أحمد طلب

33

أحمد طلب

33

3,693

شهدت الأيام القليلة الماضية توقيع عدة اتفاقات اقتصادية بين دول المنطقة العربية، وإثيوبيا، الأمر الذي لقي استحسان البعض، كونها فرصة اقتصادية يجب اقتناصها، وهجوم آخرين لما رأوه في ذلك «خيانة» لمصر، للخلاف بينها وبين إثيوبيا بسبب سد النهضة.

ورغم أهمية تقديم المبررات المنطقية، إلا أنه غالبًا ما تأخذ نظرية المؤامرة الحيز الأكبر من الاهتمام الإعلامي، بخاصة في المنطقة العربية، ما قد يُفسّر أسباب تبني الكثيرين لافتراض أن التوجه نحو الاستثمار في إثيوبيا، ما هو إلا مكايدة سياسية في مصر، وليس اتجاهًا ذا حيثيات اقتصادية.

وتتميّز إثيوبيا بفرص استثمارية متعددة، فهي من بين أكثر الاقتصاديات نموًا في العالم، كما أنها تعد من أهم البوابات نحو القارة السمراء، لما تملكه من مقومات استثمارية، الأمر الذي يُبرر الاهتمام المتزايد بالاستثمار فيها.

موجة الاستثمار في إثيوبيا

أبرمت إثيوبيا عدة اتفاقات مع دول مثل تركيا، والسعودية، وقطر، والمغرب، كما تتجه الجزائر لإنشاء مجلس اقتصادي للتبادل والاستثمار مع إثيوبيا، بالإضافة إلى اتفاقيات أُبرمت من قبل الحكومة الإثيوبية مع عدد من الدول الأُخرى كالصين، والهند، والإمارات العربية المتحدة، والكويت.

وخلال أسبوعين فقط، وقعت السعودية وتركيا وقطر اتفاقات اقتصادية ضخمة مع الحكومة الإثيوبية، وقبلهم وقعت مجموعة «المكتب الشريف للفوسفاط المغربي»، أكبر مصدر للفوسفات في العالم، اتفاقية لبناء مصنع جديد لإنتاج الأسمدة في بلدة «ديرة داوا»، الواقعة شرق إثيوبيا.

تركيا

قال وزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي، في 28 ديسمبر (كانون الأوّل) 2016، إن بلاده تُعدّ أكبر دولة مستثمرة في إثيوبيا، مشيرًا إلى أن قيمة الاستثمارات التركية في المدن الإثيوبية بلغت نحو 2.5 مليار دولار، وذلك خلال زيارته لإثيوبيا على رأس وفد كبير ضم 100 رجل أعمال تركي.

وأعلن الوزير التركي تأسيس قسم خاص ببلاده ضمن وزارتي المالية والاقتصاد الإثيوبيتين، وذلك للمساهمة في تعزيز وتنمية العلاقات التجارية بين أنقرة وأديس أبابا، جاء ذلك في كلمة له خلال افتتاح منتدى للتعاون التجاري والاستثماري بين تركيا، وإثيوبيا، في أديس أبابا، بحضور وزير خارجية إثيوبيا، ورقنه جبيوه، ووزير الصناعة، أحمد أبيتو، ووزير المعادن، موتما مكاسا.

وأعلن زيبكجي، أن الاجتماعات التي جرت بين الجانبين، تمخضت عنها قرارات بانطلاق مباحثات لتوقيع اتفاقية التجارة التفضيلية بين تركيا، وإثيوبيا، متوقعًا أن يصل حجم التبادل التجاري بين تركيا، وإثيوبيا مع نهاية العام الجاري، إلى نحو 500 مليون دولار، موضحًا أن البلدين «يهدفان إلى رفع هذا المبلغ في غضون عام، أو عامين إلى مليار دولار».

السعودية

«تعتبر شريكة إستراتيجية في الأمن والاستقرار، والعلاقات بين البلدين تاريخية وممتازة، وهي تتطور بشكل مستمر، كما أن الاستثمارات السعودية في إثيوبيا تتزايد»، هكذا وصف المتحدث باسم الحكومة الإثيوبية أونيتو بلاتا، علاقات بلاده بالمملكة العربية السعودية.

ووقعت السعودية وإثيوبيا عدة اتفاقيات تجارية، واستثمارية بقيمة 600 مليون ريال سعودي (نحو 160 مليون دولار)، أثناء أول أيام زيارة رئيس وزراء إثيوبيا هيلي ماريام ديسالين للرياض، في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016.

وجاءت زيارة ديسالين للسعودية على رأس وفد ضم وزيري الدفاع سراج فقيسا، والمالية والتنمية الاقتصادية أبرهام تكيست مسقل، فيما كان في استقبال الوفد الأمير محمد بن نايف ولي العهد السعودي، ووزير الداخلية.

قطر

في 20 ديسمبر (كانون الأوّل) المنصرم 2016، وقعت قطر مع إثيوبيا 11 اتفاقية تعاون في مجالات اقتصادية عدة، وذلك على هامش زيارة وزير الخارجية القطري إلى أديس أبابا. وتنوعت الاتفاقيات لتشمل قطاعات السياحة، والاستثمار والبنية التحتية ودعم التقارب الثنائي بين رجال الأعمال والمال في البلدين، وسبل تعزيز التعاون في مجال السلم والأمن على المستويين الدولي، والإقليمي.

وتعد هذه الاتفاقيات الأولى من نوعها بعد أن زار أمير قطر السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أديس أبابا، في أبريل (نيسان) 2013، وكانت الأولى له إلى إثيوبيا منذ استئناف العلاقات بين البلدين في أكتوبر (تشرين الأوّل) 2012.

المغرب

وقبل تركيا والسعودية وقطر، وقع «المكتب الشريف للفوسفاط المغربي»، وهو أكبر مصدر للفوسفات في العالم، اتفاقية مع إثيوبيا، في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، لبناء مصنع لإنتاج الأسمدة بقيمة 3.7 مليار دولار، وتسمح هذه الاتفاقية ببناء مصنع جديد في بلدة ديرة داوا في شرق إثيوبيا.

وفي المرحلة الأولى له، يتوقع أن يُنتج هذا المصنع، بحلول عام 2022 نحو 2.5 مليون طن من الأسمدة، ومن المقرر في المرحلة الثانية استثمار 1.3 مليار دولار إضافية لزيادة الإنتاج إلى 3.8 مليون طن، بحلول عام 2025.

توجه طبيعي

يرى هاني رسلان رئيس وحدة دراسات حوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاقتصادية، أنّه بالإضافة إلى الدعم الغربي الواسع الذي تتلقاه إثيوبيا، فإن لديها إستراتيجية أساسية لجذب الاستثمارات، «استطاعت بها تحقيق نسبة نمو مرتفعة، وما زالت قادرة على استيعاب استثمارات هائلة بالنظر إلى أنها ما زالت من أفقر الدول، وبالتالي هي مكان مناسب للاستثمار الزراعي، والعمالة الرخيصة»، حسبما قال.

وفي حديثه لـ«ساسة بوست»، اعتبر رسلان أن توجه دول المنطقة للاستثمار في إثيوبيا «أمر طبيعي وليس جديدًا»، مُوضحًا أن ذلك ناتج عن «الإستراتيجيات الوطنية لهذه الدول، لتأمين الغذاء لشعوبها عبر عمليات استثمارية خارج أراضيها، مشيرًا إلى أن السعودية تحاول من خلال بوابة إثيوبيا تأمين الغذاء لها».

وفيما يخص تركيا، قال رسلان إنها «تحاول توسيع دورها الإقليمي، فالآن تحركاتها قد تمددت بأكثر من قدراتها، والفترة القادمة ستوضح ما إذا كانت التحركات التركية، ستستمر على نفس الوتيرة، أم أنها ستتقلص»، أما المغرب فلديه تحرك واسع لاستعادة وضعه في أفريقيا، وعضويته في الاتحاد، وإثيوبيا جزء من هذا، بحسب رسلان.

أهداف السعودية تجاه إثيوبيا

بدر شافعي، الكاتب والباحث المصري، المتخصص بالشأن الأفريقي، قال في مقال له بعنوان «سد النهضة بين مصر والسعودية»، إن «أهداف السعودية تجاه إثيوبيا، منها الاقتصادية، وتتمثل في الرغبة في الاستثمارات في بعض الدول الأفريقية، لا سيما التي تتوفر فيها مساحات صالحة للزراعة، لا سيما مع وجود أزمةٍ لدى دول الخليج، فيما يتعلق بالاكتفاء الذاتي من الغذاء».

وأضاف شافعي: «هذا ما لعبت عليه دول أفريقية عديدة لجذب الاستثمارات الخليجية والسعودية، حيث تعرض لها الاستثمار الزراعي في أراضيها، في مقابل الحصول على المنتجات الغذائية»، موضحًا: «لذا، لا غرابة في أن ﯾﺳﺗﺛﻣر رﺟﺎل أﻋﻣﺎل ﺳﻌودﯾون ﻧﺣو 100 مليون دولار ﻓﻲ أرضٍ زراﻋﯾﺔ ﻹﻧﺗﺎج اﻟﻘﻣﺢ واﻟﺷﻌﯾر واﻷرز».

من جانبه، كان للخبير الاقتصادي المصري، ممدوح الوالي، نظرة مختلفة حول اتجاه المنطقة للاستثمار في إثيوبيا، وهي أن «أية استثمارات خليجية في إثيوبيا تساعد الجانب المصري في التأثير على القرار الإثيوبي مع معاونته لحل مشاكله الداخلية خاصة البطالة المرتفعة، والعجز التجاري في ضوء حاجتها الشديدة للنفط».

وقال الوالي، في حديث لـ«ساسة بوست»، إن الدول الغربية والصين، هما الشريك التجاري الرئيسي لإثيوبيا، وهو ما يوضحه التوزيع النسبي لصادراتها السلعية للعام الأسبق، الذي يُشير إلى توجه 14% منها لسويسرا، و12% للصين، و9.5% للولايات المتحدة، و9.5% لهولندا، وفي المركز الخامس السعودية بنسبة 6% تليها ألمانيا بنفس النسبة.

لماذا تحتاج إثيوبيا الاستثمارات الأجنبية؟

يرى الوالي، أن حاجة إثيوبيا للاستثمارات الأجنبية يبرز من خلال استغلال مواردها الطبيعية، بخاصة الأرض الزراعية، والتي تشكل نسبة 36% من مساحة البلاد البالغة 1.1 مليون كيلومتر مربع، والاستفادة من العمالة الضخمة البالغة 49 مليون شخص يعمل نحو 85% بالزراعة، وذلك للمساهمة في تخفيف حدة البطالة البالغ نسبتها 17.5%.

وقال الوالي إن إثيوبيا «في حاجة للاستثمارات الأجنبية لتخفيف حدة العجز بميزان مدفوعاتها، مع بلوغ العجز بميزان المعاملات الجارية ثمانية مليارات دولار»، مُستدركًا: «إلا أن قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواصلة إليها كانت قليلة، حيث بلغت 279 مليون دولار فقط في عام 2012، ورغم زيادتها إلى 1.3 مليار بالعام التالي، واستمرار زيادتها إلى 2.1 مليار خلال عام 2014، و2.2 مليار في 2015، إلا أنها ما زالت تحتاج أكثر من ذلك».

الاقتصاد الإثيوبي الواعد

ويستحق الاقتصاد الإثيوبي وقفة طويلة، إذ تعد إثيوبيا النمر الأفريقي الذي حافظ على أعلى معدل نمو بالقارة لمدة 10 سنوات متتالية، فقد حافظت أديس أبابا على نمو اقتصادي بنحو 10.9% بين عامي 2004 و2014، وهو ما رفع البلاد من ثاني أفقر بلدان العالم في عام 2000، لتصبح دولة متوسطة الدخل بحلول عام 2025.

وتفوقت إثيوبيا على جميع الاقتصاديات العالمية، بعدما سجل إجمالي الناتج القومي بها ارتفاعًا مطردًا، ليبلغ عام 2015 نحو 61.5 مليار دولار، مقابل 32.4 مليار في 2009، و19.7 مليار في 2007، و6.9 مليار في 1994، و7.3 مليار عام 1981.

إثيوبيا تفوقت على معظم دول أفريقيا التي تعاني من انهيار عملاتها، واستطاعت السيطرة على عملتها الـ«بير»، وتمكنت الحكومة من زيادة الشركات والبنوك المملوكة للدولة، كما ارتفع الإنفاق على استثمارات رأس المال، بنحو ٧٠%، خلال السنوات الثلاث الماضية لتتجاوز 155 مليار «بير»، خصوصًا مشروعات بناء مصانع السكر، ومحطات الطاقة.

الزراعة عصب الاقتصاد الإثيوبي

ويعتمد اقتصاد أديس أبابا على قطاع الزراعة، إذ يسهم بنحو 40% من جملة الصادرات، مُستوعبًا نحو 85% من إجمالي القوى العاملة، إلا أن الحكومة تسعى لتقليل مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة ٤% في السنوات الخمس المقبلة، وذلك لتقليل التقلبات الاقتصادية المرتبطة بالزراعة، كموجات الجفاف الـ«نينو» التي كان آخرها في 2016.

ويكشف مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال في إثيوبيا، الصادر عن البنك الدولي، أن البلاد «على المسار الصحيح»، بحسب خطط الحكومة التي تسعى لتعزيز التقدم في الصناعات التحويلية، واستثمار الادخار المحلي، الذي تزايد بنسبة ٥% خلال ثلاث سنوات ليبلغ 17.7% من الناتج المحلي الإجمالي في ٢٠١٣، في دعم قطاع التصنيع.

هذا وقد يشكل كلّ من قطاعي الصناعة والاستثمار، قطاري النمو الجديدين في البلاد، وذلك بعد الزحف الاستثماري التي تشهده إثيوبيا مؤخرًا، فيما يشكل قطاع الصناعة نحو ١٢% من الناتج المحلي الإجمالي، محتلًا المركز الثالث بعد الزراعة والخدمات اللذين يشكلان معًا ٨٧% من الناتج المحلي، بفضل التوسع في التعدين والصناعات التحويلية، بينما ارتفعت حصة قطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي من 38% إلى 45% في السنوات العشر الماضية.

وتوقع تقرير التوقعات الاقتصادية الأفريقية 2016، أن تواصل الاستثمارات العامة دفع عجلة النمو في الأجلين القصير والمتوسط باستثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتنمية المجمعات الصناعية، والأولوية لتخفيف اختناقات التحول الهيكلي، الذي ما يزال يتعين أن يأخذ شكلًا مع الصناعة، ويلعب دورًا مهمًا في الاقتصاد.

مجلات أخرى واعدة

ووفقًا للبنك الدولي، فقد ارتفع دخل الفرد في إثيوبيا من 171 دولارًا في عام 2005، إلى 590 دولارًا في عام 2015، مع تخطيط الحكومة لأن لتصبح دولة ذات دخل متوسط.

وتسعى إثيوبيا إلى زيادة عدد السائحين لأكثر من 2.5 مليون سائح بحلول 2020، وذلك باجتذاب هواة المغامرة، والراغبين في التمتع بجمال الطبيعة، فبحسب شبكة «سي إن إن» الأمريكية، فإن القصور والقلاع والقبور، كقلعة «جوندار»، ومسلّة «أكسوم» الحجرية تجذب المزيد من السائحين الراغبين في المغامرة.

وثمة جانب آخر يُنعش آمال الإثيوبيين، وهو امتلاك البلاد 68% من نبات البامبو في إفريقيا، والذي يعتبره الصينيون النبات الأخضر الجالب للحظ، ويستخدم في صناعة الأثاث، والورق، والأدوات المنزلية، وهناك توجّه عالمي لاستخدامه في المرافق، والفنادق في ظل تزايد دعاوى الحفاظ على البيئة من التغير المناخي والتلوث.

تعليقات الفيسبوك