ماجد القاضي
ماجد القاضي

702

(1) الأحداث بلا حرق

“عَدَّاء المتاهة” فيلم أمريكي إنتاج 2014م، وهو – توافقًا مع موضة هوليوودية سادت في السنوات الأخيرة – من بطولة مجموعة من المراهقين دون أي أسماء كبيرة (تسند) الفيلم، وأعتقد أنه من أفضل ما تم تقديمه في هذه الفئة من الأفلام.

تبدأ الأحداث – التي تدور في إطار من خيال علمي تطغى عليه الحركة والإثارة – بالبطل وهو يستيقظ داخل مصعد يخرج من باطن الأرض ليجد في استقباله مجموعة كبيرة من المراهقين، يعرف منهم أنهم مسجونون في هذا المكان منذ ثلاث سنوات، وأن كلاً منهم مثله تمامًا فاقد للذاكرة.

البطل (توماس) – الذي يتذكر اسمه لاحقًا – بمصاحبة (ألبي) قائد المكان وأقدم قاطنيه يتعرف تدريجيًا على تفاصيل هذا المكان العجيب؛ فيكتشف أنه عبارة عن مساحة شاسعة من الأرض محاطة بجدران شاهقة الارتفاع، وفي كل شهر ينضم زائرٌ جديدٌ عبر ذلك المصعد الغامض. وقد استطاع هذا المجتمع الصغير أن يتكيف مع حياته في هذه الأرض – التي تسمى (جلايد) – ببناء البيوت البسيطة والأسلحة البدائية من أخشاب الغابة وتوفير الطعام بالزراعة المعتمدة على الأمطار. فضلاً عن أن ما يحتاجونه ولا يستطيعون توفيره مثل الأدوية يجدونه في صناديق لا يعرفون كيف تظهر لهم كل حين، وصار لهم قواعد صارمة يتقيد بها الجميع؛ أهمها “عدم الاقتراب من الجدران”.

ولكي تكتمل جوانب المشهد، الذي يدل بوضوح على أنهم مجرد فئران في تجربة ما أو لعبة ما يسيطر عليها صانعو هذا المكان، تنفرج الجدران كل 24 ساعة عن فتحة تفضي إلى متاهة عملاقة ذات جدران بنفس الارتفاع الشاهق.

بالبطع في أمل للوصول إلى الحرية، حاول شعب (جلايد) كثيرًا أن يحلوا لغز المتاهة – التي تقول لهم كل يوم: (هلموا إليّ فأنا أتحداكم)، عن طريق مجموعة مميزة منهم تتصف بقدرات بدنية وعقلية أفضل من الآخرين يطلق عليهم (العدَّاؤون)، (Runners). أولئك الذين يستطيعون الركض بسرعة كبيرة مع اتقاد ذهن لحفظ ما يتم كشفه من المتاهة لرسم خريطة تدريجية توضح تفاصيلها، ولا بد أن يكونوا ذوي قدرات قتالية؛ لأن من لا يستطيع منهم العودة قبل أن تغلق المتاهة بوابتها يضطر للمكوث في الداخل ليلة كاملة، لكنه يضطر أيضًا لمواجهة كائنات مفترسة تتجول هناك – افترست بعض العدائين سابقًا بالفعل – يطلقون عليها اسم (جريدز).

ومن خلال تتابع الأحداث نتعرف على نماذج متنوعة من الشخصيات المتباينة في الطبيعة والسلوك وردود الأفعال تجاه الأزمات، والأهم في مدى تقبلها وتفاعلها مع هذا الزائر الجديد بما يحمله من فكر متمرد على قوانين المكان، وجرأة عالية في مواجهة أي نوع من المخاطر للتغلب على هذه المتاهة.

(2) أسرار جاذبية الفيلم
بخلاف استخدام أبطال مراهقين كان أداؤهم جميعًا مميزًا بما يجعل بطولة الفيلم جماعية عن جدارة، أعتقد أن من أهم عوامل الجذب في الفيلم الحبكة المعتمدة على تيمة شيقة، مكررة ولكنها لا تفقد إثارتها ولا تبلى أبدًا، لاسيما إذا تمت معالجتها بشكل مختلف وتفاصيل جديدة. وهي التيمة التي قامت عليها سلسلة أفلام (Saw)، وسلسلة أفلام (The Cube)، وفيلم (House of Nine).

التيمة التي يستيقظ فيها البطل دائمًا ليجد نفسه محبوسًا مع مجموعة لا يعرفها من البشر في مكان مجهول، غالبًا ما يكون مجهزًا بفخاخ تمنعهم من المغادرة، أو على الأقل تجبرهم على التصارع فيما بينهم حتى يبقى واحد فقط يستحق الخروج؛ حيث تتجلى لدى البطل – ولدينا – بعد أن يتغلب على مرحلة الصدمة والارتباك الأولى أعجب الصفات البشرية؛ وهي القدرة الخارقة على التكيف مع الظروف عند الشعور بخطر يهدد الحياة؛ فيتحول الإنسان – في ساعات معدودة – من شخصية مسالمة سيرتها الأحداث لسنوات طويلة إلى شخصية مقاتلة دموية تطوع الأحداث تطويعًا لحسابها.

الجديد هنا الذي أتى به الكاتب أن الأحداث لا تدور في إطار من الرعب المعوي المقزز، ولا تدور في الإطار التنافسي التقليدي، حيث يتكاتف الأفراد ويوزعون الأدوار بينهم بتكامل للحفاظ على بقاء المجموع.

وقبل أن أعرج على الفكرة الرئيسية والمهمة التي يطرحها الفيلم من وجهة نظري، أشيد سريعًا بالديكور المتميز والرائع المصنوع في غالبه بالمؤثرات الخاصة، كذلك بالموسيقى التي كانت متناغمة جدًا مع الأحداث صعودًا وهبوطًا. أما التصوير فكان أكثر ما لفت انتباهي؛ حيث كانت اللقطات البعيدة الشاملة للكاميرا غالبة في الفيلم وكأن المخرج يُذكر المشاهد دائمًا بأنه ليس خارج الأحداث ولكنه حبيس معهم داخل أرض (جلايد)، أو هذا ما وصلني على الأقل.

(3) شعب (جلايد) يشبهنا ونشبهه!

ترجع أهمية صناعة السينما – وخطورتها في الحقيقة – إلى أنها سلاح سحري تتدرج قوة تأثيره من مجرد التسلية البريئة أو الملهية عن الهموم الحياتية إلى درجة توجيه البشر إلى التعاطف لتبني قضية قد لا تعنيهم أصلاً. كل ذلك تحت مظلة السيطرة على المشاعر والعقول.

فنحن في أحاديثنا نحكي قصة أو مَثَلًا بالكلمات المجردة لندعم قيمة ندعو إليها أو قضية نحمل همها، أما هنا فالمثل يصير مجسدًا يعيشه المتلقي بكل كيانه، بل ينغمس فيه انغماسًا، حيث تتسلل المفاهيم عبر غالب الحواس من خلال سحر الشاشة العملاقة لمدة ساعتين كاملتين في انفصال تام عن العالم. (بعض السينمات تقوم بالتعامل مع مزيد من الحواس بتقديم الرائحة والملمس وبعض الظواهر الجوية كالبرق والرطوبة مع الفيلم فيما يسمى بتقنية البعد الرابع في عرض الأفلام).

في سياق الإقناع المبهر، أرى أن الفيلم يمثل نموذجًا جيدًا جدًا لقيمة الحرية في مقابل العبودية، فهو يقدم سيناريو واقعيًا – من خلال حبكة خيالية وأحداث تراكمية مثيرة – لكسر العبودية التي يصنعها المستبدون ويحيطونها بأسوار حسية مصنوعة من السلاح والصخر مع أسوار معنوية مصنوعة من الخوف والقهر. وبتعبير آخر، يقدم الفيلم “وصفة” تجيب على السؤال: كيف تقوم “أقلية مقاومة” بإيقاظ “أغلبية غافلة” ترفض التغيير خوفًا أو تكاسلاً؟!

فعندما تتابع أحداث الفيلم من هذه الزاوية ستجد تشابهًا واضحًا بين أحوال شعب (جلايد) وأحوالنا:
1- فرغم أن المسيطرين على أرض المتاهة يوفرون لهؤلاء المراهقين المستعبدين وسائل الحصول على الغذاء والدواء، إلا أن هذا لا يكون إلا بمعاناة تكاد تشغل معظم وقتهم عن كيفية الخروج من سجنهم الكبير.

2- الأمان والاستقرار متوفر ما دام المجتمع لا يثور؛ فلم تكن وحوش المتاهة تدخل أبدًا إلى أرض (جلايد) سابقًا. بينما فعلت وقلبت الحياة ذعرًا وهلعًا عندما استطاع البطل تحويل المجتمع من حالة (القلة المقاومِة) إلى (الكثرة الثائرة) نفس القانون غير المكتوب للمستبدين: (الاستعباد مع الأمان، أو الثورة مع الفوضى والرعب). فكروا جيدًا أيها العبيد قبل أن تثوروا.

3- رغم أن غالبية المجتمع مستكينة والقلة فقط هي التي تقاوم، إلا أن “المتاهة” يجب أن تنفتح من وقت لآخر. لماذا؟
ليبقى لديهم أمل. المستبد الذكي هو الذي يعطي العبيد شيئًا يعيشون من أجله. إذن لماذا لا يترك المستبدُّ العبيدَ يموتون قهرًا وكمدًا ويأسًا؟ بالطبع لأنه يحتاجهم في دنيا الواقع؛ هم يديرون له كنوزه ويخدمونه مع النخبة الحاكمة. بينما في حالتنا هنا المسيطرون يحتاجون هؤلاء المراهقين لإتمام هدف ما ينكشف للمشاهد في نهاية الفيلم.

4- أحيانا ما يصيب اليأسُ القلة المقاومة، لكن شرف المسئولية يمنعهم من إظهار ذلك لبقية المجتمع، وفي الفيلم يكتشف البطل أن قادة العدَّائين عرفوا منذ زمن أن المتاهة مغلقة بعد أن رسموا لها خريطة كاملة بالفعل، لكنهم أخفوا ذلك عن أبناء شعبهم، واستمروا في الدخول إلى المتاهة وتعريض أنفسهم للهلاك، فقط من أجل أن يبقى الأمل!

5 – فئة العبيد لا تريد أن تغامر، لكنها أيضًا تكره أن يغامر غيرها خوفًا من غَضْبة السادة؛ لأنهم إذا غضبوا لا يصبون غضبهم على المغامرين فقط، وهو ما حدث عندما نقل البطل طبيعة الصراع نقلة نوعية أغضبت سادة أرض (جلايد) فكسروا القواعد القديمة وتركوا لوحوش المتاهة العنان ليفترسوا كل من يقابلهم من شعب (جلايد)، لا فرق بين مسالميه وعدَّائيه!

(4) الخروج من “متاهة” الاستعباد!

من درس تاريخ المقاومة لدى الشعوب المختلفة ضد أي محتل خارجي أو مستبد داخلي سيجد أن هناك مراحل لا بد أن تمر بها أي معركة استقلال، وهو ما مر بشعب (جلايد) كما يتضح تاليًا:

1- لا بد في البداية من وجود نخبة مبدعة لديها رؤية وقدرة على وضع الإستراتيجيات (التخطيط بعيد المدى)، وقد تَمَثل هذا بوضوح في القائد الأسمر (ألبي) ومساعده الأشقر (نيوت)، حيث كانا الوحيدين اللذين يعلمان بخريطة المتاهة، وكذلك يعلمان أنها مسدودة – أو هكذا كانا يظنان – دون أن يخبرا بقية الشعب الذي يحتاج إلى الأمل، حتى انضم إليهم (توماس) وكان لديه ما يضيفه فغيَّر مسار الأحداث.

2- لا بد – تاليًا – من وجود قلة مقاومة تؤمن بتلك الرؤية ولديها القدرة على وضع التكتيكات (التخطيط قصير المدى) وتنفيذها بالفعل، فتنقل عملية المقاومة من جانبها التنظيري إلى جانبها العملي، أو تنقلها من الورق إلى الأرض، فتبذل وتضحي وتوجع المستبد؛ لتثبت لبقية الشعب الساكن أن الأمر يستحق وأن التضحية تجدي، والأهم أن المستبد ليست لديه السيطرة المطلقة على مجريات الأمور، والخطوط الحمراء التي كان الجميع يظن أنه لا يمكن تخطيها يمكن لمجموعة محدودة أن تتخطاها وتثبت بطلان هذا الاعتقاد، وهذا ما كان يمثله العداؤون.

3- يجب على القلة المقاومة كذلك أن تكسر القوانين، الكثير منها. لاسيما لو كانت من صنع المستبد أو من صنع مجتمع خائف مذعور يخشى على رأسه أن تقطع إن هو أطل بها من نافذة الزمن ليرى الغد المبهج.

وهو ما فعله البطل أيضًا حينما أجبر العدائين على ضمه إليهم، وحينما قفز بهم قفزة كبيرة في مواجهة العدو الخفي وكَسَر جزءًا كبيرًا من حاجز الغموض عندما استطاع أن… (نعم. أعتذر: المفترض ألا أحرق لك الأحداث)

4- ومع كل تضحية تقدمها القلة المقاومة يقتنع جزء من الأغلبية الصامتة بالقضية وينحاز للمقاومة، وتدريجيًا تأتي المرحلة قبل الأخيرة حينما تصل كفة المقاومة إلى ما يسمى (الكتلة الحرجة) الكافية لقلب الموازين. وهذا ما حدث قرب نهاية الفيلم، عندما اقتنع العدد الكافي بأن الحرية صارت قريبة، هناك خلف تلك المتاهة.

5- وفي المرحلة الأخيرة تتحرك الجموع رغم علمها بأن التضحيات لم تنته، وأنه لا بد للمعركة أن تشتد لأن المستبد سيصير وقتها كالثور الهائج في محل من الفخار، وهذا ما نلاحظه عندما تحركت الأغلبية في النهاية إلى داخل المتاهة في رحلة بلا عودة، وهي تعلم أنها ستواجه عددًا أكبر من الوحوش، وأنها ستقدم مزيدًا من القتلى في هذه المواجهات. هنا يعرف المشاهد أن قيمة الحرية ارتقت في نفوسهم حتى صارت أهم وأعظم من مجرد العيش في أمان.

* * * * *

ولكن، هل نهاية مستبد تعني دائمًا أن المعركة قد انتهت؟ أم أن هناك مراحل أخرى يجب خوضها لنيل الحرية؟ هنا ينفصل الفيلم عن الواقع ليقدم للمشاهد مفاجأة النهاية.

أما في واقعنا الأليم، لو اكتشفنا بعد كسر المستبد أن الطريق لم ينته بعد فهذا لن يشكل فارقًا وقتها مع شعب وقر في نفسه أن الحياة مع قيمة الحرية وشرف السعي إليها أهم من الحصول على الحرية نفسها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك