“لجميع هؤلاء الذين أهتم لأمرهم، أتمنى لكم المعاناة والكآبة والمرض، سوء المعاملة والإهانات، احتقار الذات وعذاب عدم الثقة بالنفس وانكسار الهزيمة، ولن أحمل لكم الشفقة، لأنني أتمنى أن تثبتوا بذلك هل يستحق أحدكم أن يحصل على ما يريد في هذه الحياة أم لا، وهذا الشخص فقط سيتحمل المعاناة”.

 

هذه أحدي أقوى مقولات نيتشه على الإطلاق. فلقد خصص كثير من الفلاسفة فصولاً كاملة في كتبهم لشرح كيفية التغلب على ما يمر به الإنسان من فشل في حياته، لكن نيشته كان ينظر للموضوع من وجهة نظر أخرى، كلما أردت أن تكون ناجحًا كلما بحثت عن المعاناة والفشل، إنهما وقودك للأمام.

 

لقد كان شوبنهاور يرى أن قليل من التأمل كافٍ لجعلنا نتأكد أن الحياة ليست ذات قيمة ولا يوجد أهمية كبيرة للاستمرار فيها، وأن التعلق بالحياة هو عملية عمياء غير عاقلة وغير نابعة من الإرادة، فالمدة التي يقضيها الإنسان في الوجود تبدو بلا قيمة في مقابل تيار الزمن اللا نهائي، ومع صغر المدة فهو لا يقضيها في ترف ونعيم، وإنما يقضيها في مشقة.

 

لذلك فكل ما يحدث لنا في فترة حياتنا يجب علينا تقبله، نحن كلنا حب خالص للحياة بلا سبب واضح، ولهذا علينا أن نعتبرها خيرًا، مهما بلغ قصرها واضطرابها.

 

إذا كنت تعاني في حياتك فأمامك مجموعة من الاختيارات عليك الاختيار من بينها، يمكنك أن تنظر لحياتك وما بها من معاناة وتعزي نفسك بغيرك ممن هم أسوأ حالة منك، وهذا خيار ممتاز أمامك دائمًا وله مفعول السحر، ويجربه كثير من البشر يوميًّا ويشعرك بحالة رائعة.

 

وخيارك الثاني هو الاستسلام لما أنت فيه، وأنا لا أحبذ كثيرًا هذ الخيار؛ ليس لأنه فقط اختيار الضعفاء، والبشر بطبعهم لا يحبون أن يظهروا ضعفهم – هم يحبون الضعف في أنفسهم ولكنهم لا يحبون إظهاره كثيرًا- ولكن لأن هذه الحياة قصيرة، ولا أرى فائدة من تضييع فترة منها، ولو قليلة، في الاستسلام.

 

وأمامك الخيار الثالث: أن تعلم أن هذه الحياة أصلاً منبع للشرور فاستسلامك لواحد يعني استسلامك للجميع، وهزيمتك أمام شرور العالم وأمام نفسك محتملة وشبه أكيدة، إذًا فاجعلها معركة، لهذا يطلق على حياتنا أحيانا “معركة البقاء “.

 

وأمامك الخيار الأخير: أن تنظر للحياة نظرة أنها أصلاً منبع للخير، مهما كان تحليلك لما يحدث لك من سوء، فكل ما يحدث لك هو خير لك مهما بلغ سوؤه.

 

هل فكرت في كيف سيكون لقاؤك بإحدى زملائك بعد 15 سنة مثلاً، كيف ستتكلمون؟! ماذا ستتذكرون؟! ورغم اختلاف تفاصيل إجابات هذين السؤالين إلا أن هناك إطارًا عامًا للإجابات: ستتذكرون الفترة التي كانت فيها حياتكم رائعة، ستتذكرون الفترة التي كانت أقصى مشاكلكم هي أنكم تنامون النهار وتسهرون الليل، ستتذكرون الفترة التي كان أقصى معاناتكم في بطارية “موبايل” فارغة في بداية “خروجة”.

 

هذه الفترة التي لم تكونوا فيها مسئولين عن غيركم، الفترة التي – وإن لم يكن حاضركم ممتازًا- كان لديكم مستقبلاً تتأملون فيه، ولذلك فإن كثيرًا من البشر مصابون بالـ Mnemophobia، وهي فوبيا الخوف من تكوين ذكريات.

 

إنهم يخافون أن تكون لديهم ذكريات أصلاً، حتى لا يتعبهم التأمل فيها في المستقبل، ربما تظن أن هذا يشمل الذكريات الحزينة، ولكنني أقسم لك أن هناك أشخاص تخشى الذكريات السعيدة لأنها جالبة للمعاناة النفسية أكثر من الذكريات السيئة.

 

أرى أن أقوى معاناة الإنسان تبدأ عند سن العشرين من عمره، لتأخذ خطـًّا مستقيمًا يعاني منحنيات لأسفل في محطات السعادة في حياته، حتى يصل لسن الثلاثين التي ما إن يصل لها حتى يرتفع المنحنى لأعلى ارتفاعًا جنونيًّا ويأبى النزول نهائيًّا، ماذا سيكون ردة فعلك إذا أُجبرت على أن ترى مباراة في دوري الدرجة الثانية المصري لمرتين متتاليتين؟

 

مباراة لا تحمل إثارة إنما هي روتينية مع لاعبين لا يمتلكون أقل قدر من المهارات، هذه المباريات صُممت لتلعب في هدوء دون مشاهدين، وكذلك حياتنا أيضًا صممت كي تراها وحدك مع عدد قليل من المشاهدين يمكن إهمال نسبتهم مقارنة بعدد البشر.

