علاء الدين السيد

4

علاء الدين السيد

4

1,923

طبقًا لتقارير خاصة بـ«مشروع القوات النووية الروسية، فإن السلاح النووي الروسي الأكثر دموية الجديد، وهو قيد التطوير حاليًا، من المحتمل أنه يتعرض لبعض المشاكل. ويُطلق على السلاح الجديد اسم الصواريخ الباليستية العابرة للقارات النووية الثقيلة أو «(ICBM) RS-28 Sarmat».

وتكرر تأخر إجراء أول اختبار إطلاق لأحد الصواريخ الخاصة بالسلاح، والذي يختبر آلية ترك الصاروخ لحاويات إطلاقها، وذلك وفقًا لتدوينة نُشرت على موقع المشروع النووي الروسي في 19 يناير (كانون الثاني) الجاري. وأوّل مرة حدث في التأخر، عندما تغيّر موعد الإطلاق من 2015 إلى نهاية 2016، وللآن ونحن في 2017، «لا نعلم ما إذا كان ثمة موعد قريب لعملية الاختبار أم لا»، كما تقول المدونة، التي زعمت أن التأخير سببه مشاكل في الحاويات، وهو ما لم يكن مُقنعًا تمامًا.

في المقابل ثمة مُؤشرات اُخرى على وجود مشاكل حقيقية، تتمثل في عدم رضا وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، عن برنامج المشروع، وبدا ذلك واضحًا عندما أكّد على أنّ وزارة الدفاع تعد بأنها ستطلب تقارير أسبوعية عن تطورات المشروع؛ «للتأكد من أنه يُحقق المعالم التي وضعت في نهاية عام 2016، عندما جرى تعديل هذه المعالم»، على حد تعبيره.

وقد يُؤثر هذا التأخير على جهود التحديث الشاملة التي يعمل عليها الجيش الروسي حاليًا، ولربما كان ذلك أحد المعوقات الرئيسة أمام روسيا لاستعادة نفوذها العسكري الذي كانت عليه زمن الاتحاد السوفييتي، لكن هذا لا يعني أن روسيا استطاعت بشكل أو بآخر استعادة جزء لا بأس به من نفوذها وهيبتها العسكرية من جديد على الساحة العالمية.

الصين وروسيا والمحيط الهادئ

لا يُمكن التغافل عن أن روسيا واحدة من أكبر مُصدّري الأسلحة في العالم؛ فوفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد كانت روسيا ثاني أكبر بائع للسلاح خلال السنوات الأخيرة، لتستولي على 25% من إجمالي السوق العالمية. ويتركز أهم زبائن روسيا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وفي الواقع، فإن نحو ثلثي مبيعات موسكو للأسلحة كانت فقط لآسيا، وفقًا للمعهد، وتعتمد الهند وفيتنام، على سبيل المثال، على روسيا في الجزء الأكبر من واردات السلاح.

واستأنفت الصين شراء أسلحة من روسيا، لملء الثغرات في المجمع الصناعي العسكري الخاص بها. وتتصدر المحركات النفاثة، وأنظمة الصواريخ المتطورة «أرض-جو» وطائرات النقل، قائمة صادرات الأسلحة الروسية إلى الصين مؤخرًا. الأهم من ذلك أنه في عام 2015، وقعت بكين اتفاقية مع روسيا بقيمة ملياري دولار لإجمالي 24 طائرة من طراز «سو 35» المقاتلة النفاثة، والتي تعتبر بمثابة جوهرة تاج عائلة الطائرات المقاتلة الروسية.

وبالرغم من أنّ هذه النجاحات في سوق الدولية للسلاح، إلا إن القوات المسلحة الروسية لا تزال تُعاني ضعفًا نسبيًا، يُمكن رؤية ذلك في الميزانية العسكرية الروسية، التي كانت في 2015 ثلث الميزانية الصينية، وعُشر ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية. وبالرغم من تعهّد بوين عدم خفض نفقات الدفاع في أعقاب الركود المتزايد، فإن الحكومة الروسية في أواخر العام الماضي خفضت الميزانية العسكرية بنسبة 30%.

ونتيجة ذلك، فإن القوات المسلحة الروسية، التي عانت طويلًا من التجويع ونقص التمويل خلال تسعينات القرن الماضي والعشرية الأولى للقرن الحالي، جرى ضربها مرة أخرى كما لو كانت تترنح على حافة الإنعاش، لدرجة أن برامج بحثية عسكرية هامة، قد تتحول إلى قوائم الانتظار.

نفوذٌ ينمو

من القرم إلى سوريا وصولًا لليبيا، يبدو للمراقب أن الدب الروسي بدأ يستعيد عافيته العسكرية، ويفرض نفوذه في مناطق عدة بشكل عسكري مباشر وليس مجرد سياسي أو اقتصادي. وكانت روسيا السبب الرئيسي في بقاء نظام بشار الأسد في الحكم بعدما كان على حافة الانهيار قبل تدخلها العسكري المباشر في سوريا ببضعة أشهر.

ولم الضربات الروسية فقط في تثبيت نظام بشار الأسد، بل أدت إلى قلب المعادلة ميدانيًا لصالحه؛ لتتمكن قوات جيش الأسد وحلفائه من إيران وحزب الله، من تحقيق تقدم ميداني كبير، مقابل تراجع للمعارضة المسلحة المدعومة من تركيا والخليج، ولعل ما حدث في حلب كان مثالًا واضحًا.

وفي أواخر العام الماضي، تمكنت موسكو من نشر حاملة طائرات، الأميرال كوزنيتسوف، في أولى مهامها القتالية. وعبر تمركزها قبالة سواحل سوريا، حلقت طائرات من طرز مختلفة حديثة وتقليدية من على سطح حاملة الطائرات في آلاف الطلعات الجوية لضرب أهداف في سوريا لعدة أسابيع، بالرغم من أن طائرتين حربيتين تحطمتا في البحر بعد عدم تمكنهما من الهبوط على متن السفينة بسبب الأعطال الميكانيكية.

وفي بداية هذا العام، أعلنت موسكو أيضًا عن اتفاق لمدة 50 عامًا مع سوريا من شأنه أن يسمح للبحرية الروسية برسو عدد أكثر من السفن الكبيرة في ميناء طرطوس، وهو ما سوف يعطي موسكو القدرة على إجراء عمليات بعيدًا عن بحر البلطيق والبحر الأسود، وتوسيع نطاق وصول روسيا في الشرق الأوسط.

خلال شهر يناير (كانون الثاني) 2017 أيضًا، نشرت صحيفة التايمز تقريرًا يفيد نية روسيا تسليح اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يخوض حربًا ضد حكومة طرابلس المدعومة من الغرب. وكان حفتر قد أجرى محادثات رفيعة المستوى مع مسؤولين روس على متن حاملة الطائرات الأميرال كوزنيتسوف، كما التقى خلال الأشهر السبعة الماضية بوزيري الدفاع والخارجية الروسيين من أجل الدعم وتزويده بالسلاح.

وإذا ما أضفنا إلى هذا ما حدث في شبه جزيرة القرم، سنلاحظ أنه بالرغم من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها روسيا، إلا إنها تمكنت من استعادة عافيتها العسكرية تدريجيًا، وإن لم يكن بشكل كامل بعد، فكيف حدث هذا؟

إعادة البناء والتحديث

على مدى نصف العقد الماضي، أشرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على عملية تحديث وإعادة هيكلة القوات المسلحة الروسية، من أجل إعادة القدرات والثقة إلى جيشه، في وقت كان المحللين الغربيين يتعجلون بالقول إن عمليات الإصلاح العسكري الروسي قد أنتجت فقط نمرًا من ورق، أو أن الإصلاحات نفسها قد فشلت تمامًا.

ومع ذلك فإن برنامج تحديث القوة وإعادة الهيكلة الذي أقره بوتين ووزير دفاعه آنذاك، أناتولي سيرديوكوف، بدأت في أعقاب الحرب الجورجية عام 2008، والتي عززت قدرات الجيش الروسي، في وقت واجهت فيه العديد من الدول المنضمة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) عمليات تخفيض في الميزانية العسكرية وتقليص الحجم. الجيش الروسي الآن هو أفضل تجهيزًا وأكثر قدرة على القيام بعمليات قتالية حديثة من أي وقت مضى منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، وهو الأمر الذي فاجأ الكثير في كل من القرم وسوريا بالفعل.

حاليًا فإن نشاط الأسطول الشمالي للبحرية الروسية يُعد في أعلى مستوياته منذ عام 1991، وهو ما دفع الولايات المتحدة لإعادة تطوير مرافقها في مدينة كيفلافيك في أيسلندا كي يمكنها استقبال سفن «P-8A بوسيدون». وكمؤشر على الاستعداد الكامل للقوات المسلحة الروسية، عادت من جديد بعض أنماط التدريبات العسكرية واسعة النطاق التي كانت تشبه تلك التي يقوم بها الجيش السوفييتي، مثل تلك التي جرت في المنطقة العسكرية الجنوبية منتصف عام 2016.

كذالك تطورت دوريات القاذفات الاستراتيجية من حيث وتيرتها ونطاقها، كما أظهرت تصرفات الروس في شبه جزيرة القرم مدى الفعالية المتزايدة لقوات الخاصة الروسية، جنبًا إلى جنب مع عملية قوة مشتركة كبيرة في سوريا، في إطلاق النار والإمدادت في البر والبحر وفي النقل الجوي، وكلها دليل على نضج القدرات الحربية المشتركة لروسيا.

العقوبات الدولية ساعدت

في أعقاب العقوبات التي فرضت على موسكو بعد ضمها شبه جزيرة القرم من أوكرانيا عام 2014، واجه الكرملين بعض الخيارات الصعبة، فقد وضعت العقوبات الاقتصادية برنامج التحديث العسكري للبلاد في خطر، وهي العقوبات التي قطعت عن روسيا إمكانية الحصول على أجهزة الاستشعار الراقية العسكرية أوروبية الصنع، والبرمجيات ومحركات السفن وغيرها من المعدات التي كانت حاسمة لسحب آلة الحرب الروسية المحتضرة والصدأة في أعقاب انتهاء الحقبة السوفييتية.

ولكن، وفقًا لبعض مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية وخبراء الطريقة الروسية في الحرب، فإنه حتى مع وجود إمكانية لتخفيف العقوبات في ظل الإدارة الجديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمكنت موسكو من التوصل إلى بعض الحلول الإبداعية، والتي ربما تكون دائمة أيضًا، التي قد تجعل جيش الكرملين أكثر قدرة على التكيف على المدى الطويل، وصنعت لموسكو بعض المال في هذه العملية.

كانت واحدة من العقوبات الأكثر دراماتيكية التي انهالت على موسكو، قرار فرنسا في عام 2015 بإلغاء بيع حاملتي طائرات الهليكوبتر «ميسترال» لروسيا، وهو القرار الذي أدى إلى إعادة باريس مبلغ مليار دولار إلى موسكو، وهو سعر السفن الذي كانت روسيا قد دفعته بالفعل. وبالرغم من الإحراج العام الذي تسببت فيه عملية الإلغاء هذه، إلا أن موسكو في النهاية استطاعت كسب بعض المال.

لم تكتف روسيا بالحصول على المليار دولار، لكنها تمكنت من اللعب بذكاء عندما باعت 50 طائرة من طائرات الهليكوبتر طراز «KA-52»، والتي بنيت بالفعل لحاملتي الميسترال، جنبًا إلى جنب مع معدات الاتصالات الروسية التصميم، لمصر، التي اشترت السفن من فرنسا بقرض من المملكة العربية السعودية.

وقال مسؤول بارز في وزارة الدفاع الأمريكية لمجلة فورين بوليسي، إن موسكو لم تر التأثير الكامل للعقوبات الصارمة بحقها نظرًا لعدم وجود الإرادة السياسية الأمريكية والغربية، مُضيفًا «لم تكن العقوبات قوية بما فيه الكفاية. فمن أجل الحصول على نوع التأثير الذي تريده، عليك أن تذهب أبعد من ذلك بكثير، أكثر مما فعلت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون في حظر بيع معدات عسكرية للروس».

على وجه التحديد، فإن واشنطن لم تضمن تأمين عمليات الشراء من المجتمع الدولي، وكانت روسيا لا تكل في العثور على تشققات في جهد العقوبات في أماكن خارج قاعدة الإمداد الأوروبية التقليدية. خذ على سبيل المثال، في مرحلة ما بعد القرم، قام الألمان بالانتقال إلى قطع الإمدادات الخاصة بمحركات الديزل للسفن للبحرية الروسية.

عملية الإلغاء هذه كان من المفترض أن تؤدي لإفشال جزء هام من عملية تحديث الأسطول الروسي، في الوقت الذي كانت فيه عدة طرادات بحرية من نوع «Buyan-M» الجديدة تجلس منتظرة المحركات الألمانية الصنع في أحواض بناء السفن الروسية.

لكن موسكو تمكنت من الوصول إلى مورد آخر في وقت قليل بما فيه الكفاية. فقبل عدة سنوات، باعت برلين محركات من نفس النوع إلى الصين، والتي تمكنت بكين من استنساخها في مصانعها سريعًا. حجز المسؤولون الروس الرحلات الجوية إلى بكين، حيث أبرمت صفقة لشراء المحركات الصينية الأرخص، التي وإن لم تكن جيدة مثل أسلافها الألمانية، إلا إنها كانت كانت لائقة بما يكفي لتشغيل السفن الروسية، بدلًا من بقائها على اليابسة. وفي خطوة ذات صلة، باعت موسكو ثلاث فرقاطات أخرى تنتظر ضمن القائمة المحظور بيع محركاتها، للهند، وهو ما عوض الاستثمار الأولي.

وعندما يتعلق الأمر ببعض المكونات الإلكترونية الحساسة التي كانت روسيا اعتادت شراؤها عادة من الغرب من أجل صناعاتها الفضائية والصاروخية، فقد اتجهت موسكو إلى كوريا الجنوبية وغيرها من دول جنوب شرق آسيا التي لم تشارك في جانب العقوبات الغربية.

لكن هناك ضعف واضح

نقاط الضعف العسكرية الروسية ربما أكثر وضوحًا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ولعل أفضل مثال لقياس القوة العسكرية الروسية في الشرق الأقصى، هو وجودها البحري، ونحن نتحدث هنا عن الأسطول الروسي في المحيط الهادئ، ومقره في مدينة فلاديفوستوك.

خلال الحرب الباردة، شهد أسطول المحيط الهادئ الخاص بالاتحاد السوفياتي تراكمات هائلة ونموًا كبيرًا، وجرى نشر ما يقرب من ثلث جميع الأصول البحرية السوفيتية في المحيط الهادئ، والذي شمل حاملتي طائرات، وسفينة مقاتلة تعمل بالطاقة النووية، وأكثر من 100 غواصة. أما اليوم فقد بات الأسطول مُجرد ظل، بترسانة تعاني الشيخوخة، وسفن معظمها صُنّعت في التسعينات، ولا علاقة لها بالقرن الـ21.

ويضم أسطول المحيط الهادئ الروسي اثنين فقط من السفن الحديثة وهما غواصتا الصواريخ البالستية التي تعمل بالطاقة النووية (SSBNs)، والمجهزة بالصواريخ الباليستية الجديد (SLBM)، وربما ستنشر غواصتين إضافيتين من نفس الطراز، فضلًا عن غواصات من طراز «Kilo» التي تعمل بالديزل والكهرباء، لكن الأمر يشوبه شك كبير، بخاصة بعد خفض الميزانية، وإلغاء صفقة حاملتي الطائرات الفرنسية، ميسترال.

مع ذلك لا تزال روسيا لاعبًا قويًا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتشهد على ذلك المناورات العسكرية واسعة النطاق وعمليات التعاون المشتركة في مجال الإنترنت بين الجيشين الروسي والصيني، وزيادة تواتر دوريات القاذفات الاستراتيجية من غوام وحتى الساحل الغربي الأمريكي، وعبور السفن الحربية الروسية على طول الساحل الشرقي لأستراليا خلال قمة العشرين.

وعلاوة على ذلك، فإن إعلان أن روسيا شحنها أسلحة، غير محددة، لجيش دولة فيجي في يناير (كانون الثاني) 2016، يظهر أن وجود روسيا الاستراتيجي في جنوب المحيط الهادئ آخذ في الازدياد، وعليه فإن المشهد العسكري الروسي الآن يتلخص في دولة تعاني اقتصاديًا تحاول استعادة قوتها ونفوذها العسكري بشكل ذكي، طبقًا لما بين يديها من خيوط، لكن تطوير بنيتها التحتية العسكرية تواجهه الكثير من العقبات.

تعليقات الفيسبوك