فلا بد أنك ستشعر بنفس المرارة التي شعروا بها عندما أمَّمَتْ دولة 23 يوليو (تموز) مصانعهم وشركاتهم، وستشعر حتمًا بالألم عندما تعلم مصير هذه المصانع وحالها بعد التأميم، وعندما تقرأ حكايات صدقي سليمان ووجيه أباظة وحكمت أبو زيد وأحمد رشدي، فلا بد أنك ستشعر بالدهشة والغضب معًا مِن جزاء سِنِمَّار الذي نالوه مِن قِبَل السلطة الحاكمة في نهاية حياتهم، بالرغم من كل ما قدَّموه مِن أجل الوطن، وعندما تقرأ حكاية ناعوم شبيب ومحمد كمال إسماعيل، فلا بد أنك ستشعر بالسعادة لِمَا حققه هؤلاء الرواد في مجال العمارة والبناء في مصر وخارجها.

إنَّ صنايعية مصر كتابٌ يصنع الأمل في زمنٍ أصبح اليأس والإحباط فيه، هما المسيطران على شباب هذا الوطن، كتابٌ لابد أن يكون نواةً لسلسلةٍ مِن الكتب المماثلة التي تُقَدِّمُ شخصياتٍ مصريةً معاصرةً كقدوةٍ ورمزٍ للنجاح إلى جيلٍ يفتقد للقدوة والرمز.

كلما قرأتُ كتابًا أو مقالًا أو منشورًا لعمر طاهر، كلما أجبرني أن أُوَجِّهَ إليه التحية والشكر على جرعة الأمل والتفاؤل والسعادة التي يحقنها في روحي، وبعد أن قرأتُ صنايعية مصر أودُّ أن أقول له: لَمْ نكن لنعرف طريقًا إلى حكايات كل هؤلاء الصنايعية العِظام، لولا أن قَدَّمَها لنا صنايعيٌّ ماهرٌ مثلك يستحق عن جدارةٍ أن يكون واحدًا مِن الصنايعية الذين يجب أن تفتخر مصر بهم، فشكرًا عمر طاهر صنايعي الأمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك