أحمد نصار
أحمد نصار

2,442

“الأحداث الأخيرة تؤكد نموذج البارانويا الذي يمثله السيسي .. هذا النمط الذي يتسم بالبارانويا يبدو أنه نتاج رؤية متماسكة بين أجهزة الأمن المنقسمة في مصر، التي تجمعها وحدة الهدف في شن حملة ضد كافة أطياف المعارضة السياسية، ويتضافر الجيش والشرطة والمخابرات والقضاء لتنفيذ رؤية الحكومة السياسية، وهو إنجاز بيروقراطي مثير للإعجاب، لكنه ينذر بسوء فيما يتعلق بالإصلاح الديمقراطي”.

كانت هذه الجمل عبارات مقتبسة من تقرير لمجلة فورين بولسيي الأميركية الشهيرة في تقرير لها عن مصر والصادر يوم السبت 23 مايو الماضي، بعد أحكام الإعدام الجماعية بحق الرئيس مرسي ومعارضي الانقلاب العسكري، وحكم حظر روابط الألتراس واعتبارها إرهابية!

وحين تصف مجلة متخصصة بحجم الفورين بوليسي عبد الفتاح السيسي بأنه مصاب بالبارانويا، وتذهب إلى تعميم ذلك على نظامه بالكامل، بل وتؤكد أنها الشيء الذي وحد الأجهزة الأمنية المنقسمة في مصر، فإن ذلك لا شك ليس نابعا عن وصف مجازي أو بلاغي، بل على قدر كبير من العلمية والموضوعية.

وأعتقد أنه ينبغي هنا أن نتناول المصطلح بشيء من التفصيل، في محاولة لاستخدامه كنموذج تفسيري يساعدنا على فهم تصرفات السيسي، وعباراته الأثيرة وتصريحاته الغريبة المثيرة للسخرية في كثير من الأحيان (مثل تصريحه الصادم أنه طبيب كل الفلاسفة، وأن مصر كانت على الحرف وحد زقها وهي بتقع راح حد ماسكها، وأنه كان يتعرض للضرب مرارا وهو صغير).

كذلك يساعدنا تناول هذا المصطلح في فهم قراراته التي تبدو غريبة وغير منطقية (كأحكام الإعدام الجماعية التي صدرت حتى على شهداء أو أسرى في سجون الاحتلال، أو اتهام أعمى بقنص ضابط، أو مريض شلل أطفال بقطع طريق، وحظر روابط الألتراس، والإصرار على استمرار الدوري بدون جمهور، واصطحابه الممثلين والممثلات والإعلاميين الموالين له في كل زيارة خارجية له).

تعريف البارانويا

على غير الشائع فإن البارانويا لا تعني جنون العظمة، وإنما جنون الارتياب، والحقيقة أن جنون العظمة هو أحد أنواع جنون الارتياب.

البارانويا مرض نفسي مزمن يتسم بالتوهم (Delusion) وهي أفكار يعتنقها المريض، ويؤمن إيمانا وثيقا بتعرضه للاضطهاد أو الملاحقة، والخوف من كل شيء وكل شخص تقريبا.

من أهم أعراض هذا المرض النفسي الخطير الخوف دوما من حصول شيء سيء، والظن دائما أن المسؤولية تقع على الآخرين، والاعتقاد والإيمان المبالغ فيه بشيء ما رغم أنه غير مبني على أسس واقعية.

لذا نجد مريض البارنويا يعاني من حالة مرضية ذهنية يعتنق فيها اعتقادا باطلا لكنه راسخ، يتشبث به المريض بالرغم من سخافته، وقيام الأدلة الموضوعية على عدم صوابه.

وتختلف البارانويا عن الهلوسات في أن المريض الذي يعاني من هلاوس يتخوف من أشياء غير واقعية أو منطقية (مثل أن كائنات من المريخ تطارده وتريد قتله)، بينما مريض البارانويا (كالسيسي) تتسم مخاوفه بالمنطق، لكنه منطق لا يقوم على أساس صحيح (مثل أن حربا أهلية كانت ستقوم في مصر لو أكمل الرئيس مرسي مدته، وأنه لولا الانقلاب لكنا لاجئين نتلقى المعونات بالطائرات، أو أننا كنا سنصبح مثل سوريا والعراق… إلخ).

