ما إن يذكر تهويد القدس، وخفايا الاستيطان والحفريات في باحات المسجد الأقصى المبارك، حتى يتم الإشارة إلى رئيس الحركة الإسلامية في الداخل المحتل “رائد صلاح”، بسبب موافقه المناهضة للسياسات الإسرائيلية، وكشف مخططاتها.

محطات كثيرة مرت في حياة “شيخ الأقصى” صلاح، مع سلطات الاحتلال، فضلا عن محاولات استفزازه بعد توجيه العديد من التهم إليه، أبرزها التحريض على ما تسميه إسرائيل”العنف والعنصرية” ضد جنودها، والدعوات المستمرة للانتفاض في وجه المحتل.

أفرزت هذه المحاولات عن منع دخوله القدس المحتلة والمسجد الأقصى، واعتقاله مرات عديدة، ومحاكمته الأشهر داخل سجون الاحتلال، كان آخرها في الثالث من سبتمبر الماضي واعتقاله بتهمة اشتعال الأحداث الجارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أولا: من هو رائد صلاح؟

هو ابن قرية أم الفحم شمال فلسطين المحتلة، والمولود فيها عام 1958، ومن مؤسسي الحركة الإسلامية الأوائل داخل إسرائيل بداية السبعينيات، وأحد رموزها إلى حين انشقاقها نهاية التسعينيات نتيجة لقرار بعض قادتها خوض انتخابات الكنيست عام 1996، ومقاطعة آخرين.

وقد كانت بداية عام 1989 محطة انتقالية في مساره السياسي، فقد خاض انتخابات رئاسة بلدية أم الفحم عن الحركة الإسلامية، ونجح في تلك الانتخابات بنسبة تفوق 70% وأصبح رئيسًا للبلدية في سن 31 عامًا, ثم خاض الانتخابات للمرة الثانية عام 1993، ونجح بنسبة تزيد على 70% كذلك، وللمرة الثالثة عام 1997 ونجح بأكثر من 70%، ثم قدم استقالته في عام 2001 ليتيح المجال لغيره في الحركة الإسلامية.

وانتخب عام 1996 رئيسا للحركة الإسلامية، ثم أعيد انتخابه عام 2001, ولم تخل تلك الفترة من تقلده رئاسة مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية إلى حدود عام 2002، وكذلك رئيسا لمؤسسة الإغاثة الإنسانية.

وعرف عن صلاح مواقف عديدة، فقد عبر عن رفضه لاتفاق أوسلو واعتبره ضربة ثقيلة للقدس والمسجد الأقصى، أعطى فرصة أطول لتهويد القدس، فيما على مستوى الداخل الإسرائيلي فقد رفض الشيخ رائد التدخل في الشؤون الدينية للمسلمين والمسيحيين من طرف الإسرائيليين.

ثانيا: ما هي طبيعة المحاكمات  والتهم التي تعرض إليها الشيخ رائد صلاح؟

1- عام 1981″ الارتباط بمنظمة محظورة”

عند تخرجه في كلية الشريعة أُدخل السجن بـ”تهمة” الارتباط بمنظمة محظورة، وهي “أسرة الجهاد”، وكان ذلك عام 1981، ثم بعد الخروج من السجن فُرضت عليه الإقامة الجبرية فترة طويلة؛ حيث كان خلالها ممنوعًا من مغادرة المدينة طوال الوقت وممنوعًا من مغادرة بيته خلال الليل، ثم كان ملزمًا بإثبات وجوده مرة أو مرتين كل يوم في مركز شرطة وادي عارة.

2- 1998 “مفجر أحداث الروحة”

قاد الشيخ رائد صلاح أحداث الروحة عام 1998 التي اجتاحت خلالها قوات الشرطة الإسرائيلية مدينة أم الفحم، وأصابت بنيرانها وبالغاز السيل للدموع قرابة 600 مواطن فحماوي.

وفي هبة تشرين الأول من أكتوبر عام 2000 تعرض لمحاولة اغتيال في الأيام الأولى من انتفاضة الأقصى، وأصيب بعيار ناري في رأسه من قبل قوات الاحتلال، ووجهت إليه لجنة “أور” المُشكَّلة عقب استشهاد 13 مواطنًا عربيًّا خلال هبة الأقصى، إنذارًا واعتبرته أحد المسببين للهبة.

وخلال هذه السنوات اشتدت الحملة الرسمية وغير الرسمية عليه من قبل أذرع المؤسسة الإسرائيلية والإعلام العبري، وراحوا يرجمونه بالإرهاب وتهديد أمن “الدولة”، مما تعرض إلى  التحقيق البوليسي ومنع من السفر خارج فلسطين المحتلة ومنع من دخول المدارس الثانوية ثم الجامعات لإلقاء محاضرات.

3- عام 2003″ التحريض”

أصدرت وزارة الداخلية الإسرائيلية سنة 2002 أمرًا بمنعه من السفر خارج البلاد، بناء على ما اعتبرته معلومات استخباراتية مصدرها جهاز الأمن العام “الشاباك”، ورفضت محكمة العدل العليا طلب الالتماس الذي تقدم به ضد منعه من السفر.

وقررت وزارة الداخلية سنة 2002 إغلاق جريدة “صوت الحق والحرية” الناطقة باسم الحركة الإسلامية مدة سنتين، بناء على طلب جهاز الأمن العام الشاباك بالتنسيق مع رئيس الحكومة، لكون الصحيفة تعتبر تحريضية ومنبرًا لمواقف حركة حماس.

4- عام 2003″التعامل مع حماس”

تعرض للاعتقال مع ثلاثة من قادة الحركة الإسلامية، فقد شارك أكثر من ألف شرطي في عملية اعتقاله بعدما حوَّلوا أم الفحم إلى ثكنة عسكرية ليعتقلوه من جانب سرير والده الذي صارع نزعات الموت الأخيرة.

واعتقل شيخ الأقصى وحارس بواباته عامين من 2003 حتى 2005، بتهمة تبييض أموال والتعامل مع حركة “حماس”، وكانت هناك أحاديث صهيونية أنه سيحكم أكثر من ذلك، لكن تراجعت النيابة عن معظم بنود الاتهام ووافقت على صفقة أتاحت إطلاق السراح المعتقلين في أقل فترة زمنية بعد أن كانت النيابة تطالب بفترات سجن طويلة.

وكانت محاكمة الشيخ صلاح ورفاقه من أكثر المحاكمات تغطية في وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وهو ما رفع من شأن القضية التي اعتبرتها الحركة الإسلامية محاولة لمحاكمة قيم الإسلام.

5- عام 2009 “الدفاع عن المسجد الأقصى”

استمر الشيخ رائد صلاح في الدفاع عن المقدسات الإسلامية، واستمر الجيش الإسرائيلي يحاول إبعاد الشيخ عن مدينة القدس، حيث مُنع الشيخ من دخول مدينة القدس عام 2009 ثم أصدرت المحكمة الإسرائيلية عام 2010 قرارا بسجن الشيخ تسعة أشهر.

ولكن كان رد الشيخ: “إننا سوف ندافع عن المسجد الأقصى حتى من داخل السجون وأن السجن لن يزيدنا إلا قوة” وكما استمر في دعوة الأمة الإسلامية لكي تقوم بواجب الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك.

6- عام 2010 “البصق على شرطي”

وفي العام 2010 أمضى خمسة أشهر في السجن لبصقه على شرطي إسرائيلي، حاول استفزازه في مدينة القدس المحتلة.

7- عام 2011 “إعاقة عمل الشرطة الإسرائيلية”

حيث منع الشيخ صلاح  الشرطة الإسرائيلية من تفتيش زوجته عام 2011 وهي عارية، وذلك حينما كانا عائدين من الديار الحجازية بعد أداء مناسك العمرة، حينما طلبت شرطية إسرائيلية من زوجته تفتيشها بشكل عارٍ فرفضت زوجته هذا الإجراء وصرخت في وجه الشرطية.

وأوضح الشيخ في المحكمة أنه اعترض على محاولة التفتيش المهين، ومنع الشرطية القيام به معتبرا إياه إهانة لكل مسلمة، رافضًا الدنية لكرامة وشرف المرأة المسلمة والعربية والفلسطينية.

وقد تم اتهام الشيخ صلاح بإعاقة عمل الشرطة، وقد جرت عدة جلسات سابقة في هذا الملف للاستماع لشهود النيابة والدفاع، حيث أقرت النيابة العامة بإنزال عقوبة السجن الفعلي بحق الشيخ رائد لمدة ثمانية أشهر.

وفي العام نفسه تم اعتقاله من قبل بريطانيا دون وجه حق وذلك بتحريض من إسرائيل، لكن تم الإفراج عنه، إلا أنه عند وصوله إلى مسقط رأسه أم الفحم بتاريخ 16/04/2012 مُنِعَ من دخول مدينة القدس حتى نهاية شهر نيسان 2012م.

8-عام 2015 “التحريض في مواجهات القدس”

في أوائل الشهر الماضي اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل المحتل، حينما كان متوجها للبدء بوقائع المؤتمر الصحفي من أجل يوم النفير.

لكن المخابرات الإسرائيلية لاحقته وأوقفت سيارته، ومن ثم أنزلته منها واعتقلته بتهمة إثارة أعمال شغب في القدس والأقصى، حيث لجأت  المحكمة المركزية الإسرائيلية في القدس المحتلة، إصدار حكمها في طلب النيابة العامة الإسرائيلية، اعتقال الشيخ حتى السابع والعشرين من الشهر الجاري.

ثالثا: ماذا تعرف عن الحركة الإسلامية داخل أراضي الـ48؟

تعود الجذور الأولى للحركة الإسلامية في فلسطين 48 إلى أوائل السبعينيات؛ حيث تضافرت عدة عوامل أدت إلى تصاعد التيار الإسلامي لدى عرب الـ48، من أهمها  حرب 1967 التي أدت إلى فقدان الثقة بالأنظمة السياسية العربية القائمة.

إلى جانب استئناف الاتصال المباشر بالفلسطينيين وعلماء الدين في الضفة الغربية وقطاع غزة إثر حرب 1967 بشكل أوجد حوافز منشطة للعودة إلى الدين، وساعد على هذا نشاط الحركات الإسلامية في الضفة والقطاع، مثل حركات: الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي والجهاد.

وبالتالي، ظهرت النواة الأساسية للحركة الإسلامية في فلسطين 48 بمنطقة المثلث عام 1971، وهي منطقة أكثرية سكانها عرب مسلمون، تمتد بين كفر قاسم وأم الفحم على الحدود بين فلسطين والضفة الغربية.

وتوسعت حينها الحركة بعد ذلك وأقامت مراكز في منطقتي الجليل والنقب، حيث بعد توقيع “إسرائيل” ومنظمة التحرير الفلسطينية على اتفاقية أوسلو، والاعتراف المتبادل بينهما، وقع خلاف بين قادة الحركة بشأن تأييد الاتفاقية.

وفي عام 1996 اشتد الخلاف وانقسمت الحركة إلى قسمين: الجناح الشمالي بقيادة رائد صلاح، الجناح الجنوبي بقيادة إبراهيم صرصور.

رابعا: كيف تتعامل إسرائيل مع الحركة؟

في 5 سبتمبر 1999 وقع حادثَا تفجير في مدينتي طبريا وحيفا؛ حيث انفجرت سيارتان مفخختان، قيل إنه كان يقودهما أشخاص من سكان قريتي “دبورية والمشهد” في الجليل الأعلى، اتهمتهم الشرطة الإسرائيلية بالانتماء للحركة الإسلامية.

ومنذ ذلك الحين بدأت موجة من الخطوات ضد الجناح الشمالي من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية، وتبع ذلك تقديم توصيات من جهاز الأمن العام “شاباك” والشرطة تبناها وزير الأمن الداخلي آنذاك “شلومو بن عامي” ضد الجناح الشمالي.

ومن هذه التوصيات والتي لا زال معمول بها حتى الآن، منع خطب الجمعة في المساجد، ومنع أيضا دخول زعيم الجناح الشمالي الشيخ رائد صلاح ونائبه الشيخ كمال الخطيب إلى قطاع غزة أو الضفة الغربية، كما يتم منعهما من الخروج من البلاد.

كما ويجرى فحص المصادر المالية التي تمول الحركة ومراقبة الأموال التي تدخل إلى المناطق الفلسطينية، ومنع المهرجانات والتجمعات الكبيرة للجناح الشمالي،  إغلاق صحيفة “صوت الحق والحرية”، والمؤسسات التربوية التعليمية.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!