5,636

مع بداية كل عام، يظهر الفنانون والساسة ورجال الأعمال ولاعبو كرة القدم، ومن يُسمون بـ”خبراء التنمية البشرية والتحفيز الذاتي”، والعرافون الذين يتنبؤون بما سيحدث في العام القادم؛ يظهر هؤلاء جميعًا في أبهى حلة مبتسمين متفائلين ليخبروا الناس عبر وسائل الإعلام بأمنياتهم الحارة للعام الجديد، والمتمثلة في انتهاء الحروب وسيادة السلام وامتناع الكوارث عن الحدوث، وفي حظ أوفر للفقراء والمعوزين والمتضورين جوعًا.

في نهاية عام 2015، تم الإعلان عن خبر مفاجئ وغير ملموس بالنسبة لمليارات البشر؛ خبر النجاح المذهل في محاربة الفقر المدقع في العام، إذ أشارت إحصائيات البنك الدولي إلى انخفاض معدل الفقر من 37.1% عام 1990، إلى 12.8% عام 2012، وصولًا إلى 9.63% في عام 2015.

حتى وإن كنت لا تلمس تلك النهضة في حالك وحال من حولك، فالأرقام تقول ذلك. الأرقام تقول إن العالم يحارب الفقر، وقد ينتهي من حربه تلك في عام 2030، وفضلًا عما تقوله الأرقام يكفي ما يقوله السيد “جيم يونج” رئيس البنك الدولي:

نحن أول جيل في التاريخ الإنساني يستطيع القضاء على الفقر المدقع.

لكن هذا التقرير لن يختار أن يحتفل معك عزيزي القارئ باقتراب انتهاء الفقر، وبأنك تنتمي إلى جيل الأبطال الذين قهروه، ولن يحتفل معك أيضًا بإحدى مسابقات الاستحقاق الفنية الضخمة؛ حول أجمل ممثلة وأفضل لاعب كرة قدم وأجمل عمل سينمائي في عام 2015، والتي تريد أن تقول أن هذا العالم هو مسابقة يفوز بها من يستحق، على العكس من ذلك سيحاول أن يذهب معك إلى حيث لا يريد أحد أن يذهب، ويتساءل عن مدى معقولية هذا السير الحثيث نحو المستقبل، وهل حقًا هذا العالم يحارب الفقر، أم أنه لا يحارب إلا الفقراء ولا يمكن أن يُشيد ويحتفل بنفسه كل عام إلا على أصوات آلامهم؟

قبل كل شيء.. ما هو الفقر؟

بدأ البنك الدولي، عام 1990 بقياس الفقر في العالم عبر استخدام معايير أكثر بلدان العالم فقرًا. وقام بدراسة خطوط الفقر الوطنية في بعض هذه البلدان، وحول هذه الخطوط إلى عملة مشتركة باستخدام أسعار صرف تعادل القوة الشرائية، وتوضع أسعار الصرف لتعادلات القوة الشرائية من أجل ضمان أن الكمية ذاتها من السلع والخدمات محدد لها سعر معادل في مختلف البلدان. وبعد تحويلها إلى عملة مشتركة، توصل إلى أن قيمة خط الفقر الوطني في ستة من هذه البلدان شديدة الفقر، تساوي حوالي دولار واحد يوميًا للشخص الواحد، ورسم هذا الأساس أول خط فقر عالمي تم تقديره بدخل يساوي دولارا واحدا يوميًا.

ومع حلول نهاية عام 2015 تم تحديث خط الفقر العالمي ليبلغ 1.9 دولارًا، كي يتناسب مع تطور الفروق في تكلفة المعيشة حول العالم.

في الواقع، تتعدد صياغات مفهوم الفقر بتعدد الباحثين الاقتصاديين الذين عملوا عليها، بداية من صياغة بنيامين رونتري في نهاية القرن التاسع عشر، حين قال إن “الفقر يتمثل بكمية المبالغ النقدية المقبولة اجتماعيًا، للحصول على الحد الأدنى الضروري للحياة من أجل البقاء واستمرار الكفاءة البدنية”،
وصولًا إلى صياغات أحدث تأخذ في اعتبارها الفرق بين الفقر النسبي؛ بمعنى مرتبة الفقراء الأكثر حرمانًا بالنظر إلى الفئات اجتماعية أخرى، والفقر المطلق وهو مرتبة أخطر من الفقراء تكون حياتهم على حافة الخطر بسبب حرمانهم من الناحية المادية.

وتتمحور أغلب تلك التعريفات الحديثة في صياغتها للفقر المطلق؛ حول أنه فقدان مستلزمات العيش اللائق أو المعقول، وبذلك يكون الفقر بحسب تلك التعريفات هو الأمية، والجوع، والافتقار إلى مأوى، وافتقاد القدرة على العلاج، وعدم توافر المياه النظيفة.

هذا هو الفقر الذي يقول العالم عبر مؤسساته أنه يحاربه، لكن تلك المؤسسات لا تأخذ على محمل الجد التعريفات الأكاديمية الأحدث للفقر، رغم اعترافها بها، والتي تعرفه بأنه الخوف من المستقبل، والافتقار إلى التمثيل والحرية، واليأس والعجز التام، والشعور بالحقد والكره تجاه المجتمع المحيط، وفقدان متعة حرية الوصول إلى حياة لائقة، بحيث يُعد الشعور بالضعف إزاء العالم هو الميزة الجوهرية للفقر.

وبذلك يتمثل الاضطهاد الاجتماعي للفقراء، وفق تلك التعريفات الحديثة في عدم قدرة هؤلاء الفقراء على الاستفادة الكاملة من الموارد التي من المفترض أن تتاح إليهم باعتبارهم بشرا؛ بسبب العوائق الهيكلية، التي تقوم بدورها في منعهم من الوصول إلى الأصول الخارجية، مثل الائتمان والأراضي والبنى التحتية والملكيات العامة، أو الأصول الداخلية، كالتعليم والصحة والتغذية. باختصار وفق تلك التعريفات الجديدة، فإن هذا العالم الذي يرفع كثيرًا من شأن الديمقراطية السياسية وحرية الوصول إلى مراكز الاقتراع، يخفض كثيرًا من شأن ديمقراطية الوصول إلى الحياة.

وإن كنت عزيزي القارئ واحدًا ممن يعانون الشعور بالخوف مع مطلع كل صباح، والضعف والهوان إزاء العالم ومؤسساته وأنماط حياته، فأنت فقير، على الأقل وفق أحدث التعريفات الأكاديمية للفقر، حتى إن لم يعترف بك العالم بوصفك فقيرًا يقع عليه ظلم يومي.

هل يحارب العالم الفقر كما يقول؟

هناك حقيقة يغفلها البنك الدولي، ويذكرها اقتصاديون مهمون مثل سمير أمين، وأندريه جوندر فرانك، وإيمانويل فاليرشتين. وهذه الحقيقة هي أن العالم قد صار نسقًا اقتصاديًا واحدًا، اعتمادًا على نقل الثروة من الفقراء إلى الأغنياء. -المنظر السياسي دوغلاس لوميس

في كتاب “أوضاع العالم 2016 (عالم اللامساواة)“، شكك الباحثان الفرنسيّان والأستاذان في معهـد الدراسات السياسية بباريس، برتران بادي ودومينيك فيدال، في الأرقام التي تطلقها المنظّمات الدولية لإيهام شعوب العالم بتراجع الفقر. وأكد الباحثان في تلك الدراسة، على أن الإطار العام للفقر لا يمكن أن يفهم إلا في إطار اللامساواة والتفاوت في حيازة الثروات، وكذلك في إنتاجها، إذ يرصد الكتاب الحقيقة بالأرقام الدقيقة التي تُظهر أن 83,4% من الثروات المتراكمة في العالم، تقع في حيازة 8,4% فقط من سكّان هذا الكوكب، وإمعانًا في اللامساواة فإن 68,7% من هذه الثروات ترجع إلى 8% فقط من السكان. كما أن بعض المصادر تؤكد أن 1% من البشر يملكون حوالي نصف الثروة العالمية.

في ظل الرأسمالية المُعولمة التي نعيش فيها، ينبغي معرفة أن الاقتصاديين الليبراليين، في منتصف القرن الماضي، كانوا يستعينون في بحوثهم الاقتصادية عن الفقر صراحًة بالإنجيل لتبرير اللامساواة التي يعيشها العالم؛ حيث يستشهدون بالآية 29 من الإصحاح 25 في إنجيل متى، والتي تقول: “كل من لديه، سنزيده، حتى يصبح لديه وفرًا، وسنأخذ ممن يفتقرون حتى الذي بين أيديهم”.

وكذلك استعان مروجي البرامج الاقتصادية الليبرالية في العالم الإسلامي، منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، بآيات القرآن وأحاديث النبوية، رأوا أنه يمكن استخدامها لتبرير الطبقية، والتنديد بمحاولات الاقتطاع من ملكيات فائقي الثراء لصالح الفقراء.

ومع تبلور الليبرالية الجديدة في سبعينيات القرن الماضي، والتي نادت بتحرير الأسواق تمامًا من أي تدخل للدولة؛ ظهر بوضوح في كتابات منظريها، دعوتهم إلى تحويل الحياة لمغامرة خطيرة كبرى، يلعب الحظ فيها الدور المحوري، كما شنوا هجومًا كبيرًا على كلمات من قبيل المساواة والعدالة الاجتماعية، بوصفها خرافات وأوبئة.

كان المشترك الدائم بين كل حاملي تلك النماذج الاقتصادية الليبرالية السائدة في عالمنا اليوم، هو قولهم بالرغبة في حل أزمة الفقر المدقع عبر التنمية، لكن اتفاقًا صريحًا قد جرى بينهم على القبول بالفقر النسبي كمعطى اجتماعي طبيعي، وشرط أساسي لقيام الحضارة الرأسمالية المتقدمة. وبحسب الباحث الاقتصادي المغربي، مراد دياني، فإن “الطبيعة العميقة للنموذج النيوليبرالي تكمن في إيلاء الأسبقية للسوق على الإنسان أو المجتمع، بمعنى تأليه السوق أو التحول إلى ما يُسمى السوق [بحق إلهي]”.

يتضح هنا أن الرغبة في القضاء على الفقر المدقع، في ظلال التسامح مع الفقر النسبي واللامساواة، واتخاذها كمعطى اجتماعي أساسي في الحياة، تؤدي في النهاية إلى محاربة شبح لا يمكن تعيينه في الواقع. وتكون محاربة الفقر إذًا هي محاربة ريعية، غير بنيوية، لا تحارب جذور الفقر، وإنما تحارب أشباحه. وتحدث تلك المحاربة للفقر في نفس الوقت الذي يزداد فيه تكدس الثروة في أيدي قلة من البشر، مع التطور الحادث في تبلور رأسمالية احتكارية ضئيلة جدًا، تتركز في الولايات المتحدة الأمريكية وغرب أوروبا واليابان، بحيث تمثل التكتلات الاحتكارية المسيطرة على الاقتصاد في العالم، بحسب المفكر الاقتصادي سمير أمين، 5000 تكتل احتكاري؛ تشكل 500 منهم القوة المهيمنة الأكثر احتكارًا بينهم.

وقد كتبت الباحثتان إميلي فينكات وجينان برونيل، عن ظاهرة ترسخت في هذا العالم أكثر من أي وقت مضى في الأعوام السابقة، شديدة الارتباط بتركز الرأسمالية الاحتكارية في العالم، وهي ظاهرة “للأعضاء فقط”، التي تجدها في كل شيء بداية من الشروط المصرفية الخاصة وصولًا إلى عيادات الصحة للمدعوين فقط.

هؤلاء الأعضاء الحصريين يغلقون بالمال حياتهم كاملة خلف أبواب موصدة، ويُجهزون لحفلات موسيقية ضخمة، ولعروض أزياء في بيوتهم، ويتناولون وجباتهم الفاخرة في الخفاء، ويتسوقون سرًا ويرون الفنون سرًا، وجيرانهم وأصدقاؤهم مخفيون وموثوقو الطبقة والسيولة النقدية، بتعبير الكاتبتين.

أهم الأولويات لتلك الشبكة من الأفراد فائقي الثراء، هي كيفية تقليل الأخطار الأمنية والأمراض والخوف من شبح عنف المجتمع المعزولين عنه، كي يستمتعوا بحياتهم المغلقة على أنفسهم بعيدًا عن المليارات الكادحة في الخارج، وينحصر اتصال تلك الشبكة العالمية من فائقي الثراء مع العالم الخارجي، من خلال قيامهم بأعمال يرون أنها إنسانية وأنها من فائض كرمهم، وأنها ستحول العالم إلى مكان أفضل يرضي شفقتهم تجاهه، وغالبًا تنحصر تلك الأعمال في “رعاية أنشطة حماية البيئة، ومحاربة الأمراض، ودعم الفنون”.

على الجانب الآخر، لنا أن نتصور أنه في كينيا على سبيل المثال، لا يستطيع سوى 7% فقط من السكان الحصول على ائتمان من المصارف والجمعيات التعاونية.

على ما يبدو إذًا، تجري مكافحة أشباح الفقر على قدم وساق من أغنياء العالم، وسط دعاية إعلامية كبيرة، يسبقها القول بأن أزمة الفقر تكمن في أنه ظاهرة يصعب تحويلها إلى كمٍّ يمكن حسابه أو إحصائه، وهنا تكمن صعوبة محاربته. وكأن المشكلة في الفقر وليست فيمن يحاربوه عبر قطع ذيوله، التي يعلمون أنها ستنمو مجددًا ما دام الرأس لم تُقطع. والرأس هي السياسات الاقتصادية المناهضة للمساواة التي تجتاح العالم.

أسطورة أن العالم يكره الفقر ويحاربه

  • على مستوى الأفراد r>g:

سنذهب في شرح اللامساواة العميقة والمتأصلة في هذا العالم، ليس من خلال المشهد الأفقر في إفريقيا السوداء، وإنما من خلال أوروبا:

في كتابه واسع الانتشار “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”، يشرح الباحث الاقتصادي الفرنسي، توماس بيكيتي، كيف أن أوروبا تشهد باختصار، عودةً إلى حالتها في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أي قبل الحربين العالميتين، ففي تلك الفترة أدى تركز رأس المال وتضخّمه في أيدي قلة، إلى نشوء مجتمعٍ تعيش الأقلية شديدة الثراء فيه، على الفوائد من الأصول الّتي جمعها أجدادها، بحيث صارت الوسائل العاقلة الوحيدة للحصول على الثروة في تلك الفترة، هي الميراث والشراكات والمصاهرة والاجتهاد من أجل تكوين العلاقات، التي تكفل للشاب المقبل على الحياة إدخاله في صفوف النخبة الرأسمالية، لأن أداء العمل والإنتاج الفردي لا يمكن أن يذهب بهذا الشاب أبدًا إلى الثّراء مهما حدث، فقد صارت الرواتب آنذاك جزءًا يسيرًا من مجمل الاقتصاد.

ويستشهد بيكيتي لتوضيح الصورة في هذا الزمن برواية بلزاك الشهيرة “الأب جوريو”، والتي تدور أحداثها في فرنسا عام 1819، حيث يظهر أحد الشخصيّات في حوار مع بطل الرواية “راستينيان” الطالب المقبل على الحياة، وينصحه بأنه مهما تفوق في مجاله وتميز، وترقّى عبر الجد والعمل والإنتاج الحقيقي، فإنه لن ينال في حياته دخلًا يساوي ما سيتاح له عبر الزواج من امرأة أرستقراطيّة صاحبة ميراث.

يعرض بيكيتي هذا الحوار ليشرح صورة اللاعدل المتجذر بعنف في هذا العالم، والذي يعود ليظهر بقوة الآن حتى في أرقى قاراته -إذا ما اتبعنا أوصاف ثنائية التقدم والتخلف- “أوروبا”.

يشرح بيكيتي معضلة اللامساواة المتجذرة التي تتجلى في كون معدّل النموّ الحقيقي الذي يعرفه بكونه “النمو في الإنتاجية والذي يميزه عن النمو الناتج من زيادة عدد السكان”، لا يمكن أن يزيد عن 0% – 1%، في حين أن العائد على الأصول الرأسمالية يتراوح منذ القرن التاسع عشر بين 3% و 5%. هذا التفاوت يعني أننا نشهد عودة صريحة لنموذج الأرستقراطي الذي لا يعمل ويكتفي بالعيش من عوائد ثروته العائلية؛ ذلك النموذج الذي كان سائدًا ومعتادًا حتى أوائل القرن العشرين.

ما سبق يعني أن حجم رأس المال في المجتمع وعائداته الكبيرة المتراكمة، سوف يتوسعان باستمرار كنسبة من الدخل القومي، وذلك على حساب الرواتب التي يتحصل عليها الفرد من العمل الإنتاجي الطبيعي.

يعني ذلك أنك لو لم يصادفك الحظ بأن تكون ابنًا لعائلة ثرية؛ تمتلك أصول رأسمالية، لا ينبغي عليك أبدًا أن تحلم –وذلك وفق الحسابات الرياضية- بأن تكون ثريًا مثل هؤلاء الذين تشاهدهم وأنت تتنزه في الأحياء الراقية، حتى لو بقيت العمر كله تجد وتجتهد وتحلم بالصعود الاجتماعي عبر العرق والإنتاج، أقصى ما ستحققه دخلًا يسمح لك بالتنزه في تلك الأحياء الراقية ومشاهدة هؤلاء الأثرياء؛ لا أن تعيش فيها.

تلك المعادلة تعني ببساطة حين يدركها الفرد الذي لا ينتظر ميراثًا ضخمًا قريبًا، أنه غالبًا ما سيتضخم بداخله مشاعر اليأس من المستقبل، والشعور بالعجز والضعف إزاء العالم، وهي على كل حال التعريفات الأكاديمية للفقر التي تم ذكرها في بداية التقرير.

ما يلخص الأمر برمته هو صيغة المعادلة “r>g”، والتي تقول إنه بالمعنى الاقتصادي العميق، وعلى المدى البعيد، فإنّ العوائد على رؤوس الأموال (r) سوف تكون أعلى باستمرار من نسبة النمو في الاقتصاد (g)، ما يعني ببساطة أن الأرباح والفوائد التي يجنيها رأس المال المتراكم، تفوق وتيرة توسع الاقتصاد على كل حال، وهو ما لخصه الناصح الأمين في رواية “الأب جوريو”، في المعادلة الأسهل بقوله: “إن العمل طيلة الحياة بجد، لن يُحصل لك على دخل مثل ذلك الذي يتيحه لك الزواج من امرأة أرستقراطية صاحبة ميراث”.

يوضح لنا بيكيتي في أطروحته، أننا اقتربنا اليوم مجددًا من نسبة رأس المال إلى الدخل، التي كانت موجودة في أواخر القرن التاسع عشر؛ نسبة تبلغ أكثر من ستة إلى واحد. وأن التضخّم الرأسمالي قد خلق طائفة صغيرة من الأثرياء الذين تزداد ثرواتهم باستمرار وتتعزز وتكبر مع مرور الأجيال من دون بذل أي مجهود يذكر سوى مجهود تجربة مغامرات جديدة مسلية في الحياة؛ إننا نعيش عصر الأرستقراطيين الجدد ببساطة.

وللتدليل أكثر على هذه النقطة الهامة فيكفي القول بأن حتى خبراء البنك الدولي ومنهم برانكو ميلانوفيتش، يعترفون بأنه رغم انخفاض التباين بين مستوى الدخل على المستوى العالمي، إلا أن أبناء الطبقة الوسطى لم يتقدموا في العقود الماضية على سلم المراتب الاجتماعية، ولم تشهد أحوالهم تحسنًا ملحوظًا.

ببساطة يريد هذا العالم أن يزيح الناس من مرتبة الفقر المدقع، بحسب تعريفه؛ ليخلق طبقة ضخمة مكونة من غالبية سكان هذا العالم، هي طبقة الفقراء وفقط، بدون كلمة مدقع.

اليوم صارت أحوال فقير بوروندا أقرب إلى أحوال فقير بلغاريا، لكن التقارب هذا لن يساهم في فوز الفقير البوروندي بمقعد برلماني، أو في تحصيل تعليم جامعي، على الرغم من أن دخل الأثرياء البورونديون قد ارتفع كثيرًا جدًا. – دانييل ألتمن في فورين بوليسي الأمريكية

  • على مستوى الدول: لماذا لن تصبح مالي مثل فرنسا؟

إن أبشع نكتة للغرب على حساب إفريقيا، هي أنه خلق سجنيْن حديديين على شعوب القارة، الأول قومي صارم، والثاني عبر قومي لا يقاوم. أحدهما هو الدولة السيادية بكل سلطاتها السياسية والعسكرية، والسجن الثاني هو الرأسمالية العابرة للقوميات، والتي لا تكف عن الاستخفاف بمبدأ السيادة الوطنية ذاته! -المفكر الكيني علي الأمين المزروعي

هنا سنطرح مثالًا بسيطًا قد يبين الأمر برمته، ويبين إلى حد كبير، افتقاد الوعود والأحلام، التي تصدرها الأنظمة الحاكمة بالعالم الثالث لشعوبها؛ إلى الدقة والواقعية.

يرتكز الاقتصاد في دولة مالي على سلعتين، هما القطن في جنوب البلاد، والماشية في الشمال. في الواقع تنتج مالي أفضل أنواع القطن باعتراف الجميع، وهو ما يمكن أن يساعدها على الازدهار وتحقيق المكاسب الكبيرة، لكن المشكلة تكمن ببساطة في أن الولايات المتحدة الأمريكية تمنح دعمًا لمزارعي القطن عندها يقدر بأكثر من ميزانية دولة مالي كلها، بالتالي فالنتيجة الحتمية تكون استحالة قدرة القطن المالي على المنافسة في السوق العالمي مع القطن الأمريكي.

وعلى صعيد الماشية، فالاتحاد الأوروبي يدعم البقرة الواحدة عنده بحوالي 500 يورو في العام الواحد، وهو ما يصل إلى أكثر من نصيب الفرد المالي نفسه من الدخل المحلي، وهنا أيضًا تتضح استحالة منافسة العجل المالي للعجل والحليب الأوروبي المدعمين.

كان هذا قد دفع وزير الاقتصاد المالي، في وقت سابق، ليقول بوضوح: “نحن لسنا بحاجة لمساعدات الغرب ونصائحه ومحاضراته عن الآثار المفيدة لإلغاء التدخل المتطرف للدولة في الاقتصاد. رجاءً فقط التزموا بقواعد السوق الحرة التي تتحدثون عنها، وحينها ستنتهي مشاكلنا كلها من جذورها”.

تخبرنا الإحصائيات والأرقام بوضوح، أن أمريكا الشمالية وأوروبا يمتلكان معًا حوالي ثلثَيْ الثروة النقدية العالمية، والفرد الواحـد من سكان 18 دولة الأولى في العالم، أغنى بـ33,5% مرّة من نظيره من مواطني مجموعة البلدان الأكثر فقرًا، فالمواطن القطري متوسط الحال، أغنى بمئتي مرة من نظيره متوسط الحال في جمهورية إفريقيا الوسطى.

تُرى إذًا، هل ترحب الدول الغنية بتنمية الدول الفقيرة عبر إملاء السياسات النيوليبرالية عليها، والتي لا تلتزم بها هي نفسها في كثير من الأحيان؛ إذا ما تعارضت مع مصالحها في إبقاء الفجوة بينها وبين الدول الفقيرة؟

خاتمة

في عام 2015، استطاعت كتب التنمية البشرية والتحفيز والتطوير الذاتي، أن تحافظ على موقعها المتقدم بين الكتب الأكثر مبيعًا حول العالم، حيث تريد كل تلك الكتب، التي يلتف حولها الناس في شتى بقاع المعمورة، أن تقول لقارئها: “أنت شخص رائع في طريقه لتحقيق النجاح”، وأنه أقوى من كافة الصعاب التي يضعها أمامه نظام هذا العالم وبنيته العميقة، وأنه بالعمل والاجتهاد والتحكم في ذاته قادر على تحقيق كل أمنياته.

وقد حاول هذا التقرير ببساطة أن يطرح الأسئلة البديهية التي رُبما تُساهم في الخروج من براثن الخطاب السائد كما يُقال: هل ما تصدره تلك الكتب الأكثر مبيعًا حقيقيًا؟ وهل هذا العالم بنظامه الحالي يعطي فرصة الحلم بحياة أفضل لسكانه بالتساوي حقًا؟ أم أنه لا يعطي تلك الفرصة سوى لأعضاء نادي الأحلام الذين اختارهم سلفًا، ويوهم مليارات البشر الذي يشكلون غالبية سكان المعمورة بأن باستطاعتهم هم أيضًا أن يحلموا، وبأنه يمد يده إليهم ليساعدهم على فرصة التفكير في الأحلام؟

هل يشجع هذا العالم على الأحلام ويحارب تحقيقها، كما يحارب الفقر المدقع، ويرحب بالفقر النسبي؟

تعليقات الفيسبوك