أحد أبرز القامات الأدبية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي، خصص رغم تشعب اهتماماته الأدبية قلمه لتوثيق الذّاكرة الفلسطينيّة في الرواية والقصة والمسرح.

إنه الأديب الفلسطيني الكبير سلمان الناطور الذي رحل مؤخرًا بعد عطاء كبير في حقل الثقافة الفلسطينية والعربية، فقد رسخ الناطور بمؤلفاته سواء الروائية أو القصصية أو المسرحية ما يؤرخ للرواية الفلسطينية بشكل قوي وواقعي، ألف «ما وراء الكلمات»، و«أنت القاتل يا شيخ»، و«خمارة البلد»، و«ساعة واحدة وألف معسكر»، و«ستون عامًا في رحلة الصحراء»، أما الثلاثية الأبرز فهي «ذاكرة»، «سفر على سفر»، «انتظار».

من هو سلمان الناطور؟


ولد الكاتب والأديب الفلسطيني في بلدة “دالية الكرمل” الواقعة جنوب مدينة حيفا في العام 1949، قال عن هذه البلدة: “قريتي هي وطني الصغير، وأنا مثل كل الناس أحمل هذا الوطن أينما ذهبت، أحمله ذاكرةً وذكرياتٍ وروائحَ طيبة وحكاياتٍ ووجوهًا لا تغيب عني وحبًّا وغضبًا وحزنًا وفرحًا”.

أنهى الناطور دراسته الثانوية في بلدته، ثم واصل دراسته الجامعيّة في القدس وحيفا فدرس الفلسفة العامّة، عمل في الصحافة، منذ عام 1968 حتّى 1990، حرر الملحق الثّقافيّ في جريدة الاتحاد الحيفاويّة ومجلة الجّديد الثّقافيّة، وحرّر مجلة ‘قضايا إسرائيليّة’ الّتي تصدر عن مدار المركز الفلسطينيّ للدّراسات الإسرائيليّة في رام الله، وكان منسق «شبكة التاريخ الشفهي الفلسطيني» في مناطق الـ1948.

أما على صعيد العمل الإداري، فقد تولي الناطور إدارة معهد إميل توما للدّراسات الفلسطينيّة الإسرائيليّة في حيفا، وشارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسّسات العربيّة، من بينها: الرّئيس الأوّل لاتّحاد الكتّاب العرب، وجمعيّة تطوير الموسيقى العربيّة، ورئيس مركز إعلام للمجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل.

الناطور الأديب

الناطور يوقع على أحد مؤلفاته

“أعتبر نفسي كاتبًا في مجالات مختلفة، من الكتابة الساخرة، إلى الكتابة التسجيلية، إلى المسرح، والنقد، والمقالة السياسية، باستثناء الشعر الذي كنت قد بدأت به وأرجو أن أنهي به حياتي أيضًا، لأن لديّ حنينًا جارفًا للشعر وأرى فيه أجمل ما في الأدب”، هكذا تحدث الناطور عن نفسه كأديب وكاتب ومترجم.

عشرات المؤلفات صدرت للناطور، بينها مؤلفات باللغة العبرية، وأخرى مترجمة عن العبرية بحكم تواجده في الأراضي المحتلة عام 1948، أول كتاب ألفه الناطور هو “مقالات في الفكر والفلسفة”، ثم ألف مجموعة قصصية هي “ما وراء الكلمات”، أما آخر إصدار للناطور فكان في عام 2011، وهي رواية بعنوان “هي أنا والخريف”.

لأن سلمان ناطور أخذ يكتب ثلاثين عامًا عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه، فقد كان قلمه حادًّا وواضحًا في تناول هذا الواقع، سجل الذاكرة الفلسطينية بشكل قد يضاهي ما خرج به المؤرخون، منذ النكبة وهو يسجل سيرة الإنسان الفلسطيني ومعاناته تحت الاحتلال، نسج كلماته من واقع كابد وقائعه، وكان يربط سيرته الشخصية بسيرة المجموع، قال أنه: “ولد مباشرة بعد حرب 1948، ودخل المدرسة في حرب السويس، وأنهى المرحلة الثانوية في حرب حزيران وتزوج في حرب (تشرين الأول) أكتوبر. ولد ابنه الأول في حرب لبنان.. ومات أبوه في حرب الخليج.. وولدت حفيدته سلمى في حرب ما زالت مشتعلة”، ويضيف الناطور: “أنا لا أكتب التاريخ ولا أريد أن أكتب الحقيقة فهذه مسألة للمؤرخين، ما يهمني أكثر أن أكتب عن التجربة كيف عاشها الختيارية “، ويتابع: “لا أريد أن أكتب عن حوادث تاريخية، فهناك تقارير عسكرية ورسمية تقدم معطيات دقيقة حولها، أريد أن أكتب الإنسان الفلسطيني كيف عاشها وتعامل معها، وكيف ينقل هذه التجربة”.

وعنه يقول الكاتب خليل صويلح: “عمل على توثيق التاريخ الشفهي لبلاده، ووقائع الإبادة لمئات القرى الفلسطينية، مفكّكًا الأسطورة الاستعمارية الإسرائيلية بالوثائق المضادة لهوية عصيّة على النسيان، بإماطة اللثام عن تفاصيل الجريمة التي ارتكبتها الحركة الصهيونية قبل حوالي سبعين عامًا بحق الشعب الفلسطيني ولا تزال ترتكب أبشع منها إلى أيامنا هذه”.

الناطور والمسرح


كتب الناطور خمس مسرحيات، أولها كان عام 1982 بعنوان “المستنقع”، هذه المسرحية منعت عرضها الرقابة الإسرائيلية، واعتدى عناصرها على العرض الاحتفالي في الناصرة، والثانية هي مسرحية “موال” عام 1990، والثالثة “هزة الغربال” التي أنتجت عام 1992، أما الرابعة “هبوط اضطراري”، أنتجها المسرح الوطني الفلسطيني عام 1999 وأعيد إنتاجها في مسرح حكايا برام الله، وأخيرًا مسرحية “ذاكرة” التي أنتجها مسرح السرايا بيافا عام 2003.

في مسرحية ذاكرة” الأبرز بين إنتاج الناطور المسرحي، قدمت مجموعة من النصوص والحكايات التي تربط بين ذاكرة المؤلف والذاكرة الجماعية الفلسطينية وهي تتناول فترة من أيام الانتداب البريطاني وأحداث النكبة وما تلاها، أخذ الناطور يؤرخ في هذه المسرحية لحياة الفلسطيني وتاريخه، يقول المخرج أديب جهشان عن هذه المسرحية التي مثل فيها أيضًا الناطور: “في هذا العمل المسرحي يخوض الكاتب سلمان ناطور تجربة التمثيل لأنه خير من يعبر عن الأحاسيس والمشاعر التي كشفتها المسرحية وبصدق، وهو يتمتع بحضور مميز ولافت للنظر رغم أنه لم يحترف التمثيل، وهذه خطوة جريئة تجريبيًّا وفنيًّا”.

أما الكاتبة أنوار سرحان فترى أن: “مثل هذا العرض، شمعةٌ تضاء لا في سبيل حفظ الذاكرة الفلسطينية وحسبُ، بل ولترجمة تفاصيل إنسانية تحكي للعالم عدالة هذي القضية، إذ سجّل ما يغيب عن المؤرّخ والسياسيّ، وانتصر لرواية الإنسان، في مشاهد تنسج معًا لوحةَ كولاج النكبة الفلسطينية من زاوية رؤيةٍ إنسانيّة تأمّلية، خالية من المزاودات والشعارات، تعجّ بالإشارات لمن شاء أن يدرك. هو صوت الإنسان بالتفاصيل التي يخونها المؤرّخون، فتفيها ذاكرة الأديب الروائيّ، والممثّل الحكّاء”.

الناطور الكاتب الساخر

تميزت الكثير من كتابات الأديب سلمان الناطور بالسخرية، حتى في مؤلفاته التي تناولت المعاناة الفلسطينية كان الناطور يضع لمسات ساخرة تضيف نكهة مميزة للعمل الإبداعي الذي يقدمه، قدم قصصًا وأحداثًا كثيرة مشحونة بالسخرية والدعابة لأنه يجد في السخرية السلاح الأمثل للمواجهة كما يقول.

في ثلاثيته “ّذاكرة” و”سفر على سفر”، و”انتظار” كانت السخرية في محلها وغير مفتعلة بالرغم من الجرح العميق للأحداث كما يقول النقاد، وفي مسرحية “هبوط اضطراري” يتطرق الناطور إلى غربة الفلسطيني في وطنه ومنفاه أيضًا بأسلوب يجمع بين السخرية اللاذعة وبين المعاينة المؤثرة، فهو أديب يؤمن أن الجمل الساخرة كما تعبر عن ألم، تعبِّر أيضًا عن أمل في الحياة وهي مصدر قوة، يقول الناطور: “سلاحك الوحيد أن تسخر من الواقع”، ويضيف: “الكتابة الساخرة قريبة جدا إلى نفسي، وفي كل ما أكتب ألجأ إلى السخرية لأن أفضل الطرق لمواجهة الواقع القاسي والمؤلم هو روح السخرية التي تبعث الأمل، وهي تعبر عن قوة في المواجهة وليس عن ضعف”.

ويوضح الناطور: “السخرية هي سلاح الضعفاء وتجدد القدرة على البقاء والصمود والنضال، وقد اكتشفت من خلال لقاءاتي بجيل النكبة أن معظمهم يميل إلى السخرية لينتصر على ألم الجرح العميق الذي تركته فيه هذه النكبة. السخرية في الأدب هي عملية الكشف عن عبث السلوك السياسي أو الاجتماعي وعن تناقضاته ولا عقلانيته، والسخرية تضحك وتبكي في آن واحد. هي تعبير قصير وحاد عن غضب كبير، وهي سهم موجه إلى قوى غير شرعية وتمارس العنف، وهي أفضل اللغات لمخاطبة السلطة، كل سلطة.

اعتداءات الاحتلال

اعتقل الناطور أكثر من مرّة، وفرضت عليه الإقامة الجبرية، ولاحقته قوات الاحتلال، وحرضت ضده، حتى أنها حاربت إنتاجه الأدبي، كأن تمنع عرض مسرحية “المستنقع”، وتقتحم العرض الاحتفالي في المركز الثقافي في الناصرة.

يقول الناطور: “حاولت السلطات الإسرائيلية استخدام كافة الوسائل القمعية لردعي عن الكتابة والتعبير عن رأيي بحرية، فقد اعتقلت بعد صدور روايتي الأولى “أنت القاتل يا شيخ”، وحاولوا أيضا استعمال أساليب الإغراء بمال ومناصب ولكن كل ذلك كان يزيدني إصرارًا على التمسك بمواقفي”، ويضيف: “الظرف الذي فرض علينا باحتلال إسرائيل لهذا الجزء من أرضنا، لا يمكن أن يحملنا أحد المسؤولية عنه، وعندما ندخل أي بوابة في وطننا العربي لا ندخلها كإسرائيليين، بل ندخلها كعرب فلسطينيين، ندخلها باعتبارنا ذاهبين إلى وطننا، كما هو وطن كل العرب”.

وأسوة بالمثقفين في الأراضي المحتلة عام 1948 واجهت الناطور تهمة “التطبيع”، يقول الناطور: “موقفي الشخصي، كما هو موقف مثقفي الداخل هو ضد التطبيع مع إسرائيل، ونخوض صراعًا مريرًا معهم منذ أكثر من 60 عامًا على هويتنا ولغتنا وبقائنا في وطننا. إننا مهددون بالترانسفير من وطننا وهذا التهديد معلن وليس خفيًّا، يعلنه صراحة وزير خارجية حكومة إسرائيل ليبرمان، فكيف يمكن التشكيك بهذا المهدد من إسرائيل بالتطبيع معها”.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!