وللمرض أسباب كثيرة، مثل مشكلات وضغوط الحياة التي قد تؤدي إلى القلق والاكتئاب ومن ثم إلى البارانويا، ومنها أيضا البيئة المحيطة عندما تكون غير قائمة على الألفة والترابط، وكذلك المواقف التي يتعرض لها الطفل وهو صغير والتي تجره للاعتقاد بأن العالم مكان غير آمن البتة وأن الناس غير جديرين بالثقة (بكرة أكبر وأضربكم). هناك أيضا أسباب أخرى مثل العقاقير والكحول، والنوم السيء، وبعض الأمراض الجسدية كآلزهايمر والأشكال الأخرى من الخرف.

وهناك أنواع عدة من البارانويا أهمها:

هذاء الاضطهاد: كأن يعتقد المريض أنه مضطهد وأن الناس من حوله يتآمرون عليه ويريدون إلحاق الأذى عن عمد.

هذاء العظمة: كأن يعتقد المريض أنه شخصية مرموقة بالغة الأهمية أو النفوذ. (وهو النوع الأقرب للسيسي، ويتماشى مع ما صرح به من أحلام رأى فيها السادات وأخبره فيها أنه سيصبح رئيسا، وأنه سيُعطى ما لم يأخذه أحد).

هذاء توهم المرض: كأن يعتقد المريض أنه مصاب بمرض عضال رغم كل التحاليل والفحوصات التي تثبت له عكس ذلك.

هذاء التلميح: والهمس والغمز ممن حوله، إذ يتوهم أن كل ذلك موجه ضده بنية سيئة، مما يدفعه إلى اعتزال الناس.

الهذاء السوداوي: يعتقد المريض في هذه الحالة أن مصائب الناس والكوارث البيئية والحروب، كلها حدثت بسببه، أي أنه يشعر بالذنب والإثم، لذا يرى أنه يستحق أي عقاب ينزل به.

بهذا الشكل يمكن فهم الكثير من قرارات السيسي وأفعاله، والأسباب التي جعلته مصابا بهذا المرض النفسي “البارانويا”.
فالطفل الذي نشأ في مدينة كبيرة كالقاهرة حيث العلاقات فيها غير مترابطة كالريف، مع تعرضه لأشكال متكررة من الاضطهاد على يد أقرانه الذين كانوا يضربونه، (هذه الذكرى التي جعلته يذكرها بعد عشرات السنين، ويذكرها على الملأ وعلى الهواء مباشرة) وكأنها ضاغطة عليه وعلى أعصابه، على الشعور واللاشعور عنده، للدرجة التي دفعته لذكرها وهو في زيارة لأكبر دولة في العالم “الولايات المتحدة” كرئيس وليس كشخص عادي. وكأنه يقول لمن كانوا يضربونه في صغره: أرأيتم؟ أين أنتم الآن وأين أنا؟ كل هذه عوامل ساعدت ربما في تقوية شعوره بالاضطهاد والارتياب والخوف الدائم.

والسيسي لأنه تربى على يد قيادات الجيش التي تبنت خيار السادات في الالتحاق بالمعسكر الصهيو أميركي، والقبول بمعاهدة كامب ديفيد بكل ما تحمله هذه الاتفاقية من نزع لسيادة مصر على سيناء وخروجها من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، أو لمجرد حرصه المادي البحت على استقرار نظام حكمه وعلمه اليقيني من عمله في المخابرات الحربية أن رضا تل أبيب هو بوابة ذلك، فقد تكوّن لديه اعتقاد باطل راسخ أنه لا يجب أن نسمح لأراضينا أن تستخدم كمنطقة خلفية لتهديد أمن إسرائيل، وأن من لا يؤمنون بحق إسرائيل في الوجود هم إرهابيون وليسوا مقاومين، وأن الأيديولوجيا الإسلامية خطر على الدولة المصرية، وأن الرئيس مرسي إذا استمر في فترته الرئاسية فسنصبح مثل سوريا والعراق، حيث يقتل الجيش الناس في الشوارع والمساجد، ويعتقل أبناءهم ويغتصب نساءهم، وللمفارقة هو عين ما يفعله السيسي الآن!

