حسن خضري
حسن خضريحسن خضري

بمرور الوقت كان العدد يتزايد قليلًا قليلًا مع الحصار الأمني المتصاعد؛ بدأ مع زملائه في التراجع تجاه ميدان التحرير؛ أثناء تراجعه وجد بجواره ما أثار انتباهه في عدسة الكاميرا؛ صديقه الإخوانى من أيام الجامعة، ابتسم له قائلًا: جميل أنك لم تلتزم بقرار جماعتك، رد عليه صديقه محمود قائلًا: ومن قال إن قرار الجماعة عدم المشاركة. لم يفهم أمجد تعبيرات محمود الذى بدا بسيطًا للغاية بعيدًا عن التكلف كما عهده أيام الدراسة الجامعية، وسط تظاهرات طلاب الإخوان، فقد كان قائدًا ورمزًا طلابيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، محمود لم تتح له الفرصة المناسبة ليبرز مواهبه الإعلامية كما فعل أمجد.

وصل الجميع ميدان التحرير الذى بدأت جموع الشباب تتوافد عليه من كل حدب وصوب، وآخرون من أعمار مختلفة جمعهم هدف واحد؛ الوطن يستحق أكثر، وقف أمجد معاتبًا صديقه محمود على عدم التواصل معه طوال تلك الفترة منذ أيام الدراسة الجامعية؛ فقد كانا أكثر من أخوين، ليس فقط لأنهم كانوا في كلية الإعلام، وفي نفس الدفعة، ولكن لأنهما نشآ معًا منذ الصغر فى قرية واحدة، وجمعهم حلم واحد، ولم يفترقا، حتى بعد أن انتسب محمود للإخوان في السنة الأولى بالكلية، في حين ظل أمجد حر نفسه، ومع انشغاله في صعوده الإعلامي نسي صديق عمره، عرف قدرًا بزواجه، لم يحضر؛ فقد كان منشغلًا مع أستاذه بشدة، منبهرًا بذلك العام الجديد، فى حين شق محمود طريقه وسط الإخوان، وأخيرًا جمعهما الميدان مرة أخرى.

ابتسم محمود قائلًا: عندي الآن معاذ خمس سنوات، وسلمى 3 سنوات، واستقرت أموري وأعمل مدققًا لغويًا في إحدى دور النشر. تعجب أمجد من حال صديقه، الذى بدا عليه الرضا، ثم نقل الحديث من حياتهم الشخصية إلى مشاركة الإخوان في الفعاليات المناهضة لظلم النظام؛ اكتفى محمود بابتسامة صافية قائلًا: انتظر وسترى. صبروا فى الميدان هذه الساعات، حتى أعلن الإخوان رسميًا مشاركتهم الأحداث في جمعة أطلقوا عليها اسم جمعة الغضب، سخر أمجد من حركة الإخوان قائلًا لصديقه محمود: سبق السيف العذل، الفتور بدأ يدب في صفوف الناس، والحصار الأمنى يتزايد بشدة؛ ابتسم له صديقه الإخواني قائلًا: انتظر وسترى.

لم يعجبه هذا الهدوء من صديقه، بالرغم من أن هناك حملة اعتقالات شديدة طالت قيادات ومفاصل الجماعة، انتظر أمجد كما انتظر جميع من في الميدان ما ستسفر عنه الساعات القادمة، وكان الإخوان عند حسن ظنهم، الأمر الذي دفع أمجد لأن يعتذر لصديقه محمود، قائلًا: لقد أسأت الظن بكم يا صديقى؛ دائمًا ما كنت منبهرًا بحركتكم وقوتكم التنظيمية وأخلاقكم العالية، أنا مطمئن لأن الميدان في حراسة الإخوان؛ وكان يعني ما يقول فعلًا.

يومًا بعد يوم تطورت الأحداث، وزادت المطالب، حتى وصلت إلى الهتاف بإسقاط النظام؛ شعور جارف مع الملايين التي ملأت جنبات ميدان التحرير تهتف برحيل الطاغية وسقوط نظامه الفاسد، رصد بكاميرته إبداعات المصريين في التعبير عن غضبهم من الفساد والانحلال السياسى؛ رصد تفاعل الجماهير مع جنود وضباط الجيش عندما بدأ يحاصر الميدان لحمايته، فهتف «الجيش والشعب إيد واحدة»، ردد الجميع الهتاف وراءه، انبهر برجال الجيش الصامتين الذين يتحركون بلا ضجيج ويعملون في هدوء.

لم يعجبه ما قاله صديقه الإخوانى محمود من أن مشكلة حرية الشعب تكمن في سلطة العسكر، ولم يستمع لزملائه في حركة 6 أبريل (نيسان) بأن هناك فخًا ما، لكنهم لا يدركون أبعاده؛ انطلق أمجد فى ركاب أستاذه الصحفي الكبير الذي ردت إليه الثورة اعتباره مرة أخرى؛ وفوجىء به يهاجم الإخوان لأول مرة، وبشكل مباشر، ويدافع عن الجيش كمؤسسة عسكرية لها تاريخ، وأنها هي التي أنقذت الثورة، توافقت رؤاه مع رؤى أستاذه في أن خلاص مصر في يد العسكر؛ بمرور الوقت كانت رؤيته تصح أكثر وأكثر.

فالإخوان تخلوا عن الثوار في محمد محمود وغيرها، وظهر أمامه أن لهم مشروعهم الخاص في السيطرة على مفاصل الدولة، وبمرور الوقت كان هجوم أستاذه على الإخوان يتزايد، لم يسأل نفسه لماذا هذا التغير المفاجىء في موقفه من الإخوان، ولكن فى غمرة الزمن سار في ركاب أستاذه الذي قدمه في إحدى الحفلات لإحدى القيادات العسكرية التي ابتسم له ابستامة صفراء لم يرتح أمجد لها أبدًا.

استغرقه شريط الذكريات، فاختلس نظرة أخرى للفتاة الغارقة فى نومها العميق، واحتار في أمره، ماذا يفعل؟ وأين يذهب بها؟ حاول مراراً الاتصال برقم الهاتف دون جدوى، لا يجد ردًا من الطرف الآخر، وجه بصره للشارع الذي أخذت شمس الغروب تلون مبانيه بلونها الأصفر الحزين، غروب يوم شاهد فيه ما لم يكن يتخيل أن يراه هنا فى مصر، شاهد هذه المأساة عبر شاشات التليفزيونات في أماكن أخرى مختلفة من العالم في كشمير والشيشان والبوسنة وفلسطين، ولكنها تبقى صور، اليوم هو يعيش هذه المأساة بنفسه، رأى منها، وعاين بشاعة القتل، وتتأثر الأشلاء وتفحم الجثث.

قطع عليه تفكيره رنين هاتفه المتواصل، نظر للشاشه وهتف: رُقي .. كيف راحت عن بالي.. جاءه الصوت قلقًا من الطرف الأخر: أمجد أين أنت! تليفونك مشغول؟  تنهد أمجد بحرارة كادت تذيب الهاتف في يده قائلًا: الحمد لله؛ هذا هو وقتك، لدي مشكلة كبيرة. وفي دقائق معدودة قص عليها ما حدث، وأمر الفتاة، والمكان المتواجد فيه، وطلب منها أن تأتي إليه لبحث الموقف، واتخاذ القرار المناسب فيه.

رُقي! تلك الفتاة الجميلة النشيطة المرحة التى ملكت عليه مجامع قلبه منذ أيام الدراسة الجامعية، كانت تعيش بمفردها مع والدتها بعد وفاة والدها، وكانت والدتها تثق فيها ثقة مطلقة، زارهم أمجد في البيت، وتعرف على والدتها، وتوطدت علاقاتهما أكثر بمرور الوقت، كان بينهما شعور جارف بالحب، لكنهما لم يقدما على الخطوة الرسمية لتتويج تلك العلاقة الجميلة بمباركة الأسرتين كان طموحه يشغله.

كان مجرد وجودها إلى جواره يشعره بالأمان يبعث فى نفسه الطمأنينة والأمل لذا كان من المفيد أن تكون إلى جواره في تلك اللحظات العصيبة التى يمر بها الآن. كانت رُقي تمثل حلمًا جميلًا له؛ زهرة تتفتح أمام عينيه في نضارة شبابها، لكن انشغاله بمستقبله المهنى وارتباطه بأستاذه جعل هذه الخطوة تتراجع كثيرًا؛ وهى رضيت بذلك وصبرت وتحملت؛ كانت تحمل له حبًا واحترامًا كبيرًا، وترى فيه فارس أحلامها، وهو كذلك يرى فيها الفتاة التي تمناها طول العمر. إلا أنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
وللقصة بقية …

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك