default-avatar
محمد الشهاوي
default-avatarمحمد الشهاوي

اليوم يكون قد تمت ستة أشهر على انتهاء فعاليات المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ الذي أسفر عن صياغة مذكرات تفاهم بين الحكومة المصرية وبعض المستثمرين والدول الأجنبية إلا أن الأهم كان المشروع الذي أعلن عنه وزير الإسكان المصري، مصطفى مدبولي، وهو مشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذي ما زال مؤيدو النظام يتباهون به بين الحين والآخر.

أين مشروع العاصمة الجديدة الآن؟ من الممول الإمارات ام الصين؟

محمد بن علي العبار هو المدير التنفيذي لشركة إعمار الإمارتية وهي من أكبر شركات الإعمار بالعالم العربي والشرق الأوسط. إعمار الإمارتية هي التي قامت بتنفيذ وسط مدينة دبي الذي أصبح من أهم مناطق الجذب السياحي في السنوات الماضية والشركة هي أيضا المنفذة لمشروع مدينة الملك عبد الله الاقتصادية.

قام العبار بتأسيس شركة كابيتال سيتي بارتنرز خصيصًا من أجل مشروع العاصمة المصرية الجديدة لكن النظام ومؤيديه قدموا العبار وشركته على أنه الممول والمنفذ وبذلك أخلوا بمفهومي التنفيذ والتمويل والفارق الواضح بينهما.

في السابع من الشهر الجاري كشف وزير الاستثمار، أشرف سالمان، عن إلغاء مذكرة التفاهم مع العبار التي تم توقيعها في مارس الماضي. هكذا نقلت صحيفة “اليوم السابع” الخبر ثم صرح الوزير ذاته “لم أقل أننا ألغينا مذكرة التفاهم مع العبار بل ذكرت تحديدًا أنه ممكن يحصل (العبار) على جزء من المشروع”. ثم أضاف أن مصر وقعت اتفاقًا آخر مع شركة صينية “لدراسة بناء وتمويل الجزء الإداري من مشروع العاصمة الجديدة”.

الباحث سيخلص إلى تضارب في التصاريح حول حقيقة استمرار رجل الأعمال الإماراتي، محمد العبار، في دعم المشروع من عدمه ودخول شركة صينية جديدة بغرض “دراسة بناء وتمويل الجزء الإداري”. كما يفيد البحث بمشاركة الهيئة الهندسة للقوات المسلحة في عملية التشييد والإنشاء. لأن المشاركة الوطنية ستكون محدودة قياسًا على الوضع الاقتصادي الحرج للدولة المصرية فسنهمل عنصر التمويل الداخلي ونبحث في حقيقة وجود الدعم الخارجي من عدمه.

مدينة مصدر الإماراتية: نجاح نسبي ودرس في الاقتصاد

في عام 2006، أطلقت حكومة أبو ظبي مشروع إنشاء مدينة صديقة للبيئة بتكلفة تتراوح من 18 إلى 22 مليار دولار أمريكي وأطلقت عليها اسم مصدر. المدينة تهدف للارتكاز على مصادر الطاقة المتجددة فقط وألا تطلق أي انبعاثات كربونية، ضارة بالبيئة. تم تخطيط إنشاء المدينة على مرحلتين على أن يتم الانتهاء تمامًا في خلال ثماني سنوات.

كان التخطيط أن تتم المرحلة الأولى بنهاية عام 2009 إلا أن الأزمة المالية التي ضربت دول العالم في عام 2008 حالت دون إتمام المشروع في الموعد المحدد وتم تأجيل موعد انتهاء المرحلة الأولى إلى 2015 إلا أنه لم يتم إعلان انتهائها إلى الآن. كما تم تقديم موعد انتهاء أعمال المدينة كليًّا إلى 2025.

المدينة نجحت في جذب الأنظار إليها كونها مبنية على فكرة مميزة ولأن حكومة الإمارات أنفقت أموالا وجهدا في الدعاية للمدينة الجديدة. فمن أهم مظاهر الدعم الدولي أن أعلنت حكومة الولايات المتحدة دعمها للمشروع وكذلك أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية. كما زارت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، المدينة. ومن أهم مظاهر الإنفاق أن أبوظبي عرضت على الوكالة الدولية للطاقة المتجددة استضافة مقرها الرئيسي في مقابل الحصول على المبنى مجانًا و20 منحة دراسية لمعهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا وما يقارب 350 مليون دولار قروض للدول النامية في مجال الطاقة.

من خلال تجربتها، هل تدعمنا الإمارات؟

نجحت الإمارات في الحفاظ على استمرارية المشروع لكنها فشلت في الحفاظ على جدول أعماله. كما أن نجاح المدينة كان مرتبطًا بامتلاكها طبيعة خاصة بالإضافة إلى الارتكاز على التمويل الوطني الذي وصل إلى مستوى عالٍ من الدعاية الدولية للمشروع. كما أن الترحيب الغربي بالمشروع كان مرتبطًا بطبيعة المدينة التي ترتكز على الطاقة المتجددة غير الحفرية وهو أمر مهم وحيوي ويؤسس لخلق مدن أخرى على نفس الطراز.

بالعودة إلى حقيقة تمويل الإمارات لمشروع العاصمة الجديدة من عدمه وبالأخذ في الاعتبار ما نقلته سابقًا جريدة “المصري اليوم” عن “مصادر خاصة” رجحت أن الخلاف المصري مع المستثمر الإماراتي يعود إلى رغبة الأخير في الاقتراض من البنوك المصرية بدلًا من الاعتماد على مصدر تمويل خارجي، نجد أن الإمارات التي قامت بتقديم جدول أعمال مدينة، وطنية، بتكلفة 18 مليار دولار أكثر من عشر سنوات بالتأكيد لن تمول مشروع تكلفته تتجاوز 50 مليار دولار أمريكي في دولة أخرى والأغلب أنها أيضًا لن تشارك.

الصين: مدن تسكنها الأشباح

مع بداية عام 2000، بدأ العملاق الصيني خططًا كبرى بالتوسع في بناء المدن الجديدة رغبة من الحكومة في استدراج أبناء الريف إلى المدن التي أصبح الاقتصاد الصيني مرتكزًا على الصناعات القائمة بها. ذكر تقرير حديث من “رويترز” أن عدد المدن الجديدة من عام 1949 إلى الآن قفز إلى 600 مدينة توصف بأنها “ميجا سيتيز” أي مدن عملاقة.

على مدار السنوات الماضية، نشرت صحف دولية عن مشاريع المدن الجديدة العملاقة التي تم تنفيذها في الصين ولقبها الكثير بأنها “جوست سيتيز” أي مدن تسكنها الأشباح. بالإضافة إلى أن هذه المدن تسببت في جرف آلاف من الأفدنة الزراعية وتبويرها لتقدمها الحكومة أرضًا بخسة الثمن لرجال الأعمال إلا أن المدن كانت بمثابة استثمار غير مُربح.

في تقرير من مجلة “إنترنشونال بيزنيز تايمز” نقلت فيه عن صاحب محل للورد، قام بافتتاح محله في إحدى المدن الجديدة، قوله “أين الناس؟ لا أحد هنا”. وعن مستثمر آخر: “سأفقد مشروعي قريبًا. أنا وفريق عملي ندرس الانتقال إلى بكين بحثًا عن عمل”. لكن هذا التقرير تم نشره في عام 2013 عندما بدأ الحدث عن فشل الصين في جذب سكان إلى مدنها الجديدة فهل يتفق واقع اليوم مع التقرير أم لا؟

وسط المقالات التي تنتقد استمرار استنزاف الصين للموارد الطبيعية في بناء مدن جديدة إلى اليوم، هناك مقال تم نشره على “رويترز” يعترض على فكرة “مدن الأشباح” ويرتكز التقرير على بعض الأرقام الضئيلة نسبيًا تفيد بانتقال سكان جدد إلى المدن الجديدة. إلا أن تقارير أخرى أكدت أن الصين فشلت إلى الآن في استقطاب سكان إلى المدن الجديدة لتدور عجلتها الاقتصادية.

مجلة “فوربس” المختصة بالأعمال نشرت تقريرًا ذكر أن “40 بالمائة تقديريًا من 300 مليون صيني (مستهدف انتقالهم للمدن) سينتقلون إلى المدن بحلول عام 2030” وهو عدد ضئيل جدًا في مدى زمني طويل.

من خلال تجربتها، هل تدعمنا الصين؟

الشركة الصينية التي ذكرت الحكومة المصرية عقد اتفاق معها تدعى “تشينا كونستراكشن” وهي مملوكة ضمن مجموعة شركات تحت مسمى “تشينا كونستراكشن جروب”. الشركة مملوكة للدولة ولها مكانة مرموقة دوليًا في عالم الإنشاء والتعمير والبنية التحتية. كون الشركة صينية يعني أن لديها إدراك لطبيعة المشاكل التي تواجه المدن الجديدة وعدم وضع خطط منطقية لنقل السكان في الاعتبار يعني أنها مخاطرة استثمارية للشركة.

ولو أخذنا في الاعتبار أن الصين مستمرة في بناء المدن الجديدة رغم الانتقادات فإن قدرات الشركة ستكون مستنفذة داخليًا وهو ما تدل عليه نوعية المشاريع التي قامت بها خارج الصين التي كانت قاصرة على “طريق للعاصمة أديس أبابا” و “ميناء تجاري بالسودان” و “ميناء للشحن النفطي بالمكسيك” ومشاريع أخرى تقريبًا بنفس القدرة الإنشائية.

كون الشركة ملكية عامة يضع شكوكًا حول لفظة “تمويل” التي استخدمها وزير الاستثمار، أشرف سالمان، أثناء حديثه عن الاتفاق مع الشركة الصينية. لأن الصين حاليًا تتخذ إجراءات حازمة تجاه سحب العملة الأمريكية من بنوكها بسبب هروب رؤوس الأموال وزيادة عدد المهاجرين الصينيين عن طريق الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية وعدة دول أوروبية. ووصفت “سي إن إن” حصول رجال أعمال الصين على “الجرين كارد” بأنه “تذكرة خارج الصين، بعيدًا عن التلوث وبحثًا عن تعليم أفضل لأبنائهم”.

بالعودة إلى ما قاله وزير الاستثمار، أشرف سالمان، أن الاتفاق مع الشركة الصينية “لدراسة بناء وتمويل الجزء الإداري من مشروع العاصمة الجديدة” فإن المقولة تطرح تساؤلًا جديًا عن مفهوم الحكومة للأمن القومي، فعند الحديث عن “الجزء الإداري” لعاصمة جديدة فالمعنى سيكون المباني الوزارية والمجمعات الحكومية الهامة وربما الأمنية. فإذا كانت المباني الإدارية للعاصمة تُبنى بواسطة شركات أجنبية فماذا ستبني الشركات القومية؟

ملحوظة: هذا المقال مبني بالكامل على افتراض واقعية المشروع من الناحية الفنية وجدية الحكومة في تنفيذه بغض النظر عن صحة الافتراض من عدمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك