إن عملية إفساد واستبدال قيم وثوابت المجتمعات المسلمة كان ومازال سلاحًا رئيسًا تستخدمه الدول المحاربة لتحقيق سياساتها وبسط نفوذها على المسلمين أينما كانوا، وكما قيل (كأس وغانية يفعلان في الأمة المحمدية ما لا يفعله ألف مدفع)، ومن هذا المنطلق سعى أعداء الأمة إلى نشر الفساد الخُلقي واستبدال القيم لتسهيل مهمتهم، ولأنهم يدركون أنّ الشخص الفاسد لا يستطيع أن يجابههم في معركة أو يقف لهم في ميدان.

لقد بدأ الإفساد الخلقي الجماعي والمنظم في حياة الأمة الإسلامية إبان الاحتلال الغربي لكثير من البلاد الإسلامية، إذ شعر المحتلون أن الأمة الإسلامية تتميز بحائط قوي ومتين من الأخلاقيات المجتمعية العامة التي يصعب من خلالها استمرار احتلالهم ونهب خيراتهم وقمع أثر الدين فيهم، فعمدوا بداية إلى إحداث حالة من الإفساد الخلقي المنظم والمتتابع والمستمر للوصول بالمجتمع المسلم لحالة من قبول الخلق السيء والتعامل معه ومع صاحبه دون إنكار ليسهل بعد ذلك قيادهم.

ولقد كانت رسالة نابليون بونابرت واضحة جدًا لخليفته كليبر في هذا الخصوص، حيث أدرك نابليون أن سبب فشله الأول في مصر هو وجود هذا السياج القوي من الأخلاق التي دفعت المصريين إلى عدم تقبل وجود الفرنسيين الغزاة على أرضهم وخاصة أن المحتلين – رجالًا ونساءً – متهتكون ومنحلون أخلاقيًا، فكان هناك رفض شعبي تبلور بعد ذلك في عدة مظاهرات واحتجاجات وحروب تمخضت في النهاية عن جلاء الفرنسيين عن مصر بعد أقل من ثلاث سنوات فقط.

وتعتبر هذه الرسالة من الوثائق شديدة الأهمية في بيان رحلة المروق من الأخلاقيات التي خاضتها – قسرًا – المجتمعات المسلمة إذ تكررت تقريبًا مع كل المجتمعات نفس هذه السياسة بدرجات متفاوتة وبأساليب متغيرة للوصول لنفس الهدف، وهو إخراج الناس من الخلق الإسلامي القويم ومحاولة جرهم إلى اعتياد رؤية المنكرات دون أن تثير فيهم نفس الرغبة في الإنكار والتغيير.

ونصت هذه الرسالة على الخطة التي ستمكن الدول الغربية من احتلال بلاد المسلمين عسكريًا وثقافيًا والتي تبدأ أولًا بالعبث بالمنظومة الأخلاقية للبلاد، فتقول الرسالة “ستظهر السفن الحربية الفرنسية بلا ريب في هذا الشتاء أمام الإسكندرية أو البرلس أو دمياط، اجتهد في جمع خمسمائة أو ستمائة شخص من المماليك حتى متى لاحت السفن الفرنسية تقبض عليهم في القاهرة أو الأرياف ونُسفّرهم إلى فرنسا وإذا لم تجد عددًا كافيًا من المماليك فاستعض عنهم برهائن من العرب ومشايخ البلدان، فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يُحجزون مدة سنة أو سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة الفرنسية ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا ولما يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضم إليه غيرهم. وسأهتم اهتمامًا كبيرًا بإرسال فرقة تمثيلية لأنها ضرورة للجيش وللبدء في تغيير تقاليد البلاد”.

وقد دأبت سياسات الاحتلال البريطاني في مصر 1882 – 1922م على الدفع بالمجتمع ليصل إلى حتفه سريعًا، فبعد أن استولى على المجتمع المصري حالة من التبلد والفتور على إثر توالي الاستعباد والاستبداد والذل والهوان فماتت فيه الآمال وترك الشعب نفسه للتيارات المعتركة تقذف به حيثما تقذف وهو في سكون الجماد الذي لا يحس شيئًا – حتى فشت الرذائل وانحدرت الأخلاق لتصل للقاع الآسن.

فانتشرت بيوت الدعارة والبغاء تحت رعاية الحكومات المتتابعة وأوحلت كثير من المصريات إلى جوار الأجنبيات في العمل بالدعارة وأصبح البغاء في عهد الاحتلال رسميًا تصرح به الحكومة وتحمي القائمين عليه رجالًا ونساءً، فشاع في القاهرة شيوعًا، وانتشر بالإسكندرية وطنطا، هذا وقد وصل عدد الممتهنات للبغاء في مصر إبان الحرب العالمية الأولى ما يقرب من الستين ألفًا منهم ثلاثون ألفًا في القاهرة وحدها.

ولمّا أغرق المحتل مصر بالخمور انكب الشعب على كل ألوان المشروبات فانتشر الزبيب والعرق والويسكي، وأخذت مصر تستورد مقاديرَ متزايدة من الخمور عامًا بعد عام، وفُتحت الخمارات في كل مكان حتى دنّست براءة الأرياف كما توسعت تجارتها في أحياء العمال، والمُلاحظ هنا أن تلك الأوساط هي التي تُبنى على أكتافها المجتمعات، وقد بلغ عدد هذه الخمارات حوالي أربعة آلاف في سنة 1904م.

واعتادت الفئة الوسطى من المصريين على شرب الويسكي ظهرًا، والبيرة عصرًا، والكونياك مساءً، وأقبل كثيرون على احتساء الخمور في المناسبات كالأفراح والولائم ومواسم الأعياد مقلدين في ذلك جماعات الأجانب في أسوأ عاداتهم حتى أصبح ذلك نمطًا شائعًا وعرفًا مقيتًا دخيلًا على عادات المجتمع، واستتبع ذلك مشاكل غاية في الخطورة؛ فَقَلّت الإنتاجية وفقد المجتمع تماسكه وفترت القيم الدينية والخلقية حتى أن بعض الإنجليز صرحوا في كتاباتهم وأظهروا شفقة ورثاءً على الحال الذي وصل إليه المجتمع المصري تحت تأثير الاحتلال.

أيضًا انتشرت تجارة الحشيش والمخدرات بشكل كبير وتصدر اليونانيون تلك التجارة وكان أثرها أكبر على انحلال القوى المعنوية للشعب وانحلال الأخلاق وتدهور المجتمع، ويَذكر تقرير لمستشفى المجاذيب في القاهرة عام 1899م أن عدد (125) من مجانين هذا العام قد جُنّوا على أثر تعاطي الحشيش.

كما انتشر الإقراض بالربا بين مختلف الطبقات وساعد على ذيوعه عدم تقدير العواقب وحب الإسراف والظهور ومع ضعف الحكومات ورعاية المحاكم المختلطة للأجانب انتشر الربا في مختلف الأوساط، في العواصم والبنادر والقرى البعيدة والقريبة، فكبلوا الأهالي بالديون ما أفضى إلى ضياع ثروات الكثيرين وانتشر الفقر والبؤس في الطبقات الكبيرة ثم الصغيرة والمتوسطة، وقد كان الفلاحون هم الأكثر معاناة من القروض الربوية فضاعت جهودهم وأراضيهم في كثير من الأحيان.

هذا وقد تعددت وتنوعت صور وأشكال الإفساد الأجنبي لمجتمعاتنا فيما لا يتسع المقام لحصره، ثم إننا إذا عقدنا مقارنة بين ذلك الماضي البئيس وحاضرنا لما وجدنا اختلافًا يذكر.

ويكفي أن تطالع في صحيفة (آرابيان بريس) خبر حصول الإمارات على المركز الأول في العالم في استهلاك (السكوتش) بمعدل ١٠ ملايين لتر سنويًا، لتتفوق بذلك على فرنسا، موافقًا لتقرير (يورومونيتور) لإحصائية ٢٠٠٥-٢٠١٠م الذي يشير إلى ارتفاع متوسط استهلاك الفرد للخمور من ٣٠,٤ لترات إلى ٣٦,٨ لترات سنويًا.

أما السعودية، فحققت المركز السادس على مستوى العالم في استهلاك المنشطات الجنسية، وهو ما يعادل عشرة أضعاف استهلاك روسيا، رغم أن سكانها حوالي عُشر سكان الأخيرة، بمعدل إنفاق نحو ١,٥ مليار دولار سنويًا على العقار المعروف.

وأما مصر، تطالع في جريدتها الرسمية (الأهرام) إحصائية عن ارتفاع معدلات ما يسمى بالزواج العرفي
(الزنا المقنع) بين شباب الجامعة على مدار خمس سنوات من ١٨٪ إلى حوالي ٣٠٪، أي من كل ثلاث هناك من تقع في هذه الفعلة.

إن الواقع المر الذي تحياه المجتمعات العربية إنما هو نتاج حرب غير تقليدية، لم نسمع فيها أصوات المدافع ولم نشهد اقتحامًا للمشاة ولا حركة للمجنزرات، فالحال الذي وصلت إليه مجتمعاتنا لا يوحي سوى بعظم الجرح الذي مُنيت به الأمة، كلغمٍ انفجر في قيمنا وثوابتنا فما تركها حتى هدم وفتت بنيان الأمة ونسيجها الاجتماعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • د / نبيل عبد الحميد، (الأجانب وأثرهم في المجتمع المصري 1882 : 1922م )، ص203:ص218

  • أ / يحيى بركات، (العلمانية والخطة الممنهجة لإفساد أخلاق الأمة) مقال

  • د / السيد العربي بن كمال، ( المخططات العشر لأعداء الإسلام) مقال

  • د / مصطفى محسن، (هذا دين ولكنه ليس هو الإسلام ) سلسة – في دين مؤسسة راند – مقال

تعليقات الفيسبوك