9,714

بعد ست سنوات من مقتل الزعيم الليبي، معمر القذافي، لا تزال ليبيا غارقة في فوضى مروعة تأكل الأخضر واليابس بالبلاد، في ظل الاقتتال الشرس بين القوميين والإسلاميين و«الميليشيات» الإقليمية حول السلطة، ناهيك عن أن ليبيا أضحت معقلًا لـ«تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، ونقطة انطلاق لآلاف اللاجئين والمهاجرين نحو أوروبا.

وهو ما دفع المجتمع الدولي خلال الفترة الأخيرة إلى العزم على إرساء الاستقرار في ليبيا، بعدما باتت تشكل صداعًا مزمنًا لشمال إفريقيا وأوروبا، ومن هنا ظهرت بعض الأصوات المحلية والدولية، التي تنادي بالاعتماد على نجل القذافي، سيف الإسلام؛ باعتباره الوحيد القادر على توحيد القبائل الليبية وفصائل الشعب الليبي، ومن ثم وضع حد للفوضى في ليبيا.

سيف الإسلام في قبضة الزنتان

في 19 يناير (كانون الثاني) 2011، وبينما كان ابن الزعيم القذافي، سيف الإسلام، متسللًا بثوب بدوي لعبور الحدود إلى النيجر، اعتقله مسلحون  في رمال محيط أوباري بالجنوب الغربي الليبي، وطرحوه أرضًا مهددين إياه بالسلاح، فوضع أحد المسلحين قدمه على خدّه مصوبًا السلاح أمامه، لينطق نجل القذافي «إذن اقتلوني».

لكن الثوار المسلحين لم يقدموا على قتل سيف الإسلام كما فعلوا مع والده، معمر القذافي، واحتجزوه بحوزتهم. لم يكن هؤلاء المسلحون سوى من فصيل الزنتان، الذين أدركوا لحظتها أنهم قبضوا على غنيمة حرب، ستشكل قيمة مهمة في صراعهم السياسي والعسكري مع الفصائل الثورية الأخرى حول السلطة.

وطوال فترة سجنه، في مكان ما في الزنتان على بعد حوالي 160 كلم جنوب غرب طرابلس، لم يظهر سيف الإسلام على العلن إلا مرتين بشكل سريع، الأولى في قناة «العاصمة» الليبية سنة 2013 والثانية سنة 2014.

كانت كتائب الزنتان تغير مكان سجنه كل يومين لأسباب أمنية؛ إذ كانت تتوقع هجومًا من عدوها اللدود، كتائب «فجر ليبيا» في طرابلس، وهي مجموعة من الفصائل الإسلامية، فحرص ثوار الزنتان على الاحتفاظ به سريًا بكل الوسائل؛ كمكسب حيوي يمكن الانتفاع به، سواء في نفوذه الواسع بمجموعة من القبائل، أو أسرار الدولة التي بحوزته، علاوة على ثروته المخبأة في مكان ما خارج البلد.

وبالرغم من مناشدات دولية لمحاكمته خارج ليبيا بالمحكمة الجنائية، حتى يحظى بمحاكمة عادلة، ولا يتعرض لمصير أبيه المروع، أصرت القوى السياسية في ليبيا على محاكمة سيف الإسلام داخل البلد، وبعد جلسات مطولة حكمت عليه محكمة في طرابلس، في يوليو (حزيران) 2015، بالإعدام؛ لدوره في قمع الثورة الليبية التي أطاحت بنظام والده معمر القذافي في فبراير (شباط) 2011.

غير أن الحكم لم ينفذ، وأفرج عن سيف الإسلام في 12 أبريل (نيسان) 2016، بموجب قانون العفو العام الذي شمله، إلا أنه منع من مغادرة البلد، وبقي داخل ليبيا حتى اليوم، تحت حراسة مسلحة من ميليشيات مناصرة له.

سيف الإسلام كإصلاحي

قبل إسقاط نظام القذافي، كان ينظر لسيف الإسلام، محليًا ودوليًا، كقائد شبابي إصلاحي، يسعى لتجاوز تركة والده الاستبدادية التقليدية، وإصلاح علاقة نظام والده مع الغرب.

وقاد سيف الإسلام مشروع المصالحة في عام 2006 بين الحكومة والمعارضة السياسية، وسهل عملية الإفراج عن بعض السجناء السلفيين، مثل عبد الحكيم بلحاج وخالد الشريف، الذين انضموا فيما بعد إلى المتمردين، ويسيطرون الآن على طرابلس. مثلما دعا إلى صحافة حرة، ووعد بإصدار دستور للبلاد؛ لإضفاء طابع ديمقراطي على الدولة الليبية، وأيضًا أشرف على مشاريع للإسكان الاجتماعي ببنغازي، ودشن سياسات الخصخصة الاقتصادية.

كما كان سيف الإسلام السبب في تحرير الممرضات البلغاريات ببنغازي، وقام بدور هام في تجاوز تداعيات أزمة «لوكربي»؛ مما خفَّف الأزمة السياسية والعسكرية بين ليبيا والغرب، علاوة على أنه تعاون بشكل وثيق مع المخابرات الغربية لرصد المتشددين الليبيين، بالإضافة إلى تأسيسه جمعية القذافي الخيرية لمساعدة الدول الفقيرة في إفريقيا.

إلا أن قدوم احتجاجات «الربيع العربي» في 2011، عجَّل بالإطاحة بنظام القذافي بالقوة، بمساعدة التدخل الجوي الأمريكي والفرنسي الذي دحر قوات القذافي، التي كانت على وشك الانقضاض على معقل الثوار آنذاك، مدينة بنغازي.

لكن بعد فشل الانتقال السياسي في ليبيا، وغرق البلاد في حرب أهلية فوضوية حولت حياة المواطنين الليبيين إلى جحيم، عاد الغرب من جديد لإعادة النظر في مدى صواب قراره بإسقاط نظام القذافي، وهو ما أقره الرئيس السابق، باراك أوباما، الذي صرح قائلًا «إن أسوأ خطأ ارتكبته إدارته هو الإطاحة بالقذافي».

سيف الإسلام كمنقذ

وعلى إثر فشل مرحلة ما بعد إسقاط القذافي، تعالت مؤخرًا دعوة مجموعة من الأصوات الأمريكية للرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، إلى الاعتماد على سيف الإسلام؛ لإعادة الاستقرار في ليبيا؛ لما يحظى به من نفوذ داخل القبائل الليبية وتوجهات إصلاحية.

وخصصت المجلة الأمريكية «فورين بوليسي»، خلال الأسبوع المنصرم، مقالًا تقرع فيه بشدة سياسات أوباما وكلينتون المتبعة في ليبيا، والتي قادت إلى نتائج عكسية، بحسب المجلة، حيث تزايدت الجماعات الجهادية وتحول الوضع الليبي إلى الأسوأ.

وفي المقابل، حثت «فورين بوليسي» الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، على الاعتماد على نجل القذافي، سيف الإسلام، لتوحيد القبائل الليبية وإنهاء كابوس الانقسام الذي تعاني منه البلاد، والقضاء على «تنظيم الدولة» وحل أزمة المهاجرين، موضحة أن «لدى واشنطن فرصة فريدة لإنهاء الفوضى في ليبيا بمساعدة سيف الإسلام القذافي على تولي منصب رئيس البلاد».

وليس من المستبعد، أن ينحو ترامب نحو هذا الخيار، إذ سبق له أن عارض سياسة أوباما في ليبيا، وقال «إن ليبيا كانت لتكون أفضل لو بقي القذافي».

وعلى صعيد محلي، لا يزال سيف الإسلام يتمتع بقبول واضح بين قطاع من الليبيين، ليس فقط من قبل الوسط القبلي الموالي لنظام القذافي، بل أيضًا بين قسم من المواطنين الذين سبق لهم أن ساندوا الثورة، قبل أن تسوء الأوضاع وتتأزم معيشتهم، تحت حكم الميليشيات المسلحة.

وكانت قد أعلنت مجموعة من القبائل الليبية دعمها لمشروع سيف الإسلام السياسي، من بينها ورفلة، وورشفانة، وترهونة، والمقارحة، والقذاذفة، والأمازيغ، والتبو، والطوارق، مثلما يرى مراقبون أن سيف الإسلام يمكنه أن يلعب دورًا في المصالحة الوطنية ووضع حد للتشظي الليبي.

ويرى ليبيون أن سيف الإسلام كان صادقًا عندما نطق ساخرًا، عقب القبض عليه في سنة 2011، «بعد فترة من الزمن ستجربون هؤلاء الحكام وتعرفونهم على حقيقتهم، ستجدون أن هؤلاء الحكام (ملائكة) ومثل العسل، والله قدمت لهم الكثير من الخير في السابق، ولكن لم أجد فيهم ذرة خير»، قاصدًا بذلك زعماء السلفيين الذين أطلق سراحهم من السجن، ومنهم عبد الحكيم الخويلدي بلحاج، القائد العسكري لقوات فجر ليبيا الحاكمة في العاصمة طرابلس.

تعليقات الفيسبوك