 

إنني أتحمل حياتي بكفاح رهيب وبعد وصولي سن الثلاثين وتقدمي في السن أكثر، أرى أجيالاً أخرى قادمة، نفس الحياة، نفس الروتين، مباراة بائسة تزيد من معاناتي وتذكرني بفشلي، وأنا لست في حاجة لذلك.

 

الشر في حياتنا واقع لا نستطيع تغييره، بل إنه أحد الأسباب القائم عليها الوجود أصلاً، فلو كانت الحياة خيرًا فقط، لما أصبح هناك هدف من الاختبار الإلهي للبشر، ولو كانت كل حياتنا شرًّا لكان غرض الله في خلقنا أن يعذبنا – وحاشاه- فحياتنا مزيج من الضديات التي ليست بالضرورة أن تكون متوازنة، فلا يوجد مشكلة في أن يكون الشر أكثر وأقوى من الخير، أو المعاناة موجودة أكثر من تحقيق الذات والسعادة.

 

النظرة المتشائمة في الحياة هي التي يغلب فيها الحزن على السعادة والشر على الخير، وعلى العكس تمامًا يكون التفاؤل، لقد كان لفلاسفة عصر التنوير الأوروبي، ديكارت وسبينوزا وليبنتز كان لديهم نزعة عقلانية وآمنوا بالتفاؤل، أي أن الشر محدود وأن الحياة تنتقل من اللا وضوح للوضوح، بالطبع لم تكن سمة هذا العصر هي التفاؤل، بل كان هناك فلاسفة كباسكال ولوك وبايل، فهؤلاء أبرز من تشاءم، وأبرز من كان يرى أن الإنسان بائس بطبعه، وأنه يصعب أن يأتي هذا الشر من إله.

 

واستغل بايل هذه الفكرة من أجل الترويج للديانة المانوية، وهي ديانة فارسية قديمة تقول بأن هناك إلهين أحدهما للخير والآخر للشر.

ليبنتز “المتفائل دائمًا حتى إنه سُمي بأبي التفاؤلية” كان يرى أن العالم الذي نحياه هو أحسن العوالم الممكنة، فهو يرى أن الإله عندما أراد أن يخلق الحياة كان عنده مجموعة لا حصر لها من العوالم في تفكيره، وبالتأكيد اختار هذا العالم ليخلقه من أجل علة ما، وهي أنه “أكمل” العوالم، وبذلك يكون الخير والشر شقين موجودين فيه، وأن الشر مكون ضمن هذا العالم، وليس شيئًا يضاده أو يظهر ضعفه.

 

ومنها قسم ليبنتز الشر لشر ميتافيزيقي، وهو النقص في الإنسان، فقد خصص الله الكمال لذاته؛ فخلق كل إنسان بنقص، مع حثه على السعي للكمال، مع إدراك عدم إدراك هدم إدراكه، وشر طبيعي، وهو الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل، وشر أخلاقي، وهو النقص في أفعال الإنسان لا في تركيبه، مثل ما فعله يهوذا مع المسيح وإفشاء سر مكانه.

 

أما عن التشاؤم، فقد رفض فولتير فكر ليبنتز المتفائل بصورة زائدة عن اللزوم، ورفض فكرة الشر الطبيعي، وكيف لإله أن يقتل آلاف بفيضانات أو زلازل كي يعاقب مجموعة أقل من البشر المخطئين، كان يرى أن ذلك يقلل من قدر الإله.

 

ألم يكن الإله قادرًا على خلق عالم بلا شر دون الحاجة لقتل المزيد من الأبرياء؟! وكانت قصيدته المشهورة “قصيدة في كارثة لشبونة” تُفصّل ذلك، حتى إن جان جاك روسو أرسل له رسالة تبين له أن خطيئة البشر كبيرة، وما حدث في لشبونة ما هو إلا عقاب عادل لهؤلاء البشر.

 

المعاناة والتشاؤم أراهما وجهين لعملة واحدة، وهي سوداوية الحياة. ربما تأتي لشخص وتسأله عن أكثر ما يخيفه، فيخبرك أن أكثر ما يخيفه هو أن يموت موتة طبيعية، الظاهر أنه يريد أن ينتحر أو يموت في إحدى المعارك ليصير بطلاً تاريخيًّا كبيرًا, ولكن ليس هذا ما يقصده كثيرون، إنما ما يقصدونه هو أنهم لا يريدون أن يكونوا كيانات مختلفة، أن يعيشوا حياة طبيعية، ولكن بتفكير غير طبيعي.

 

هو يريد أن يكون راضيًا عما وصل إليه، وإن كان ضئيلاً ولكنه راضٍ، فالمعاناة ستظل موجودة في حياتك شئت أم أبيت، والتشاؤم يعكس عدم رضاك عن حياتك، فكل ما عليك فعله أن تقوم وتحضّر طبقًا هائلاً من الفشار، وتمسك “ريموت” الوجود وتشاهد حياتك، لا تجعل أشياء كبيرة أو صغيرة تحدث لك تؤثر على استمتاعك بمشاهدتها.. وأتمنى لك حظـًا موفقًا في المشاهدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!