السيسي وزمرته ليسوا مجرد منتفعين! هناك منتفعون من هذا الانقلاب بلا شك، وهم الفئة التي وضعتها الظروف السياسية والتاريخية في أماكن ومناصب ما كان لها أن تحلم – مجرد الحلم – بها، وهي إزاء ذلك تحاول أن “تكبش” أكبر قدر ممكن من الثروة قبل أن تتغير هذه الظروف الطارئة وغير الطبيعية!

لكن قيادات هذا الانقلاب وعلى رأسهم السيسي و”الملأ” الذي يحيط به نفسه دائما مؤمنة أشد الإيمان بما تقوم به! السيسي يؤمن حقا أنه أنقذ مصر ومن حوله مؤمنون بقدر لا محدود من الخرافات!

منهم من يؤمن حقا أنه لا يوجد شيء اسمه عذاب قبر (إبراهيم عيسى)، وأنه لا يوجد فريضة اسمها الحج (نوال السعداوي – فاطمة ناعوت) ولا يوجد حدود في الإسلام و ينكر كتب السنة الصحيحة (إسلام البحيري) أو أن الإخوان خوارج كلاب أهل النار رائحتهم نتنة (علي جمعة) أو أننا اخترعنا جهازا يعالج الإيدز وفيروس سي (عبد العاطي) أو أن الزنا قبل الزواج ليس حراما (إيناس الدغيدي)، وأن كلام الأنبياء غير صحيح (إيناس الدغيدي)، وأن المرأة إذا وجدت زوجها يصلي عليها أن تخاف (دينا)، وأن الحجاب ليس فريضة (فريدة الشوباشي)، ويتبنون الدعوة لمليونية خلع الحجاب (شريف الشوباشي)، وأن القضاة هم السادة وغيرهم العبيد (أحمد الزند)، أو أن الشرطة هم السادة وغيرهم العبيد (مدير أمن سابق) أو يأخذون على عاتقهم تعريف الناس بالإسلام الوسطي الجميل والبعد عن مواطن التطرف والإرهاب (إلهام شاهين).

لا يجب أن ننظر إلى هؤلاء على أنهم مجرد منتفعين يريدون البقاء في السلطة أو حولها! هؤلاء مؤمنون إيمانا راسخا بهذه الخرافات التي توصف اجتماعيا بالعنصرية وتوصف دينيا بالفسق أو الإلحاد.

والعجيب أن القرآن الكريم ذكر في أكثر من موضع هؤلاء المتشبثين بالباطل وهم مقتنعون أنه الحق، يقول تعالى: “قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104)” الكهف.

والغريب أن تشبثهم بهذا الباطل لا يتوقف على الدنيا فقط، وإنما يرافقهم هذا الباطل في الحياة الآخرة، حتى يلقوا الله عز وجل به:

“يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون”

إنهم “الملأ” الذين ذكرهم القرآن الكريم عندما يتحدث عن كل طاغية، ولا سيما فرعون. والملأ – من الفعل ملأ – الذي يملأ الفراغ الذي حول الطاغية، فلا يراه الناس وحيدا أبدا بل محاطا دائما بما يسحر أعين الناس كالأغنياء والممثلات (هل عرفت الآن لم يصطحبهم معه في كل زيارة؟)، أو بما يرهبهم (الحرس والجنود). وصدق الله العظيم إذ يقول: “إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين” القصص 8

وكذلك فإنهم “الملأ” الذين يملئون آذان السيسي ويطربون سمعه بما يحب سماعه من عبارات الإطراء والمديح، لذكائه وحنكته وعظمته وعظمة أفعاله، وهي العبارات التي تقوي جنون العظمة المصاب به وتغذيه، حتى رفعه أنصاره مرة إلى مكانة المسيح ومرة إلى مكانة الرسل والأنبياء، ولا يعلم جنود ربك إلا هو!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك