3,007

وكأننا رجعنا لعهد قديم عاش فيه المسيح مع حوارييه في القدس، في زمن اضطهاد الرومان لأتباع الديانة الجديدة التي ظهرت على مرمى حجر من أكثر الأماكن قداسة في الشرق الأوسط، مكان تكالب فيه اليهود المشبعون بالشهوة، والرومان المهووسون بالسلطة، من أجل وأد الدعوة الجديدة التي تدعو لإحلال السلام مع النفس، والتسليم إلى الله.

في فيلمه المنتظر «صمت – Silence» يأخذنا المخرج الكبير مارتن سكورسيزي إلى عالم الدين والإيمان واختبار اليقين، والتسامي عن التجربة الحسية إلى التسليم بالمطلقات والغيبيات. يأخذنا سكورسيزي إلى زمن ساد فيه اضطهاد أصحاب الدين المختلف، حين تعرضوا للتعذيب والتنكيل على يد بني أقوامهم، أولئك الذين دومًا ما يشعرون بالخطر على نفوذهم وسلطتهم وثرواتهم، إذا شعروا أن قبضتهم قد ترتخي من حول معتقدات ومقدسات أقوامهم، وأن أفكارًا جديدة قد تدخل مجتمعاتهم تتحدى سلطتهم، وتفضح جشعهم، وتعري إساءاتهم.

فيلم «Silence» يدور في بداية القرن الـ17، ويروي قصة اثنين من القساوسة الشباب الأوربيين، اثنين من البرتغال ينتمون لطائفة «الجيزويت»، وتعني مجتمع المسيح، وهي كلمة مشتقة من لفظة المسيح (Jesus)، وهي جمعية كاثوليكية تبشيرية ظهرت في أوروبا في القرن الـ16. هذان الاثنان، القس الشاب «رودريجيس» (يقوم بدوره أندرو جارفيلد الذي تألق مؤخرًا في دوره بفيلم ميل جيبسون Hacksaw Ridge)، والقس الشاب «جاروب» (آدام دريفر) يقرران السفر إلى اليابان للبحث عن أستاذهما ومعلمهما الروحي القس «فيريرا» (الممثل الأيرلندي الكبير ليام نيسون)، الذي اختفى بعد عدة سنوات من سفره لليابان للتبشير بالديانة المسيحية وسط جموع اليابانيين من المزارعين الفقراء الذين يدينون بالبوذية.

أخبار لا تُصدّق!

كانت قد وردت إليهما أنباء أن القس فيريرا قد ترك دينه وأنكر المسيح؛ بل وأهانه قبل أن يتحول إلى البوذية ويعيش في جزيرة ناجازاكي كأحد أفراد الشعب الياباني. لا يصدق رودريجيس، أو جاروب ما ورد إليهما من أنباء، وبخاصة وأنهما يكنان احترامًا وتقديرًا بالغًا للأب «فيريرا»، ويقرران السفر إلى اليابان للبحث عنه، والتحقق من سلامته ومن كذب الأنباء.

وبالفعل يرتحلان من أوروبا إلى الصين أولًا، ليتم تهريبهما بعد ذلك إلى اليابان التي حظرت في ذلك الوقت دخول المبشرين المسيحيين لأراضيها، ومنعت رسميًّا تحول مواطنيها للدين المسيحي، أو ممارسة شعائر هذا الدين بأي شكل. في الصين يتعرفان على شاب ياباني سيكون مرشدًا لرحلتهم عبر البحر إلى شواطئ اليابان، يبدو الشاب وقد غاب في بحر عميق من الحزن والاضطراب، ولا يكاد يترك قنينة الخمر، ولأنه لا يوجد أي دليل آخر للرحلة، يضطر القسيسان للاستعانة به.

وفي رحلة خطرة عبر الضباب يصلان إلى شاطئ قرية يابانية أغلب سكانها من المزارعين الذين تحولوا سرًّا إلى المسيحية، يستقبل الأهالي القسين بحفاوة بالغة واحترام كبير، فمنذ قيام الحكومة اليابانية باضطهاد القساوسة الجيزويت لم يحل على قريتهم أي رجل دين، وبالتالي افتقدوا طقوس دينية مهمة مثل طقس «الاعتراف» ليتطهروا من خطاياهم، وطقس «التعميد» ليباركوا أولادهم.

يعيش هؤلاء المزارعون في ظروف معيشية صعبة للغاية، وسط مجتمع فقير يحيا بشكل سري، ويخشى تلصص الغرباء، وخصوصًا من رجال السلطة ومن «المفتشين» الدينيين. وعلى الرغم من فقرهم، يبدو أهل القرية في غاية السعادة والرضا لقدوم الأب رودريجيس، والأب جاروب، يحتفون بهما ويقدمون إليهما من طعامهم الشحيح، ويؤثرون على أنفسهم من أجل إكرام رجال الدين.

بعضهم يتكلم الإنجليزية التي تعلموها من قبل من المبشرين الجيزويت، سألهم رودريجيس عن الأب «فيريرا»، فلم يبد أن أحدًا قد سمع عنه. يخبرونهما أن عليهما الاختباء صباحًا في عشة تم إعدادها لهما خصيصًا، وعليهما النشاط ليلًا للقيام بالشعائر الدينية من أجل سكان القرية المتعطشين للدين، والرحمة، والمغفرة.

سوط العذاب

لا يمضي وقت طويل حتى يشي أحد سكان القرية بأمر القسيسين، فيتم تهريبهما للغابة القريبة من القرية، بينما يحضر رجال السلطة والمفتشون عديمو الرحمة إلى القرية، ويتهمون سكانها بالتنصر، الذين ينكرون ذلك خوفًا من الاضطهاد والتعذيب، إلا أن المفتشين يأمرونهم بسب وإهانة المسيح، ودهس صورته بأحذيتهم، كاختبار للتأكد من كونهم بوذيين من عدمه. وإثر خوف ورفض البعض من إهانة رمز الدين، السيد المسيح، يتم اصطحاب هؤلاء إلى الشاطئ لتبدأ عملية تعذيب بطيئة لهم، يتم تعليقهم على صلبان معلقة على جانب ضحل من صخور الشاطئ، ويتركون هناك أيامًا بلا ماء أو طعام، فتأكل المياه المالحة والشمس الحارقة جلودهم، وتنهمر عليهم أمواج البحر بين المد والجذر، فإما يموتون جوعًا وإما غرقًا، بعد ألم طويل يستمر عدة أيام.

كل ذلك وأهالي الضحايا ينظرون إليهم، والقسان الشابان يراقبان من مخبئهما كل ما يحدث، كان الأهالي يحاولون أن يتقبلوا الأمر بقلوب راضية كتضحية من أجل الدين، واحتسابًا لهؤلاء الذين يموتون أمام أعينهم كشهداء وأطهار ستصعد أرواحهم للجنة.

يستطيع القسيسان الهرب إلى قرية أخرى، حيث يعثران هناك على عجوز يزعم أنه قابل «فيريرا»، وأكد لهما أنه بالفعل في «نجازاكي» لكن الطريق إليها خطير، والرحلة قد تنتهي بالهلاك.

استطاع سكورسيسي بعبقريته السينمائية والبصرية المذهلة تصوير حالة العذاب القاسية التي يحيا فيها أولئك المؤمنين في زمن الاضطهاد ذاك، صور الفقراء وأجسادهم شديدة الهزال، وجلودهم شديدة الشحوب، وعيونهم الغائرة والزائغة من القلق والخوف، والشعور الدائم بالمطاردة والخطر. صور أساليب التعذيب المختلفة، ربط المؤمنين في سجاجيد من قش وإحراقهم، وصلبهم على صوارٍ، وسكب مياه الينابيع الفوارة شديدة السخونة على أجسادهم، وأيضًا تعليقهم من أقدامهم رأسًا على عقب لليالٍ طويلة، مع قطع جرح في الرأس لتنز منه دماؤهم حتى لا يموتوا من انفجار روؤسهم، وحتى يستمر العذاب أطول وأطول. صور سكورسيسي الفيلم على خام 35 مللي و15 مللي ليلتقط الألوان الحقيقية للطبيعة المحيطة بالمشاهد، الجبال والحقول والضباب وأمواج البحر، وأيضًا ليلتقط درجات البشرة المعذبة لأجساد المؤمنين، وكان يصور بالكاميرات الرقمية المشاهد الليلية فقط.

«لماذا أنت صامت؟»

يقرر القسيسان أنه من الآمن لهما والأفضل أن ينفصلا في رحلتهما، أحدهما يذهب إلى ناجازاكي والآخر يظل مع القرويين لأداء الشعائر الدينية، ويقرر رودريجيز الذهاب إلى الرحلة الخطيرة، ولا يمضي وقت طويل حتى يتم القبض عليه وإيداعه معسكر للمهرطقين مع آخرين من المؤمنين، كان بإمكانه الحديث إلى الآخرين وشد أزرهم ومساعدتهم على القيام بطقس الاعتراف للتخلص من الخطايا.

لاحظ أنه في هذا المعسكر كان يتم معاملته بشكل حسن، ولأول مرة يجد طعامًا لائقًا مشبعًا، كما قدم له حراسه ملابس يابانية نظيفة، في نفس الوقت الذي لاحظ فيه أنه يتم معاملة الآخرين من اليابانيين بشكل قاسٍ، بل تم قتل بعضهم الذين لم يخضعوا لفكرة إهانة المسيح، كان هدف السلطات أن تزرع داخل المبشرين فكرة أن الشعب الياباني يعاني بسببهم، وأن كل القتل والتعذيب يمكن أن يتوقف إذا توقفوا عن المجيء إلى اليابان، وزعزعة الإيمان البوذي، والتقاليد اليابانية الراسخة.

يبذل رودريجز مجهودًا عقليًّا وذهنيًّا بالغًا من أجل الحفاظ على إيمانه، يرفع عينيه إلى السماء ويتساءل: «لماذا أنت صامت على كل ذلك، لماذا كل هذا العذاب؟ هل أنت صامت، أم أنك غير موجود؟».

تمضي باقي أحداث الفيلم في محاولة رودريجز للنجاة، والوصول إلى فيريرا، وفي نفس الوقت في الحفاظ على إيمانه، وعدم خيانة الدين. الفيلم يطرح أسئلة عميقة حول معنى الدين في الأصل، ويحاول أن يقف موقفًا وسطيًّا بين الطرح الميتافيزيقي المؤمن بالروحانيات والغيبيات، والطرح المادي الذي ينكر ذلك، ويرجع كل شيء لتصاريف الطبيعة، وأن كل شيء يخضع للتفسير العقلي الكامل. وفي كل الأحوال يتفق مع مدى القوة التي يمنحها الإيمان للإنسان، التي تمكنه بالفعل من تحمل أشنع العذابات، والقيام بأشياء خارقة تقترب من المعجزات.

تعليقات الفيسبوك